الوفد، 10 إبريل 2007

العقلية المصرية بين الزكي النجيب محمود وأضداده

د. معتز بالله عبد الفتاح

كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة

www.aladl.net

سئلت عن متى سيتقدم العرب كي يكونوا كما كانوا في مقدمة الأمم. وكانت السائلة تتوقع مدى زمنيا كأن أقول خلال عشرين أو خمسين سنة. ولكن "وما كان الله ليطلعكم على الغيب" وعليه فقد كانت إجابتي شرطية من قبيل: حينما يسود الزكي النجيب محمود ويتراجع أضداده. وأقصد بذلك حينما يسود منهج ومنطق فيلسوف جليل مثل الدكتور زكي نجيب محمود على  طريقة تفكير أغلبنا وبهذا تتراجع أدوات الخرافة والقولبة والتلاعب بالمشاعر والإكراه ويحل محلها الإقناع العقلي ومنطق حسابات المكسب والخسارة. وهنا تذكرت قول الحق سبحانه: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة، والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن" وكأن القرآن الكريم يلفت نظرنا إلى ثلاثة أنواع من الخطاب. الأول هو خطاب الموعظة (التي قد تكون حسنة أو غير حسنة) وتصوري أنها تكون حسنة بقدر ما ترتبط بالحكمة وتكون غير حسنة بقدر ما تقوم على التلاعب بالمشاعر وتأجيج العواطف على حساب إعمال العقل. فهو خطاب السلطة الآمرة سياسية أو دينية بما فيه من تركيز على تأجيج مشاعر السامع ورفع استعداده للاستجابة لانفعالته سواء باستثارة الغيرة أو الغيظ أو الرغبة في الانتقام أو التأكيد على ماضي جميل ينبغي العودة إليه، حتى لو كانت فيه بعض العيوب هنا أو هناك، وبالتالي يستحق أن يضحي الإنسان من أجله بأن يسحق كل ما ومن يقف في طريقه. ألم يقل لنا هذا من حاول قتل نجيب محفوظ ومن قتل فرج فودة، رغما عن اختلافي الشديد مع ما ذهب إليه هذا الأخير؟

ويتلاعب صاحب هذا الخطاب، سواء عن قصد أو دون قصد، بمشاعر الناس عن طريق التودد والاستمالة العاطفية الممزوجة عادة بخطاب ديني مليء بالإحساس بالذنب. وأتذكر بعض شرائط الشيخ كشك، رحمة الله عليه، والتي كان يجد فيها المستمعين صامتين، فيشرع في أن يسألهم بصوته الجهوري: من القهار؟ فيردون بصوت عال، فيه الكثير من الصدق مع النفس والرغبة في الخلاص من واقع مؤلم: الله. من الجبار؟ فيردون: الله، من الستار؟ فيردون الله، وهكذا لمدة جاوزت الدقيقتين هو يسأل وهم يجيبون، هو يزيد في رفع صوته، وهم يزيدون. وبعدها يكون السامع مهيئا معنويا وذهنيا لقبول أي فكرة يطلقها الشيخ الورع والتقي الذي ذكر نفسه والمستمعين بأسماء الله وصفاته. فينعت الشيخ الجليل من يشاء بأي صفة شاء. ولا يملك هؤلاء نفسيا إلا أن يصدقوا ما يقوله الشيخ بشكل يبدو معه وأنه قد نجح في برمجتهم.

 

وحين كنت في المرحلة الثانوية كان يعجبني الشيخ كشك جدا لأنني كنت أستشعر فيه حيوية لا أجدها في عشرات المشايخ والدعاة، فكان رجلا يجمع بين خفة الدم والنقد الحاد لأوضاعنا الاجتماعية والسياسية وقدرته الجبارة على التلاعب بمشاعري والآخرين، فضلا عن أنني كنت أظنه أعلم علماء الأرض. وهذا ما صرحت به لأحد العقلاء من أسرتي: فقال لي لماذا تعتقد أن الشيخ كشك أعلم علماء الأرض؟ فقلت لأنه يقول أحاديث لا أسمعها من أحد غيره؟ فسألني ويا ترى ما السبب؟ فتبين لي أن الشيخ لا يدقق كثيرا في الروايات ولا يهتم كثيرا بدرجة الحديث أو صدق نسبته للرسول. فالأحاديث الأكثر تأثيرا في الناس هي عادة الأحاديث التي فيها الكثير من المبالغة وهو ما يروق كثيرا للهاربين من الحقيقة والطامحين في الانفعال السريع. وهكذا يتوارى الصدق المعرفي والتحليل المنطقي أمام الهياج العاطفي والانفعالي اللحظي. فبعد أن ينتهي الشريط، لا يبقى منه في ذهني إلا بعض النكات أو القفشات.

