مصر في عين أحد زائريها

د. معتز بالله عبد الفتاح

الوفد، 10 يونيو 2008

زار أحد أساتذتي الأمريكان مصر منذ شهرين، ويبدو أنه خرج بأسئلة كثيرة وإجابات قليلة ولأنه صديق ولأنه يعرف مدى اعتزازي بوطني فقد تحرج أن يحدثني عن انطباعاته عن مصر. وبشيء من الإلحاح مني سألني بشيء من الحيرة: ماذا حدث لمصر؟ ورغما عن أنه لم يزر مصر من قبل، لكن زار أكثر من خمسين دولة من دول العالم بين دول متقدمة وما دون ذلك وقرأ عن مصر كثيرا. وكانت توقعاته أكبر كثيرا مما وجد، وحين طلبت له أن يلخص لي ما رأى حتى أساعده على الإجابة، فقال، بعقل من درس تقدم المجتمعات وتخلفها، إنه لا يجب على أستاذ العلوم السياسية حين يزور دولة ما أن يكتفي بالمناطق السياحية المعزولة ولكنه يحكم عليها بما يتمتع به أو يعانيه الفرد العادي في المجتمع، ولهذا فقد كانت القاهرة بالنسبة له واحدة من أهم مناطق الزيارة والتأمل. وحين طلبت منه أن يوضح مواطن الزلل فيما رأى استخدم عبارات محددة لوصف بلدنا Dirty, Dusty and Unorganized وترجمتها: قذرة، متربة، وغير منظمة ويشير بوضوح بما يشير إلى وجود خلل ما في قيم المجتمع. وقد كانت نقطة البداية عنده هي لحظة نزوله إلى المطار على رحلة مصر للطيران، ويبدو أنها كانت مؤلمة لدرجة أنه تمتم بالكثير من الكلمات التي أفادت بأن الأمور لم تكن منظمة على الإطلاق. والمثير للتأمل أنني قد مررت بخبرة مباشرة هذا الأسبوع تؤكد لي ما ذهب إليه أستاذ العلوم السياسية الأمريكي، فبعد رحلة شاقة من نيويورك إلى القاهرة كانت المسافة الزمنية الفاصلة بين استلامي لأول شنطة وآخر شنطة حوالي ساعة وربع، وبطبيعة الحال لم أكن وحدي حتى أبلغنا جميعا أن علينا أن نعمل "محاضر" ضياع شنط. لكن أحد المسافرين مد نظره إلى المكان الذي يتم تحميل الشنط منها، وكانت المفاجأة أن وجد بعض شنطه موجودة، فصرخ متساءلا، لماذا شنطته في مكان تحميل الشنط، وهو مطلوب منه أن يعمل بلاغا للشرطة عن ضياع شنطته؟

ثم توالى نظر المسافرين أصحاب الشنط "الضائعة" إلى هذا المكان الذي توجد فيه هذه الشنط "الضائعة"، فتبين أنها موجودة، وكان السؤال لماذا لم تدخل هذه الشنط إلى مكان تسليم الشنط، وكانت الإجابة من موظف "المطار" أو "موظف مصر للطيران" أنها شنط ترانزيت. وتحول هذا الجزء من المطار إلى ساحة من الصراخ بين المسافرين الذين أنهكهم سفر طويل وموظف تحيط به شبهات سوء خلق الفاسدين أو غباء الجاهلين، فهو في عيون المسافرين إما فاسد يريد وفقا لإحدى السيدات أن يحتفظ بالشنط حتى يجردها من أقيم ما فيها، ثم تعود إلى أصحابها الذين أبلغوا أمن المطار بعد ذلك، أو هو موظف غير كفء لا يفهم معنى الترانزيت. أيا ما كان الأمر، فلولا حكمة وحسن تصرف الأستاذ ياسر الشيمي  لبلغ الأمر حد العراك بالأيدي بين الموظفين والعمال من ناحية والمسافرين الحيارى من ناحية. وفي ضوء هذا كله، نظرت ووجدت نظرات السائحين الأجانب الذين يبدون عجزة حتى عن السؤال. لو أنفق أعداء مصر (للطيران) ملايين الدولارات لعمل دعاية سيئة عن مصر (للطيران)، لما نجحوا. ولو أراد المعنيون التحقيق في الأمر، فلهم أن يعودوا لما حدث في المطار في رحلة ظهر الجمعة 30 مايو 2008 على رحلة مصر للطيران القادمة من نيويورك. لقد أقسم أحدهم ألا يستخدم مصر للطيران مرة أخرى، فرد آخر: "ما مصر كلها كده." يا له من قسم، ويا له من تعليق!

ووجدتني أقف عاجزا عن استيعاب ما قد يكون رآه أستاذي وصديقي الأمريكي فأخرجه من مصر بسؤاله عما حدث في مصر، لاسيما وأنه قادم من رحلة حملته إلى دول عربية وشرق أوسطية أخرى بدت مصر معها وكأنها بلد "عجوز" على صغر عمر الكثير من أبنائها، بلد تتبنى سياسات تنموية ساذجة، في حين أن خرج منها مجموعة من أفضل المخططين والباحثين والعلماء في منطقتنا، تبدو غير نظيفة رغما عن أنها لو أرادت لاتخذت إلى النظافة سبيلا. لم تكن إجابتي لأستاذي وصديقي بأكثر من كلمات معدودات مكنته من فهم المشكلة فقد ذكرته بأهمية دور القيادة في بناء وأداء أي مؤسسة. فالقيادة بخصائصها الست المتعارف عليها في تجارب العالم الأخرى، قد فقدتها مصر بدرجات متفاوتة في مرحلة ما بعد الاستقلال. وبما أن السياسة، ككل شيء في الحياة، اختيارات ذات نتائج؛ فقد اختارت القيادات السياسية في مصر بدائل ذات نتائج سلبية أفقدت المصري الكثير من قيمه ووضعته في ظروف اقتصادية تدفعه للخطأ والرذيلة مع تراجع واضح في الإحساس بالهم المشترك بما جعل مصر والمصريين فاقدين للبوصلة. التقدم يحتاج إلى قيادة بما تتضمنه من رؤية وتسويق وإلهام وعمل وتضحية وقدوة وعلم وأخلاق. وهي تركيبة صعبة لا تأتي مصادفة وإنما تحتاج إلى القدرتين اللتين وصفهما العقاد في شخص الرسول العظيم محمد، صلى الله عليه وسلم: فهو رجل اختصه الله بقدرتين ليستا موجودتين إلا فيمن ساسوا الأمم وقادوا الرجال. القدرة الأولى هي أن يبعث كوامن الحياة ودوافع العمل في الأمة بأسرها وفي رجالها ونسائها الصالحين لخدمتها أي أن يلهم الناس للعمل والجد والاجتهاد لشمس حين تشرق، فستشرق على الجميع. والقدرة الثانية أن يعرف بالوحي الصادق أو البديهة الصائبة، فيم تكون عظمة العظيم، ولأي الأعمال يصلح وبأي المهام يضطلع، ومتى يحين أوانه وتجب ندبته ومتى ينبغي التريث في أمره إلى حين؛ أي أن يعرف كيف يضع الشخص المناسب في المكان المناسب وفي التوقيت المناسب، بما في ذلك أن يعرف متى ينبغي له أن يترك الساحة لغيره لاستكمال المسيرة.