العلم غريب في مجتمعاتنا

د. معتز بالله عبد الفتاح

كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة

الوفد، 24 يوليو 2007

للشيخ محمد الغزالي ملاحظة بارعة عن قول الحق سبحانه "اقرأ" كأول كلمة استقبلتها أذن الرسول الكريم (ص) من آخر رسالات السماء. وملاحظة الشيخ هو أن أمر "اقرأ" ورد غير متعد لمفعول. فلم يقل الحق اقرأ ماذا وإنما ركز على المنهج بأن نقرأ باسم ربنا الذي خلق مع التذكير بكيف أن الله خلق الإنسان من علق وكيف أنه علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم. واتخذ الشيخ من هذه الآيات دليلا على جمع الأمر القرآني بين الدين والعلم والفلسفة: اقرأ في كتاب الله القرآن أي تدين وآمن واقرأ في كتاب الله الكون أي تعلم وتفكر. وهو نفس ما ذهب إليه الزكي النجيب محمود حينما صدر كتابه "رؤية إسلامية" بفصل عنوانه "أنا المسجد وأنا الساجد" أي أننا نحن المسلمين جعلت لنا الأرض مسجدا فالمعمل مسجد والعالم ساجد فيه وهو يعمل والمدرسة مسجد والمدرس ساجد فيها وهو يدرس والمشفى مسجد والطبيب ساجد فيه وهو يعالج مرضاه. فالمسلم مسجد وساجد في آن معا. هذا ما ينبغي أن يكون وإن شئت فقل هذه هي القيم التي نمنا في نورها، واستيقظ الآخرون في ظلام غيابها، فتراجعنا وتقدموا.

أما ما هو بين أيدينا من واقع فيحتاج أشعة خارقة للشكليات نافذة للجوهر والآفات. ولنبدأ بالملاحظات الثلاث التالية:

1- لماذا تعطلت زميلتي في العمل عن التسجيل لدرجة الماجستير؟ سألتها، فقالت: إنني أستحضر النية. وقلت لها كم قد يستغرق ذلك منك؟ فقالت عدة أشهر ربما. قلت: هل أدلك على شيء إن فعلتيه استحضرت النية؟ قالت: نعم. قلت: أتمي عملك على خير وجه وقولي قبل وأثناء وبعد العمل: "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم." إن الله ما كلفنا فوق ما نطيق، وما أمرنا باستحضار النية الصالحة حتى تكون معطلة عن العمل، هذا من الخرافة وإن نسبناه للإسلام زورا.

2- لماذا رفضت زميلتي الأخرى التسجيل في الموضوع الذي اقترحه مشرفها عن التطور الاقتصادي والديمقراطي في الهند؟ سألتها فقالت لأنها تريد عملا تخدم به الإسلام. سألتها مثل ماذا؟ قالت: مثل النموذج الإسلامي الحضاري في عهد سيدنا عمر بن الخطاب. قلت: وما أدراك أن الثاني يخدم الإسلام أكثر من الأول؟ قالت كلاما ما وافقتها عليه وكانت حجتي أن المسلم المحب لدينه ومجتمعه عاقل رشيد يعرف أنه في الأصل إنسان ينطبق عليه ما ينطبق على سائر البشر ويمكن له أن يستفيد من تجارب الآخرين. فموضوع صدر الإسلام درس مئات المرات من قبل باحثين ومؤرخين وفلاسفة وأصبح الجديد فيه قليلا للغاية. هذا الموضوع الذي بدا لها "إسلامي" لا يخدم الإسلام في شيء إلا إذا كانت واثقة من أنها ستأتي بجديد، وللأسف لم تكن أجندتها تحوي أكثر من أن الموضوع "إسلامي" يتم تناوله بطريقة "إسلامية" وهو كلام يصعب علي فهمه. قلت لها نحن لا يوجد لدينا في كلية الاقتصاد متخصصون في الهند وشئونها رغما عن وجود آخرين متخصصين في الفكر الإسلامي وتجاربه، وبالعودة لابن تيمية: "لو برع غير المسلمين في علم من العلوم أو درب من الدروب أو فن من الفنون، ولم يكن عند المسلمين نظيره فقد أثم المسلمون" وبما أننا بحاجة لمثل هذا التخصص في قضايا الهند فهي ستخدم الإسلام أكثر. فخدمة الإسلام لا تحتاج لافتة إسلامية أو أن يكون موضوع الدراسة "إسلامي." فالذي درس دورة حياة البعوضة وتبين منها الطور المعدي لمرض الملاريا ما كان يدرس "بعوضة إسلامية" ليفهم انتقال مرض "الملاريا الإسلامية" وإنما كان له أن يخدم الإسلام بخدمته للإنسانية طالما أنه لم ينس "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم".