ومن هنا فلا عجب أن تجد بعض الدعاة الجدد ألحن في القول من بعض الأقدمين ليس لعلم فاقهم ولكن لقدرة هائلة على التلاعب بمشاعر الناس ورفع الإحساس بالذنب لديهم فيجد المرء نفسه بعد أن استمع للداعية فلان أنه يريد أن يدمر أعداء الدين (أيا ما كان تعريف الداعية لهم) أو أن يقوم ويصلي صلاة الظهر، وربما لا يصلي بعدها صلاة أخرى، لأن تأثير استمالة المشاعر سريع ومتقلب. ومن هنا لا عجب أن تسمع أن فلانة ارتدت الحجاب وما لبثت أن خلعته لأنها وقعت تحت تأثير المشاعر القوية التي هي كالنهر الجارف لحظة وكالبحيرة الهادئة لحظات.

وقد قال لي صديق أردني حينما كنت في الولايات المتحدة إن هناك داعية رائع مصري الجنسية اسمه فلان، وقد ذهب إلى الأردن فأغلقت الشوارع وتعطل المرور وحضر محاضرته الملك والملكة، وقد أعطى محاضرة رائعة كلنا استمتعنا بها. فسألته والرغبة في المعرفة تقتلني عن ماذا؟ فقال عن غزوة مؤتة. فقلت له وما الجديد الذي اكتشفه في غزوة مؤتة؟ فقال لا جديد هو فقط أسلوبه جميل. وبقياس سريع على إغلاق الشوارع لأن الشيخ كشك كان يخطب في عابدين، قلت الشيخ كشك تاني؟! فيوم أن تغلق الشوارع للقرضاوي أو البشري أو العوا، سنكون  قد تخلصنا من المراهقة الفكرية التي تجعلنا نهتم بالشكل والبلاغة والأسلوب على حساب المنطق والعلم والصدق المعرفي.

وقد طلب إلي أستاذي الفاضل جميل مطر بأن أشارك في عمل حول 40 عاما على نكسة يونيو 1967 وكان علي أن أنصت لخطابات الرئيس جمال عبد الناصر في الشهر السابق على النكسة، فوجدتني، وأنا لا أقصد أي تقليل من شأن رجل أكن له كل احترام، أستمع إلى نسخة أخرى من الشيخ كشك في دنيا السياسة. لقد كانت الخطب مليئة بالمبالغات وخلط معيب بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون واستمالة عواطف "الشعب العربي" للالتفاف خلف قيادته وكيل الاتهامات والانتقادات لأعداء الثورة وعملاء الاستعمار بمن فيهم ملوك ورؤساء دول عربية يفترض أننا نسعى لتوحيدهم معنا ضد عدونا المشترك، وكان تهييجا مباشرا لجموع المستمعين الذين لم يألوا جهدا في أن يردوا التهييج بأكثر منه.

 

هل هذا نقد لهذا الأسلوب في الخطاب الثقافي والسياسي؟ الإجابة قطعا بالنفي فقد فعلها الرسول الكريم (ص) في أكثر من موضع حينما كان يستحث المؤمنين على القتال استجابة لقول الحق سبحانه: "يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال". لكن علينا أن نتذكر أن القرآن طالبنا بأن ندعو إلى سبيل ربنا بالحكمة قبل الموعظة التي اشترط أن تكون حسنة وهو ما يعني في تقديري أنها ينبغي أن تكون موعظة حكيمة؛ فالحكمة أن يضع المرء الشيء في موضعه. فإذا كنا في ساحة معركة فلا بد من استثارة مشاعر الناس بعد أن نكون اطمأننا إلى سلامة الاستعداد المادي للمعركة. لكن لا يمكن أن نعيش أيامنا كلها في حالة استنفار لأن غلبة المشاعر تضيع الحسابات العقلية السليمة، ولنا في هزيمة 1967 مثال مباشر.

