عدم الاستقرار السياسي في مصر: نظرة للمستقبل

28 فبراير 2009

معتز بالله عبد الفتاح

 

اضرابات واعتصامات ومظاهرات واحتجاجات وحديث متواتر عن احتقان شعبي يأمل البعض، ويحذر آخرون،  من أن يكون مقدمة هزة عنيفة تغير بنية النظام السياسي المصري. وقد يكون من المفيد أن يلقي هذا المقال الضوء على أصل المسألة حتى نفهم كيف ولماذا تنجح بعض الاحتجاجات في أن تتصاعد وصولا لتهديد النظام السياسي القائم أو أن تظل مطالب فئوية لا تحمل دلالات سياسية طويلة المدى.

لصامويل هانتنجتون، عالم السياسية الأمريكي الشهير، معادلة تقول إن عدم الاستقرار السياسي (وفي قمته الثورات السياسية) يساوي المطالب السياسية مقسومة على المؤسسات السياسية. وبعيدا عن التعقيدات الأكاديمية، فإن الفكرة ببساطة هي أن عدم الاستقرار السياسي يزيد كلما زادت المطالب السياسية وضعفت قدرة المؤسسات السياسية على الاستجابة الفاعلة لها.

إذن نحن أمام مصطلحين أساسيين: المطالب السياسية والمؤسسات السياسية. أما المطالب السياسية فهي ليست بعيدة عن مفهوم الطلب على السلع والخدمات في الاقتصاد. فالمطالب السياسية تعبر عن رغبة قطاع من المواطنين في التاثير على عملية صنع القرار السياسي مع استعدادهم وقدرتهم على دفع الثمن. وهذا الثمن يكون في النظم الديمقراطية عادة بالتصويت في الانتخابات أو بالاتصال بالنواب أو بأعضاء السلطة التنفيذية وربما يأخذ شكلا غير رسمي من خلال مظاهرات واعتصامات واحتجاجات أيضا. وعادة ما يكون عائد هذه المشاركة السياسية المتوقع كبيرا وتكلفتها لا تتضمن انتهاكا مباشرة لحقوق المشاركين بل وفي حماية أجهزة الأمن كما لاحظ متعجبا جدنا الكبير رفاعة الطهطاوي حين وجد أن الشرطة الفرنسية تحمي المواطنين أثناء مظاهراتهم ولا تستخدم العصا والهروات لحماية الحكم والحكومة كما كان معهودا في في مصر في القرن التاسع عشر ولا يزال.

أما في النظم التسلطية والديمقراطية الصورية والشكلية فإن التكلفة تكون عالية للغاية وعائد هذه المطالب متفاوت بمقدار وجود أجهزة أخرى بجوار الأجهزة الأمنية تتدخل في الاستجابة لها أو كبتها.

 

يبقى أخيرا أن نشير إلى أن مطالب المجتمع من الدولة تشمل في حدودها الدنيا المطالب الفئوية والخدمية المحدودة والتي تصنف على أنها "سياسة دنيا" (low politics) لأنها تهدف لتحقيق مطالب محدودة جغرافيا أومهنيا ولا ترتقي إلى مطالب السياسة العليا (high politics) والتي تستهدف تغيير القواعد السياسية الحاكمة للمجتمع أو تغيير مؤسسات الدولة واسقاط الحكومة أونظام الحكم.

وعليه كلما ارتفعت المطالب سواء الفئوية أو السياسية على نحو لا يمكن لمؤسسات الدولة أن تستوعبها أو تردعها فإن عدم الاستقرار السياسي يتزايد بما قد يفضي إلى الثورة والانفجار. ولكن ما المقصود بالمؤسسات السياسية؟

هذه المؤسسات تنقسم إلى ثلاثة أنواع أساسية: فهناك المؤسسات الخدمية مثل المدارس والمستشفيات والمحكام والجمعيات الاستهلاكية وغيرها والملاحظ أنها تزداد ترهلا في مصر في مواجهة موجات متزايدة من المطالب نتيجة زيادة عدد السكان على نحو ما تساءل الأستاذ عبد العظيم حماد في واحدة من مقالاته عن أسباب وصول الإدارة العامة في مصر إلى هذه الدرجة السحيقة من العجز.

وهناك ثانيا المؤسسات السياسية التي تقوم بمهام التعبير عن مطالب المواطنين والرقابة على أعمال الحكومة وتداول السلطة على نحو يفضي إلى التغير في القواعد الحاكمة لـ "من يحصل على ماذا متى وأين وكيف" وللأسف فالأحزاب ومجلس الشعب والمجالس المحلية غير قادرة على أن تقنع المواطن المصري بالمشاركة الفاعلة في الحياة السياسية سلميا بما يعني خللا لا يقل في خطورته عن الخلل في المؤسسات الخدمية.

