|
تأملات قرآنية
د. معتز بالله عبد الفتاح
كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة الوفد، 18 مارس 2008
المسلمون مأمرون بتلاوة القرآن وتدبر آياته. وهذه مجموعة من الآيات التي
حين قرأتها عنت لي بعض التأملات.
الآية الأولى تقول: "ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا" (الممتحنة، 5) وهو
دعاء يحمل في طياته المعنى التالي: أي يا رب لا تجعلنا دليلا يتخذه
الكافرون على صدق كفرهم وكذب إيماننا فنكون سببا في تحول الناس عن دينك
لأنهم ما عرفوه إلا لأنهم عرفونا، فبدلا من أن نكون هداة مهتدين نكون ضالين
مضلين. تذكرت هذه الآية الكريمة عندما قالت لي زوجتي أن إحدى الأمريكيات
رجعت عن الإسلام مرة أخرى بعد أن رأت بعينها سلوك بعض المسلمين والمسلمات
الذين يحرصون على الصلاة ولا يحرصون على الصدق، يحرصون على صوم رمضان، ولا
يحرصون على الوفاء بالوعود، الذين يحرصون على الحج ولا يحرصون على احترام
بعضهم البعض. تذكرت هذه الآية الكريمة أثناء حواري مع طالب دراسات عليا من
اليابان طلب مني أن أقرأ جزءا من رسالته فروى لي بعض ما واجهه من صعاب
أثناء زيارته لبعض الدول المسلمة وكيف أنه خرج بانطباع سلبي عن الإسلام بما
انعكس بوضوح في رسالته. وكان مطلوب مني أن أقول له إن الإسلام عظيم وأغلب
المسلمين لا يتصرفون بوحي منه، وأن اعتزازهم به لا يعني التزامهم بآدابه
ولكن هيهات: وكأن لسان حاله يقول إذا لم يكن الإسلام قد نفع المسلمين في
شيء فكيف ينفع الآخرين؛ فكيف يستقيم الظل والعود أعوج. تذكرت هذه الآية حين
سألني أحد أصدقائي عن حكم الإسلام في التدخين، فقلت له إنه حرام على أرجح
الأقوال. فسألني لماذا: قلت له لأنه مضر بصحة المدخن ومن يحيطون به، فرد:
وماذا عن قتل المدنيين في عمليات استشهادية؟ أليس مضرا بصحة القائمين بها
والمحيطين بهم؟ تذكرت هذه الآية عندما قرأت كلام الشيخ محمد الغزالي: إن
المسلمين جدار سميك بين العالمين ودينهم. أي أن المسلمين، بسوء سلوكهم
يقفون حائلا بين تعرف غير المسلمين على صحيح الإسلام.
تذكرت هذه الآية وأنا أجمع المادة العلمية لكتابي عن المسلمين
والديمقراطية لتكون المفاجأة أن ثمانين بالمئة من المسجونين السياسيين في
العالم (أي بسبب آرائهم السياسية) مسلمون، وأن الدول المسلمة مسؤولة عن
أكثر من خمسين بالمائة من النظم غير الديمقراطية في في العالم، وأن أيا
منها لم يصل إلى مرحلة "الديمقراطيات الراسخة". فلو أراد أحد ساكني المريخ
أن يتخير دينا من ديانات الأرض بالنظر فقط إلى أحوال أتباع كل دين، فأغلب
الظن أنه لن يختار الإسلام. ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا.
الآية الثانية "
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي
الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ
يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (النحل، 90)، في هذه الآية العظيمة
يبدأ الله أمره لنا بالعدل، وكأنه الحد الأدنى لعلاقة الإنسان بالآخرين،
ويذكر في عقبه الإحسان وهو تعجيل الخير وهي منزلة أعظم ولا شك. فالعدل يعني
القسط والموازنة وعليه "فإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به" لكن للإحسان
نصيب "ولئن صبرتم لهو خير للصابرين" فمن العدل قوله تعالى: "وجزاء سيئة
سيئة مثلها" ولكن من الإحسان "فمن عفا وأصلح فأجره على الله." ومن العدل
"والجروح قصاص" ومن الإحسان "فمن تصدق به فهو كفارة له." ولذي القربى
نصيبهم لأنهم يقعون في دائرة مسؤوليتنا المباشرة أكثر من هؤلاء الذين باعد
بيننا وبينهم المكان أو الزمان أو النسب. فما دون العدل ظلم وجور وكذب
وخيانة وفحشاء ومنكر وبغي، وكل هذا ليس من الإسلام، أما ما فوق العدل من
إحسان وكرم وتفضل وعفو وصفح وبر بالآخرين فهو من كمال الإسلام بل من
الإيمان الذي وقر في القلب وصدقه العمل. وعليه حين قاتل الرسول صلى الله
عليه وسلم الكفار فقد قاتلهم بالعدل، وحين عفا عنهم في فتح مكة فقد عفا
عنهم بالإحسان وما كان ليظلم أو يبغى. وكذلك حين رفض ابن الخطاب أن يعطي
لبعض ضعاف النفوس من الأعراب سهم المؤلفة قلوبهم فكان يتصرف بالعدل، وحين
أمر لليهودي العجوز من بيت المال، فكان من العدل لأنه ليس من العدل أن يأخذ
منه الجزية في شبابه ويحرمه في شيخوخته، وكذا حين رفض أن يصلي في كنيسة
القيامة حتى لا يتخذها المسلمون من بعده مسجدا. وحين احترم المسلمون حقوق
الآخرين في بناء دور العبادة، فكان من العدل لأنه لا إكراه في الدين، وحين
تبادلوا معهم التهاني في أعيادهم فكان من الأحسان وهذا هو جوهر قول الحق
سبحانه " لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي
الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ
وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الممتحنة،
8). فالله يقول إن الذين يعيشون معنا ولم يقتلونا أو يخرجونا من ديارنا لهم
أن نتعامل معهم بالبر (وهو من مراتب الإحسان) وكأننا نعجل لهم الخير مثلما
هو مع بر الوالدين، وإن لم نكن بهذا الإحسان، فعلى الأقل فلنكن عادلين ومن
العدل أن يكون لهم حقوق كما لنا حقوق غير منقوصة.
اللهم اجعلنا من أهل العدل
والإحسان.
الآية الثالثة تقول: "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ
عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ
مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ
أَمْرُهُ فُرُطًا" (الكهف، 28). والآية ترسم منهجا يضعه الخالق لرسوله
ولعباده من بعده بأن فرق بين منهجين في الحياة وفريقين يسيران على نهجهما:
الأول هو منهج من جعل نفسه وحياته ومماته لله يدعوه ويذكره ويعمل له ويخشاه
ليلا ونهارا لأنه يريد وجهه سبحانه ولاشيء سواه، لكن المهم ألا تذهب عيناك
بعيدا عن هؤلاء لأنهم عادة قليلون ومتع الحياة الفانية غالبا ليست عندهم
وإنما عند من أساء وأخطأ وتعمد الخطأ حتى أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع
هواه فأصبح أمره فرطا. هي آية تحتاج الكثير من التأمل كي نحسن فهمها ونعمل
بهديها. اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
|