الوفد،  10 يناير 2009

يا رب... دعاء مسلمي العالم في 2009

د. معتز بالله عبد الفتاح

يا رب سبحانك ولا تُقال إلا لك، نؤمن بحكمتك ولا نجرؤ على إدعاء فهم مُرادك، جعلت الأرضَ فسيحةً مبسوطةً وميزت بعضها على بعض، وجعلت بعض الإيمان يرتبط بأرض مقدسة يتصارع عليها أتباع الديانات ذبحا وتقتيلا، ماضيا وحاضرا ومستقبلا. يا رب هل مما يرضيك أن يجور القويُ على الضعيف وأن يُفنى الجبارُ المستضعف؟ يا رب البشر، سبحانك ولا تُقال إلا لك، قلت إنك لا تغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، يا رب عجزنا عن أن نغير ما بأنفسنا، ووقعنا في شرك خداع النفس، أطلقنا اللحى وبالغنا في المظهر وضاع منا الجوهر، قرأنا حروف القرآن وضيعنا حدوده، يا رب بلغت القلوب الحناجر وأيقنا ألا ملجأ منك إلا لك ولا من أنفسنا إلا بالعودة إليك.

يا رب أجريت على ألسنتنا أن ندعوك بأن يلي أمورنا خيارنا ولكننا ضللنا الطريق فما عرفنا كيف نُتبعُ الدعاءَ العمل، خرج أهل جورجيا وبورما على استبدادِ المستبد وفساد الفاسد دون قرآنٍ يُتلى أو حديثٍ يُؤوّل مع أننا من نزل فيهم وصفُك لقوم عاد "الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد." يا رب عَلِمنا ولم نلزم، وقلنا ولم نصدق وها نحن نعترف بذنوبنا لك. يا رب لقد بلَّغ نبيُك الرسالةَ ونحن نشهد، وأدى الأمانةَ ونحن نقر، وما فقهنا ونحن نعترف. يا رب سبحانك ولا تُقال إلا لك، قول رسولك صدق، حذرنا من أن تتداعي علينا الأممُ يوم نكون كثيرين ولكننا بلا قيادة وبلا وحدة كغثاء السيل نتجادل في أين "حبل الله" كي نعتصم به.

يا رب وصفوا نبينا بالرذائل، واختلفنا حتى في الحيل: منا من قاطع، ومنا من حاور، ومنا من تظاهر، ومنا من سالم، وكأن قبلتنا الواحدة وكتابنا الواحد ونبينا الواحد ما علمونا ألا نعود إلى جاهلية ما قبل الإسلام يضرب بعضنا رقاب بعض، وما علمونا أن أعداءَنا اتحدوا ضدنا كالجسد الواحد إن اشتكى منهم عضو تداعى له سائر جسدهم بالسهر والحمى، أما نحن فقد أدخلنا أبرهةَ في كعبتنا وأَذَنا للكعبةِ ربُ، نحن نفوسٌ حقَّ عليها السيفُ وحق الضربُ وتزدهرُ فيها الأمراضُ ويمرضُ فيه الطبُ، لا ذنبَ لنا، لا ذنبَ لنا، نحن الذنبُ (من قصيدة لأحمد مطر).

 يا رب وصفت المؤمنين بدعائهم ألا تجعلهم فتنةً للذين كفروا، أي ألا تجعلهم دليلا يتخذه الكافرون على صدق كفرهم وكذب الإيمان بك. يا رب لقد أصبحنا هذه الفتنة فأخرجنا منها إنا عاجزون.

يا رب سبحانك، ولا تقال إلا لك، قلت وقولك حق: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة." يا رب إن منا من يصلي كثيرا حتى وإن لم يُقمها، فاجعل صلاتنا، أو صلاة العبادِ المخلصين منا، مقدمةً للتمكين الذي جعلته قرارا منك بقوتك وجبروتك يا رب.

يا رب لقد أنزلت لنا الماءَ والأرضَ والنفطَ والحديدَ فيها جميعا بأسٌ ومنافعُ للناس حتى نكون أسياداً للكونِ عباداً لله، فضيعناها وما أفدنا منها، وسرنا عالةً على غيرنا نتكففُ غيرنا المعونة والقروض والاستيراد، ولو عاد كل شيء نملكه إلى منشأ صناعته، لوقفنا عرايا دليلا على تفريطنا في نعمك علينا.

يا رب قلت، وقولك حق، وأنزلنا الميزان ليقوم الناس بالقسط، فظلمنا وتظالمنا وبغى بعضنا على بعض.

أمرتنا بالقراءة في أول كلمة في آخر هدي السماء إلى أهل الأرض، فسمعنا وعصينا، غفرانك ربنا. أمرتنا بالعلم فقلت: وفوق كل ذي علم عليم، وقلت وقل رب زدني علما، وقلت إنما يخشى الله من عباده العلماء، وقلت اتقوا الله ويعلمكم الله، وقلت "سيروا في الأرض فانظروا" فما فقهنا ولا عقلنا ولا تَفكرنا ولا تَدَبَرنا وأحلَلنا غذاءَ العقل بكرةِ القدم وملءِ البطون.

يا رب سبحانك، لقد وصفت أهل الظلم بأنهم أصحابُ البئرِ المعطلةِ والقصرِ المشيد يا رب ها نحن نعترف لك بأننا أنفقنا الأموال على أهل القصور من الروءساء والأمراء وبخلنا بها على طلبة العلم والعلماء.

يا رب لو أردنا الخروجَ لأعددنا له عدةً ولكننا ما أردنا الخروج بحق وما أعددنا له عدته، يا رب لا تأخذ إخواننا الضعفاء بذنوبنا وأرنا طريق الحق حقا، وأعطنا وِسعَ الولوج فيه، وأرنا طريق الباطل باطلا وأعطنا حكمة الخروج منه.

يا رب سبحانك ولا تقال إلا لك،لقد وصفت، ووصفك حق، بني إسرائيل بأن بأسهم بينهم شديد وبأننا نحسبهم جميعا وقلوبهم شتى وأمرتنا، وأضعنا أمرك عصيانا وجهلا، بألا نتنازع حتى لا نفشلَ ولا تذهبَ ريحُنا، أي قوتُنا، فأصابنا ما كان منهم، وأخذوا بأسبابِ القوةِ التي أمرتنا بها. يا رب سبحانك، ولا تقال إلا لك، لقد نمنا في النور، نور آياتك، واستيقظوا في الظلام، ظلام غيابها، لقد خنا كتابك فما استحققنا وعدك بأن تنصرَ من ينصرُك.

يا رب إن تضرّعنا إليك تضرُع الذي أعيته الحيل من نفسه ومن غلبت عليه شقوتُه وأضعفته شهوتُه عن أن يقولَ كلمةَ الحق حين يكثرُ الباطل وأن يقفَ موقفَ النبل حين يشيعُ الخبث وأن يكون الخيرَ الذي يدعو الآخرين له.

يا رب إن الجهلَ لا يغلبُ العلم، والفوضى لا تغلب النظام، والفُرقة لا تهزم الوحدة، والكسلُ لا يفوق العمل، والفساد لا يهزم الصلاح ولكننا أخذنا بنصيبٍ وافر من الجهل والفوضى والفرقة والكسل والفساد والإفساد. يا رب لا ملجأ من ضعفنا إلا قوتُك، ولا من هواننا إلا نصرك، ولا من مهانتنا إلا عزك، ولا من جهلنا إلا يقيننا بعلمك، يا رب انصرنا على ضعف أنفسنا حتى نكونَ عبادك الذين يستئهلون نصرَك، آمين.