3- تناقشت مع بعض الزملاء فيما يحدث حولنا في المنطقة من تناحر جعل بعض العلماء الأفاضل ينادون من على الفضائيات فتح الإسلام في لبنان وفتح عباس وحماس مشعل في فلسطين والشيعة والسنة في العراق والقبائل المتناحرة في الصومال ومسلمي دار فور إلى الاجتماع على كلمة سواء. فضلا عن توقيع بعض هؤلاء لمعاهدات واتفاقات بعضها في مكة المقدسة ومع ذلك نسوها حين غادروها وعادوا للتناحر والنزاع. ويضاف إلى ذلك من يدعونا للتعايش وكأن مشاكلنا خناقة فوق كوبري "نقول كلمتين نهدي النفوس وكل واحد يروح لحاله." من أسف هذا تبسيط مخل لا يختلف عندي عن أولئك الذين يظنون خطأ أنهم يخدمون الإسلام فقط بدراسة إيجابيات أول مائتين سنة من تاريخ الدولة الإسلامية. وقد قالها محمد الغزالي: ماذا يفيد الإسلام إذا طلق المسلمون الدنيا وتزوجها غيرهم؟ وأنا أسأل علماءنا الأفاضل، الذين أكن لهم كل احترام، هل حل مشكلة التعايش بين المسلمين وغير المسلمين أو المسلمين من طوائف ومذاهب مختلفة يكون من خلال انتقاء قصص منمقة ومنتقاة بعناية عن التعايش والتحاب والأخوة الإسلامية؟ لماذا لم ينجح الصحابة العظام في التعايش بعد وفاة سيدنا عمر؟ ولماذا الفتنة الكبرى؟ أحد المشايخ قال بثقة لا أعرف مصدرها إن الشيطان دخل بينهم. وأنا أسأل الشيخ الفاضل: ألم يعرف الصحابة العظام كيف يستعيذون بالله من الشيطان الرجيم الذي نعلم يقينا أن كيده كان ضعيفا بنص القرآن الكريم؟ أم أن المشكلة أكثر هيكلية من قصة أو رواية؟ لقد هدم الحجاج بن يوسف الثقفي الكعبة بنيران المنجنيق؟ والمعتصم بالله الذي نعرف عنه قصة فتح عامورية لأن امرأة قالت "وا معتصماه" وخلده أبو تمام في قصيدته المشهورة هو الذي لم يستطع أن يتعايش مع الإمام الجليل أحمد بن حنبل وعذبه فأغلظ تعذيبه. بل إن المعتزلة زعماء الفكر التنويري في تاريخ المسلمين حملوا على أعدائهم حملة أهانت العقل والتفكير. وما أشبه الليلة بالبارحة وهذا هو جوهر كتاب الدكتور وحيد عبد المجيد عن الاستقطاب الإسلامي العلماني في مجتمعنا وهو كذلك جوهر كلام المستشار البشري عن الحرب الأهلية الثقافية التي نعيشها والتي يحد من وطأتها بطش الدولة التسلطية.

دعوني أقول إن مجتمعاتنا تمر بمشاكل هيكلية. كالمبنى الذي تحتاج أساساته إلى إعادة تأهيل. القضية ليست في دهان حجرة هنا أو تغيير عتبة سلم هناك. المسألة ليست أن يقف داعية أو شيخ من على منبر فيحكي لنا ما نحب أن نسمعه عن الأخوة والتعايش والإيثار الذي كان عند "بعض" الصحابة لكنه قطعا لم يكن عند الجميع بنص القرآن إذ قال: "منكم من يريد الدنيا." القضية تحتاج إلى العلوم الاجتماعية وإلى الفلسفة وتاريخ الفكر وليس فقط إلى دعاة ومشايخ مهما حسنت نواياهم. أين هؤلاء العلماء والفلاسفة وما هي دراساتهم وكيف نستفيد منها إن وجدت؟  القضية أخطر من أن تترك لمن رفع صوته وضعف علمه وقلت خبرته ألم يقل عمر رضى الله عنه "تفقهوا قبل أن تسودوا".

