|
الوفد، 12 يونيو 2007 يا علماء الإسلام ... اتفقوا د. معتز بالله عبد الفتاح كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة لا أخفي حضراتكم سرا أنني لا أحب الكتابة في أمور الدين رغما عن دأبي في القراءة عنها وذلك خوفا من الخطأ في أمر جلل وإجلالا للمكانة العظيمة التي يشغلها علماء أفاضل كرسوا حياتهم لدراسة شؤونه والتباحث حوله. لكنني أعطي لنفسي الحق في أن أسأل وأن أقدم إجابات محتملة وأترك لأهل الاختصاص الحق في الرد والرفض. وقد أثارني اللغط حول قضايا هي بالفعل لا تذهب بنا بعيدا عن ما ذكره الزكي النجيب محمود من قبل حول غياب الحس الإسلامي عند المسلمين تعليقا على سؤال أرسله أحد المستمعين إلى إذاعة القرآن الكريم حول إمكانية المسح على الخف ومن ثم الحذاء عند الوضوء، فرد عالم أزهري جليل ردا فيه من التفصيل ما يشير إلى أن المسألة فيها خلافات كثيرة وعميقة بين أهل الفقه. فكان تعليق الزكي النجيب محمود أن غياب الحس الإسلامي السليم هو ما جعل صاحب السؤال يسأل سؤاله وهو ما جعل العالم يجيب إجابته وهو ما جعل إذاعة القرآن الكريم تعتقد أن مثل هذه القضية ينبغي أن تشغل الناس من الأصل. والأمر بالفعل جلل. فالأصل أن الدين، أي دين، يقدم للناس قائمة بما ينبغي عليهم فعله (دائرة الواجب أو الفروض) وبما ينبغي عليهم تجنبه (دائرة الحرام) وما بينهما من المستحب والمكروه والمباح. ولكن ماذا لو بلغ الأمر بنا بأن الدين نفسه فقد قدرته على أن يحدد للناس هذه الدوائر بفعل الجدل بل اللجج بين علمائه؟ وهي قضية أخطر من أن نقول بشأنها إن اختلاف الأمة رحمة، وبالمناسبة هذا ليس بحديث. من المنطقي أن يختلف مالك مع الشافعي لأن ما وصل لهذا من أحاديث لم يصل بالضرورة لذاك، لكن ماذا عنا الآن؟ هل من المعقول أن يكون أمر ما في دائرة المباح عند بعض العلماء الثقات وهو نفسه في دائرة الواجب أو الحرام عند البعض الآخر؟ هذا يعني أن البوصلة أصابها عطب. يا علماء الدين: إعذرونا فلو اتفقتم لما اختلفنا. فهل الطلاق الثلاث حتى ولو بكلمة واحدة يقع كما يقول ابن حزم، أم أنه يعد طلقة واحدة كما يقول ابن تيمية؟ هل الغناء الحسن مباح ويجوز بيع آلاته وأدواته كما يقول ابن حزم أم هو حرام كما يقول ابن تيمية ومدرسته، وهل الغسل يوم عرفة بدعة كما يقول الألباني أم هو ثابت عن الرسول كما يقول ابن القيم؟ وهل فوائد البنوك من المعاملات المستحدثة التي لا ينطبق عليها حكم الربا كما يقول فريق من مجموع البحوث الإسلامية أم هي حرام كما يقول معظم العلماء غير المنتمين له؟ وما هو حكم قتل المسلم للذمي، هل دم المسلم معصوم كما عند الشافعية والمالكية، أم غير معصوم كما عند الحنفية؟ هب أنني حاكم مسلم وأريد أن أتلمس شرع الله فماذا يكون حكمي؟ وهل الصلح مع إسرائيل جائز كما يقول ابن باز قياسا على صلح الحديبية ومعاهدات الرسول مع يهود المدينة أم هو حرام كما يقول القرضاوي قياسا على طرد يهود خيبر وبني قريظة وفتح مكة؟ وماذا عن نقل الأعضاء؟ وماذا عن ولاية المرأة للقضاء؟ وهو ما يجعلني أطرح، بكل أدب، عددا من النقاط التي هي أقرب إلى أخطاء يحتمل أن يختلط بها بعض الصواب. والرأي الأخير لأهل الاختصاص. 1- هل هناك حاجة لمراجعة منهج الاستدلال الشرعي؟ والرأي عندي أن المعضلة ليست في القضية محل التحليل والتحريم وإنما في منهج الاستدلال الذي يجعلنا في النهاية ننتهي إلى الرأي ونقيضه. وقد قرأت طويلا في اسباب اختلاف الفتاوى والتوجهات، وحقيقة فهمت ولكنني لم أقتنع. هو دين واحد من رب واحد لرسول واحد جمع في كتاب واحد وهو القرآن ثم عدد معقول من الأحاديث المتواترة (أي التي رواها عدد كبير نسبيا يفوق السبعة عند البعض من الرواة الثقات) والمشهورة (أي التي رواها عدد فوق الواحد أو الاثنين حتى ستة من الرواة الثقات) فضلا عن آلاف أحاديث الأحاد التي يقف منها الكثيرون متشككين والتي أعتقد أن بسببها نفقد رشدنا ونسمع في ديننا ما لايقبله عاقل. أنا لست قرآنيا أرفض السنة ولكنني معكم أعلن حاجتنا لأن لا نبالغ في تقديس أي قول ما دام نسبه أي شخص، مهما كانت درجة قربه من الرسول الكريم، إلى ديننا. فكم شخص روى عن الرسول شرب العرق والبول؟ وكم شخص روى رواية موافقة الرسول على إرضاع المرأة للرجل حتى تحرم عليه؟ أعتقد أنها مسألة فنية علمية تحتاج إعادة النظر في منهج الاستدلال برمته وإلا صارت فوضى. وهو ما يستتبع سؤالا آخر: أين رد المتشابه إلى المحكم ورد حديث الأحاد إلى المتواتر ورد كل السنة إلى القرآن؟ إن التعدد الفقهي مقبول كنقيض للاستبداد باسم الدين، ولكن التعدد حين يصل إلى الفوضى واللامعيارية فيخشى المرء على أصل دينه. 2- أليس أصل ديننا هو العقيدة والأخلاق؟ يا علماء الدين لي تجاهكم شيء من العتاب، إن أصل ديننا هو العقيدة والأخلاق. بل إن كل قصص القرآن الكريم وهي أكثر من ثلث القرآن جاءت لترسخ في المسلمين عقيدتهم (الإيمان بالله ورسله وكتبه) ومكارم الأخلاق وهي ما جاءت في آيات القرآن صراحة بعد قول الحق سبحانه "قل تعالوا أتلوا ما حرم ربكم عليكم" ثم أعقبها بتفاصيل واضحة كما جاءت في الوصايا العشر التي نزلت على موسى والآيات 149-151 من سورة المائدة، فكلتاهما نصتا صراحة على ألا نشرك بالله شيئا وبالوالدين إحسانا ولا نقتل أنفسنا ولا نقرب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا نقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وألا نأكل مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأن نوفي الكيل والميزان بالقسط وألا نقول إلا بالعدل حتى لو تضرر منه ذوو القربى. ذلك وصانا به لعلنا نتقي ونتذكر ونعقل. والأمر ليس ببعيد عن العقيدة التي جاءت نصا في أمر الله لنا بأن نؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى الأنبياء دون أن نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ومن يبتغ غير الإسلام دينا، فلن يقبل منه وفقا لعقيدة المسلمين. إذا كان ديننا بهذا الوضوح وهذه الصرامة فلماذا يستعرض بعضنا عضلاته الذهنية بالإكثار من الغريب والمتشابه وما تعافه النفس وتحار معه العقول؟ فهذا ليس دليل نضج وإنما دليل ترف نحن لسنا بحاجة إليه. وقد سبق وأن أشرت إلى إعجابي السابق بالشيخ كشك رحمة الله عليه وكنت أعتقد أنه أعلم علماء المسلمين حتى سألني أحد من أثق فيهم ولم ذلك؟ قلت لأنني أسمع منه أحاديث لا أسمعها من غيره. وكان رده ولم ذلك؟ فتبين لي أن الشيخ كشك عليه رحمة الله كان لا يدقق في الروايات بل ويبالغ في البحث عن غريب القصص بما يدغدغ به المشاعر ويثير به الآهات. وهو ما لا تحتاجه أمة جادة باحثة عن هويتها حريصة على أن تفهم عن الله مراده. ومن هنا أعجبني رأي الشيخ القرضاوي من أن علينا نحن المسلمين أن نهتم بالقضايا بقدر اهتمام القرآن بها، وألا نبالغ في البحث في التفصيلات التي هي من لمم القول والفعل. فعلينا أن نتشدد في أمري العقيدة والأخلاق ونعض عليهما بالنواجز ولكن علينا أن نبحث عن اليسير في كل أمور المعاملات والشعائر وليس العكس. 3- من الذي قال إن العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب؟ اسمحوا لي علماءنا الأفاضل أن أسأل عن معنى هذه القاعدة. فهل أي حكم يأتي في القرآن أو السنة يأخذ على إطلاقه دون النظر إلى خصوصية سبب نزوله؟ وبالتالي لو جاء في القرآن "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" فعلينا أن نقاتل هؤلاء دون التفات لأسباب نزول الآية الكريمة؟ إذن لماذا نوجه أسهم النقد إلى سيد قطب وأسامة بن لادن وأيمن الظواهري؟ فهم طبقوا نفس القاعدة لكن بأمانة زائدة عن الحد. هل نضع لهم القاعدة وعندما يطبقونها نهيل عليهم النقد؟ فلو صح أن العبرة بعموم اللفظ إذن فعلى كل رجل أن يرضع من زميلاته في العمل، وهكذا. والحقيقة أن الفقه حين يختار بين هذين البديلين فقط (عمومية اللفظ وخصوصية السبب) هو يضع نفسه في مأزق مفتعل ويضيع على نفسه بدائل أخرى. وهنا أنا أسال: لماذا لا تكون العبرة بعمومية السبب؟ أي لماذا لا نبحث عن السبب (سواء سمناه علة مباشرة أوحكمة بعيدة) من وراء كل حكم شرعي حتى لا يطبق إلا في حدود الحالات المتشابهة دون الحاجة للتعامل مع ظاهر النص على أنه هو الحاكم دون اعتبار للواقع المعاش؟ 4- أين الأولويات في الفقه الإسلامي المعاصر؟ أين قضايا الشورى والديمقراطية ومحاربة الفساد وتسرب الأطفال من التعليم والمبالغة في إنجاب الأطفال ومنع حق غير المسلمين من بناء دور العبادة الخاصة بهم وإهدار المال العام وتشريد العمال والتفاوت الحاد في الدخول والثروات والتأكيد على الفروض الكفائية؟ أين اجتهادات علماء الدين المعاصرين بشأن استقلال القضاء وتزوير الانتخابات وتغيير صفة الناخب وإضرابات العمال وغيرها من القضايا التي تنفع الناس؟ يحضرني قول للشيخ محمد الغزالي في كتاب "مشكلات في طريق الدعوة الإسلامية" أنقل نصه: "ولا بد من الاعتراف ابتداء بأن فقه العبادات، وجوانب من فقه المعاملات اتسع عندنا اتساعا أكثر من اللازم، وأن الاستبحار التشريعي في أمور الطهارة والصلاة والحج والزكاة وما إلى ذلك كان أكثر مما يطيقه الفرد المسلم أو المجتمع المسلم، وقليل من هذا كان يكفي الناس... لكن لاشك أن في الأمة تخلفا في سياسة الحكم وسياسة المال." صدق الشيخ، وبنفس الدرجة من الصراحة أقول، لولا أننا استوردنا من الغرب بعض آليات إقرار موازنة الدولة والرقابة عليها لكنا نعيش زمن ملوك المسلمين الذين نسميهم مجاملة خلفاء حيث لا انفصال بين ميزانيتهم الشخصية وميزانية بيت المال. ولكان الواحد منا يقف عند قصورهم ينتظر عطاياهم. ولولا أننا اضطررنا أن نستورد فكرة الأحزاب السياسية والبرلمانات المنتخبة والصحافة الحرة لكنا جميعا، إلا الإمعات، ننتظر أن يقام علينا الحد بحكم الترويج للفتنة وتأليب الرأي العام. ويشير الشيخ الغزالي إلى أن هناك 25 كبيرة من الكبائر لم توضع لها عقوبات في الفقه الإسلامي، بسبب انشغال العلماء في عصور التخلف بما لا ينفع الناس، في مثل عقوبات التعامل بالربا أو الغصب أو الفرار من الزحف أو أكل مال اليتيم أو الغش. بل أكثر من ذلك يقول الشيخ الغزالي: "حتى في ميدان الأسرة ... احتبس الفقه في حدود المذاهب الأربعة حتى جاء ابن تيمية واستطاع أن يصنع عملا هائلا عندما رفض طلاق البدعة... وقوانين العمل والعمال لا تزال صفرا عندنا ونستوردها الآن من الخارج .. القوانين الإدارية إلى الآن لا تزال أيضا مجلوبة..." وهنا يكون السؤال المطروح على علمائنا الأفاضل أين تطبيق مبدأ المصالح المرسلة الذي قال به مالك؟ وأين الاستحسان الذي قال به الحنفية؟ وأين مرونة الحنابلة في إباحتهم للمعاملات المرتبطة بالعقود؟ وماذا لو تعارض كل ذلك مع نص ثابت؟ فقرآننا يجعل عقوبة السارق المحترف قطع اليد. وأنا أقول من يقطع يد من في هذا الزمن الذي نعيشه؟ وعليه أتصور أن عالما جليلا يمكن أن يقول إن عقوبة قطع يد السارق تكون في جريمة السرقة الثالثة كجزء من التدرج في العقوبة، أما في الأولى والثانية فيعاقب تعذيرا بالسجن حتى لا نتعجل قطع يده وحتى نعطيه فرصة للتوبة. أليس هذا أفضل من أن تكون هناك قطيعة بين النصوص الشرعية المعطلة والأحكام الوضعية المستوردة؟ إنني لا أسمع مثل هذا الاجتهاد الذي يعمل النص ويحدث مصالحة بين الواقع والشرع. ألا نعيش الآن ما قاله ابن القيم بأن فئة من الناس، بسوء تصرفهم، جعلت الشريعة قاصرة عن القيام بمصالح العباد محتاجة لغيرها؟ كنت أتمنى أن تفرد الصحف نقاشا فقهيا موسعا بشأن قضايا من قبيل فتوى أحد العلماء الثقات بحتمية وجود تداول سلمي للسلطة لأنه يعين على مواجهة الفساد وسوء إدارة ثروات البلاد، أو على حتمية وضع سقف زمني لتولي الحاكم منصبه لما في ذلك من حسن إدارة أمور البلاد، أو تحريم منع تمكين المواطنين من الإدلاء بأصواتهم... إلى آخر هذه الأمور التي تبدو لي أهم من نقاش الصبيان بشأن قضايا لا يعرف العقلاء لها قيمة. هذه أسئلة، دون إجاباتها، عساها تعين شخصا ما في مكان ما على تبصر ثغرة مهمة في حياتنا الدينية. ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. |