 

 وهناك ثالثا المؤسسات الأمنية وعلى رأسها الشرطة والمحاكم العسكرية والتي يبدو أنها الأكثر نجاحا حتى الآن في القيام بمهام الضبط الاجتماعي والسياسي. والتي يبدو أنها تتحمل أوزار ضعف كفاءة كافة مؤسسات الدولة الأخرى.

 

إذن هناك علاقة طردية (أي زيادة متوازية) بين زيادة المطالب السياسية وبين عدم الاستقرار السياسي إذا لم تنجح مؤسسات الدولة المختلفة في استيعابها إما بتلبيتها (المؤسسات الخدمية)، أو التعبير عنها (المؤسسات التمثيلية) أو بقمعها (المؤسسات الأمنية). وما يبدو واضحا أن زيادة الاعتصامات والإضرابات من المواطن المصري الذي اعتاد منذ عهود طويلة على الحلول الفردية لمشاكله ترجح أن مصر مقبلة على المزيد من عدم الاستقرار السياسي والذي يبدو حتى الآن أنها ستظل في حدود السياسة الدنيا ما لم تنجح قيادة بديلة في إعادة توجيه هذه المطالب نحو قضايا أعمق من قضايا المرتبات والأجور والرسوم والمخالفات.

 

لقد تناول مقال الأسبوع الماضي أسبابا خمسة لتراجع قدرة الإنسان المصري على أن يربط بين مطالبه الفئوية (الاقتصادية والخدمية) ومطالبه السياسية. بيد أن هذه الأسباب لا تعني المصادرة على ما قد يأتي به المستقبل. فهناك تغير بطيء قد تكون له دلالات مهمة على المدى الطويل، جعلت الإنسان المصري يجد نفسه غير قادر على علاج مشاكله الحياتية بعيدا عن مخاطر السياسة، فالمشاكل المرتبطة بالزحام وقانون المرور والتظلم من الضرائب وضعف الرواتب والكادر الخاص وغيرها لم تعد قضايا فئوية ضيقة بل هي تزداد اتساعا على نحو جعل قطاعا من المصريين لا يخشى أن يقف معتصما ومضربا أمام أجهزة الشرطة التي طالما كان يقف منها موقف الخائف.

استعارت النظرية السياسية مصطلح "الكتلة الحرجة" من علم الكيمياء لتشير إلى أن التغير الكمي حتى وإن كان بطيئا يمكن أن يفضي إلى تغير نوعي على نحو ما يتحول الماء إلى بخار إذا وصل إلى درجة الغليان والقنبلة النووية لا تنفجر ما لم تتحقق الكتلة الحرجة. والمجتمع ينفجر بالثورة حينما تتخمر الأوضاع إلى الحد الحرج الذي لا يمكن معه أن تنجح المؤسسات السياسية في قمع أو تمثيل أو الاستجابة لمطالب قطاع واسع من المواطنين.

 

إن مطالب الإنسان المصري كانت لفترة طويلة اقتصادية وخدمية ولم تكن سياسية... وقد كانت الدولة ناجحة لحد بعيد في تلبية هذه الاحتياجات غير السياسية عن طريق استراتيجيتين: الأولى الدعم في حدوده الدنيا حتى وإن كان متواضعا مقارنة بقفزات الأسعار والأخرى أن "يضع كل مواطن يده في جيب اللي جنبه" وخير مثال على ذلك هو حالة الدروس الخصوصية التي تلتهم 30% من دخل الأسرة المصرية حيث يمد المدرس يده في جيب أولياء الأمور تحت مظلة الدولة التي لم تزل تسوق مفهوم مجانية التعليم. وحتى في هذا السياق فإن الدولة تعاني ردة حقيقية في قدرتها على الاستمرار في دعم الحد الأدنى حيث إنه برغم أن الدعم، كما تقول التقارير الحكومية، يصل إلى 110 مليار جنيه سنويا، إلا أن نصيب الفرد لا يتعدى 85 جنيها في حين أن الدراسات الاقتصادية تقول إن نصيب الفرد لا ينبغي أن يقل عن 350 جنيها، وهو ما يتوقع أن تزداد وطأته في ظل وضع اقتصادي سيزداد سوءا بسبب أزمة اقتصادية عالمية حادة.

إن لم يكن في السنوات القليلة القادمة مفاجآت لا يمكن رصدها برادار الحاضر، فإننا سنجد أنفسنا أمام المزيد من الاعتصامات والاضرابات المفضية لمزيد من عدم الاستقرار السياسي، وغالبا ستواجه بمزيد من القمع وقد يكون مقدمة مهمة لتغيير حقيقي في بنية السلطة بعد أن ينتهى حكم الرئيس مبارك، حينها ستتقارب رؤوس الجميع، وقطعا ستتناطح.