|
تأملات قرآنية: ماذا يريد الله منا؟
د. معتز بالله عبد الفتاح
كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة الوفد، 25 مارس 2008
WWW.ALADL.NET
لا أعتقد أن الإسلام العظيم جاء بفضيلة جديدة لم يذكرها حكيم سابق أو
فيلسوف قديم أو ديانة مضت، وإنما عبقرية الإسلام في الوسطية التي تقف بين
نقيضين كلاهما حرام. فمثلا تعمر آيات القرآن وأحاديث الرسول، صلى الله عليه
وسلم، بالتذكير بأن الهدف من العبادة هي خلق وازع ديني يردع المسلم عن
الخطايا، فالصلاة ليست حركات بدنية وتمتمات باللسان وإنما هي عبادة لها هدف
وهو النهي عن الفحشاء والمنكر بحكم أنها فاصل زمني يقتطعه المرء كي يترك
دنيا الأسباب بزخرفها ليتصل برب الأسباب بجلاله. فإن اجتمعت الصلاة مع
الفحشاء والمنكر، فأغلب الظن أنها ليست الصلاة التي يقصدها القرآن الكريم.
ولو أخذت الصلاة من وقت المسلم ما يجعله يتعطل عن واجباته الدنيوية الأخرى،
فقد تخلى صاحبها عن الوسطية: "يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم
الجمعة، فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع" "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في
الأرض وابتغوا من فضل الله" (الجمعة، 10). إذن من تمام الوسطية والاعتدال
أن نصلي وقت الصلاة وأن نعمل وقت العمل.
بيد أن القرآن الكريم لم يترك هذه الأوامر بدون رؤية شاملة أقرب إلى خريطة
محكمة في أمور العقيدة والأخلاق تجعل من يفهمها صاحب قضية واحدة وواحدة فقط
وهي طاعة الله في العلم والعمل، وفي السكون والحركة لكن بوسطية واعتدال
وتوازن يليق بخالق عظيم.
فالله يقول يا أيها الإنسان "ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم
من رزق وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين."
هذا ما يريده الله من الإنسان، ولكن ما الذي يريده الإنسان؟ هل يريد المال
والجاه والشهرة والصحة ومتع الحياة الحسية؟ نعم وغيرها مما أسماه القرآن
الكريم "حب الشهوات."
فهل هناك تناقض بين ما يريده الله من الإنسان وما يريده الإنسان من الله؟
الإجابة أنه لا تناقض بينهما بشرط
ان يلتزم الإنسان بالتوازن والاعتدال والوسطية. فهدف الإنسان الأسمى أن
يكون سيدا للكون عبدا لله. فالإنسان ظلوم جهول يطلب ما لا يطيق ويحمل نفسه
ما لا يستطيع وينظر إلى ما يريد ويتجاهل المطلوب منه، ويضع نفسه في دائرة
المسؤولية في الدنيا والأخرة بعدم التزامه أوامر الله ونواهيه. ومن هنا جاء
قول الحق سبحانه: "إِنَّ
الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا
لَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ"
وهذه الآية هي جوهر الحدود في الإسلام. فمن أراد أن يمارس الرذيلة بعيدا عن
الناس، فعقوبته الأليمة عند ربه، أما من ينشر الرذيلة في المجتمع طمعا في
زخرفها فإنه يضلل الناس عن دينهم، ولا بد أن يعاقب في الدنيا وفي الآخرة.
ومن هنا كان حد السرقة
وحد القذف وحد الزنا وغيرها.
فإذا أردت، أيها الإنسان، شيئا من "شهوات الدنيا" فتذكر أنك في علاقة تضاد
مع إرادة الله ما لم تلتزم منهجه في الوصول إليها "قُلْ
إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
" (الأعراف، 33).
واحذر أيها الإنسان أن تبلغ بك الخيلاء وحب الذات والرضا عن النفس الحد
الذي يجعلك تنسى أن الحياة الدنيا "لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في
الأموال والأولاد." فلا تجعلها أكبر همك ولا مبلغ علمك ولا آخر أملك بل لا
بد أن تقف منها موقف الوسطية الراشدة كما قال الحق سبحانه "
لِكَيْلا تَأْسَوْا
عَلَى
مَا
فَاتَكُمْ
وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ
كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ"
(الحديد، 23) يقول الشيخ محمد الغزالي، وليس قصد القرآن الكريم مصادرة
الطبع الإنساني في شعوره بالحزن والفرح ولكنه يهدف إلى الاعتدال والتوازن
لأن للفرحة الطاغية نشوة تذهب العقل وللحزن الجاثم وطأة تسحق الإرادة.
وكأن الشيخ الغزالي يجمل ما فصله الإمام جعفر الصادق حين قال: "إن الله قد
يعطي وهو يمنع وقد يمنع وهو يعطي، وقد تأتي العطايا على ظهور البلايا، وقد
تأتي البلايا على ظهور العطايا، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن
تحبوا شيئا وهو شر لكم" وتأتي الحكمة التي ما بعدها حكمة "والله يعلم وأنتم
لا تعلمون."
وهو ما يجعل الإنسان الرشيد يقف في مساحة الاعتدال بين البغي واليأس:
"وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ
وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ
بَصِيرٌ، وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا
وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ" (الشورى 28، 29)
هاتان آياتان عظيمتان تقدمان لنا منهجا في فهم منطق الخالق العظيم في
العطاء والمنع. وكأن الله يقول لنا أنه سيمنعنا من البغي في الأرض بألا
يبسط لنا الرزق أكثر مما تطيقه عقولنا حتى لا يصل أحدنا إلى ما ذهب إليه
قارون حين نسب لنفسه الفضل لأنه صاحب علم "إنما أوتيته
على علم عندي" (القصص، 78)، أو حين فتح الله الدنيا على صاحب الجنتين
فانتهى إلى ظنه أنهما لن تبيدا أبدا، أو منطق فرعون الذي وجد الأنهار تجري
من تحته فادعى أنه ربنا الأعلى. وكانت العاقبة أن خسف الله بقارون وداره
الأرض، وأرسل على الجنتين حسبانا، وأخذ الله فرعون نكال الآخرة والأولى.
وترك ذكراهم لنا لعلنا نتذكر أو نخشى. لكن الله يعلم أننا كثيرا ما نفزع
للأسباب ونتجاهل المسبب بعقولنا الضحلة، فيعلمنا أن لا حول ولا قوة ولا
نجاح ولا توفيق ولا تقدم ولا ازدهار إلا بالله. وهو ما يتجسد في الآية
الأخرى التي يقول الحق فيها إنه يمنع الغيث عنا أحيانا اختبارا أو تذكرة
حتى نعلم يقينا ألا ملجأ من الله إلا إليه وعندها ينزل الغيث من بعد ما
يصيبنا القنوط واليأس مما في أيدينا وترتفع الأيدي بالدعاء والألسنة بكلمات
العجز مما عند الناس واليقين فيما عند الله، وهنا ينزل الله الغيث لأنه
بخبرته وبصيرته يعلم أننا إن أعطينا بلا حدود بغينا في الأرض، وإن منعنا
يأسنا وهلكنا. وهو حاله سبحانه مع أنبيائه، وهو القائل:"حَتَّى إِذَا
استيئسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ
كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا" (يوسف:110)، وكأن الحق يقول لنا إن حلاك
الليل وسواده عابران مهما طالا، والنصر آت لمن ظل يطرق باب ربه خوفا وطمعا.
اللهم اجعلنا أمة وسطا وأفهمنا مرادك منا يا رب العالمين.
|