فخطاب الاستثارة، أو الموعظة غير الحسنة، يسعى إلى أن يتجنب الأسئلة الصعبة فهو يشرح المشروح ويوضح الواضح لكن حجم المعرفة المنطقية عادة ما يكون ضعيفا، لأنه خطاب قائم على الانتقاء ويتجنب مساحات الحيرة والقلق. فإذا كان الصحابة العظام قد أحب بعضهم بعضا كما يقول كثير من الدعاة، فما الذي حدث في صفين والجمل وكربلاء؟ ولماذا تقاتلوا، ألا يعلموا الحديث الشريف أنه لو التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار؟ هذه أسئلة صعبة على الخطاب الإنفعالي التهييجي لأنها ستجعل العقل يتوقف ليسأل، والتساؤل غير المنضبط سلفا يخرج بالناس عن دائرة التنويم الدعائي الذي يريده ويقصده صاحب الخطاب. لهذا يتجنب هؤلاء أن يجادلوا، حتى ولو بالتي هي أحسن، لأن الجدال سيكشف ضعف الحجة وقصور المنطق. فهم اكتفوا بالموعظة (حسنة كانت أو غير حسنة) أما الحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن فتحتاج تراكم معرفي وقدرات ذهنية لا تتوافر لمن كان أقوى ما فيه صوته لا عقله.

 

ونأتي هنا للنمط الثاني من الخطاب الثقافي والسياسي الذي ينبغي أن يسود في مجتمعاتنا، وهو الخطاب العقلاني الذي يقوم على الإقناع المنطقي والحسابات الرشيدة للمكسب والخسارة. وهو ما يجده القاريء في كتابات الدكتور زكي نجيب محمود، وكأن الرجل يبني بناء هندسيا دقيقا يحيد فيه المشاعر تماما، فالحقيقة ولا غيرها، هي ضالته. فيوجه الدكتور زكي نجيب محمود نظرنا إلى أننا بحاجة إلى طريقة جديدة في فهم أولويات عصرنا. فنحن بحاجة للعلم الطبيعي والاجتماعي أكثر من حاجتنا للبلاغة والتقعر في اللغة: فإن "كانت الإبل في حياة البدو الرحل بحاجة إلى حداء الشاعر ... فإن القطار لا يستمع إلى غناء ولكنه يريد قضبانا من حديد."

يقول الدكتور النجيب محمود "ولا يزال لواء الحكم معقودا عندنا ـ في أغلب الأحيان ـ للخطيب البليغ في تنميق اللفظ، القدير في رفع الصوت وخفضه، لا للعالم الإحصائي في شئون الدنيا الجارية من حرب واقتصاد؛ وحتى الكاتب الذي يكتب للناس في الصحف، تراه أميل إلى صب أسلوبه في قالب الخطابة الذي يؤثر في النفوس الساذجة، أكثر منه إلى مراعاة الدقة والأمانة في رصد الحقائق." (الاقتباسات من كتاب الكوميديا الأرضية للدكتور زكي نجيب محمود).

هل هذه نقطة من نقاط ضعفنا الثقافي والسياسي؟ أكيد وهي نفس المعضلة التي أشار إليها شكسبير بقوله "إن عقول العامة في آذانهم" أي أن من يعرف كيف يضرب على أوتار العواطف والمشاعر سينجح في أن يستأثر بمشاعرهم. وهذا هو مأزقنا الآن. فنحن لا شك أكثر التزاما بشكل الإسلام (من زبيبة في الرأس ولحية في الوجه وحجاب على الرأس) ولكن لا شك نحن أكثر اهمالا وأقل أمانة وأبعد عن الحس الإسلامي السليم. والتعبير هنا أيضا للزكي النجيب محمود حينما حاول أن يفسر لماذا يوجد هذا الخلل في علاقة المسلم بالإسلام فقال إن المسلمين التزموا الشعائر دون الجوهر الذي وصفه. وقد أعطى الزكي النجيب محمود مثالا من خبرته المباشرة حينما أرسل أحد المستمعين، أحسبه المستمع ع س ن من الشرقية كما يقولون عادة، إلى فقيه في إذاعة القرآن الكريم يسأله هل يستخدم أربعة أصابع أم ثلاثة أصابع وهو يقوم بالمسح على الجبيرة؟ فكان رد الفقيه أنه وفقا للمذهب المالكي فإنه يستطيع أن يفعل كذا وكذا، أما إذا كان من أنصار المذهب الحنبلي فإنه عن فلان بن فلان فإنه يجوز له كذا وكذا...

يقول الزكي النجيب محمود إن غياب الحس الإسلامي هو ما جعل هذا السائل يسأل مثل هذا السؤال، وهو ما جعل المجيب يجيب مثل هذه الإجابة وهو ما جعل إذاعة القرآن الكريم تظن أنه من المفيد للمجتمع أن تبث مثل هذا النقاش من الأصل.

أقول لو كان هذا الذي حدث على عهد عمر لكان قال للسائل والمجيب معا: لا تميتا علينا ديننا. فالمسلمون أمامهم قضايا أعز وأهم. وأقول أيضا إن الأعرابي كان يأتي للرسول الكريم يشهد أمامه الشهادة، ويغتسل ويصلي ويبقى في المدينة بضعة أيام ثم يذهب إلى قومه داعيا ويعود بعد عام وقد أسلمت كل القبيلة، كيف؟ هل درس عشرات الكتب الفقهية والمذهبية؟ هل استمع لمئات الساعات من التسجيلات الصوتية عن الأمانة والصدق والنظافة والإيمان وقصص الأقدمين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين...؟ قطعا لا. إن دين الإسلام هو دين الفطرة الذي يرد المسلم إلى أصله من إنسانيته بلا تقعر أو مبالغة. فأنا أزعم أن الإسلام لم يأت بفضيلة واحدة تختلف عما كان يعرفه الإنسان السوي من قبل، لكن عظمته الحقيقية في أنه وظف كل ما سبق عليه من فضائل ولم يبتدع، أي يخلق على غير مثال سابق، إلا بعض الأمور التنظيمية حتى تستقيم العبادات وذلك بنص القرآن نفسه. فقد كتب علينا الصوم كما كتب على الذين من قبلنا، أي أن الإسلام لم يأت بعبادة الصوم على غير مثال سابق، ولكن هيئة الصوم التي نحن عليها مستحدثة مقارنة بما كان عليه السابقون. وكذا الأمر بالنسبة لكل العبادات والمعاملات الأخرى. بل حتى الشورى التي أمرنا الله بها في القرآن، أوضح الله لنا أنها كانت دأب ملكة سبأ، بل إن قصي بن كلاب، الجد الخامس للرسول، هو الذي أنشأ دار الندوة في مكة كي تتشاور فيها قريش. وكان ذلك قبل الإسلام بمائتي عام على الأقل. بل إني أقول إن العديد من الآيات الكريمة التي تحضنا على العدل مذكورة نصا في قوانين حمورابي. هكذا كان الإسلام وهكذا ينبغي أن يكون، لا هو دين التقعر ولا المبالغات ولا الكرامات، ولا الحكايات. إنه دين الحس الإنساني السليم.

هذه ليست دعوة لتقليل التدين في المجتمع، ولكنها دعوة لأن يكون التدين متسقا مع العقل الذي هو أصل التكليف: ألم يقل الحق إقرأ وما قال لنا نقرأ ماذا، فقد ورد أمر القراءة بلا مفعول به ففهمه العقلاء، ومنهم الدكتور زكي نجيب محمود والشيخ محمد الغزالي شريكه في احترام العقل، على أنه: اقرأ كتاب الله القرآن أي آمن وتدين واقرأ كتاب الله الكون أي تعلم وتفكر.

Hit Counter