إن قوة خلطة المسلح التي نبني بها الكباري والأبنية الشاهقة لا تأتي من الرمل منفردا أو من الأسمنت منفردا أو من الحديد منفردا بل من خلطة محكمة بموازين معينة وعناية خاصة أفردت لها العلوم وأتقنها البشر بالعلم والتجربة حتى استقرت خطوات إجرائية منتظمة عند أهل الاختصاص من مهندسين إنشائيين ومدنيين بما يجعل مساحة الاجتهاد الشخصي فيها قليل للغاية. والأمر ليس ببعيد عن كيفية حل الصراعات الاجتماعية والسياسية (أي التعايش) في المجتمعات المعاصرة فهي مسائل انتهت علوم اجتماعية كثيرة من مناقشتها والوقوف على عواملها وكيفية تحقيقها. هل قرأتم هذه العبارة الأخيرة؟ لقد وردت فيها كلمة "علوم" ولكن من منا يعبء بالعلم والعلماء؟

إننا نعيش حالة من الخواء الفكري جعل العلم شهادة لا قيمة لها سواء باعتمادنا على الدروس الخصوصية التي تحول لك كل ما قد يستدعي التفكير والإبداع والتأمل إلى مجموعة عبارات تحفظها كي تكتبها في موضوع التعبير الذي هو في الأصل اختبار للطالب في حسن استغلال ما تعلمه نتيجة القراءة والإطلاع على المقررات المختلفة، لكن المدرس الشاطر (بمعنى النصاب) يحول كل هذا إلى عدة عبارات يحفظها الطالب كي يكتبها في بداية موضوع التعبير وفي خاتمته، فيتوقف إبداع الطالب وحسن استغلاله لما تعلم، وكذا في العلوم الأخرى. احفظ المعادلة واكتبها ثم اكتب تحتها أي كلام في الامتحان. هل هذا علم؟ لا هذه فهلوة، وكذا الدعوة للتعايش بانتقاء التجارب الجميلة من الماضي ونسيان أصل المشاكل.

ثم أين الثقافة العامة في أمور الحياة من قصة ورواية وشعر بل حتى مشاهدة الأفلام الجادة مثل قنديل أم هاشم، التي فوجئت بأن البعض قد درسها في الجامعة لكنهم ما فهموا منه ما ذكرته في إحدى المقالات عن صراع العلم والخرافة فيها، وغيرها من الأفلام مثل الزوجة الثانية وما يصوره من إساءة استغلال الدين من قبل البعض، وفيلم ابن الحداد ليوسف وهبي والذي أعتبره درسا في قيمة العمل واحترام الذات، وغيرها من الأفلام الجادة التي أعتبرها واحدة من أهم وسائل تكوين أي إنسان سوي في مجتمعنا. وإذا كنت من هواة الأفلام الأجنبية شاهد فيلم "عقل جميل" الذي يحكي عن جون ناش واحد من أعظم علماء الاقتصاد وعن نضاله ضد مرضه النفسي حتى انتصر عليه وصولا إلى جائزة نوبل.

لقد تراجع كل هذا وأصبحنا أمام غلبة للتدين الشكلي الذي يحرص بعض الدعاة والعلماء على أن ينبهونا ألا نقف عند حدود الشكل فيه لكنهم حقيقة يغذون هذه النزعة الشكلية دون أن يدروا. أتدرون لماذا؟ لأن خلطة المسلح التي يصنعونها فيها الكثير من الرمل والقليل من الحديد والأسمنت، فيهوي البناء. فيها الكثير من الغيبيات الدينية والقليل من العلم والفلسفة. هل أدلكم على أشياء إن فعلناها كنا أكثر تدينا وأكثر علما وأكثر فلسفة وأقل شكلية وأقل تواكلا وأقل نفاقا؟ تعالوا نفكر سويا.

الداعية لا بد أن يكون داعية دين (عقيدة وأخلاق بالأساس) وعلم (وهو ما لن يحصله إلا إذا قرأ في العلم بقدر ما يقرأ في الدين) وفلسفة (وهو ما لن يحصله إلا إذا اطلع على اسهامات المفكرين والفلاسفة من الشعوب والمجتمعات الأخرى). فالدين بلا فلسفة سيكون شكليات تهتم بتوافه القضايا وتنعزل عن قضايا المجتمع الحقيقية، والدين بلا علم سيكون غيبيات واتكالية على سنن الله الخارقة التي ما وعد الله بها أحدا إلا بعد أن يكد ويكدح عملا بسنن الله الجارية. والفلسفة بدون دين ستكون شطحات وخروج عن المألوف والمقبول، والفلسفة بدون علم ستكون مثاليات نسمع عنها ولا نعرف كيف نصل إليها، والعلم بدون فلسفة سيكون أداة للدمار لأنه سيكون منزوع الأخلاق، والعلم بدون دين سيقف متحديا لقيم المجتمعات المتدينة فيرفضه العوام ولا يفيدون منه. إنها خلطة متوازنة متكاملة يلعب فيها كل مصدر من مصادر المعرفة الإنسانية دوره. كخلطة الخرسانة التي يشد بعضها بعضا، فلا مفاضلة بينها وإنما التكامل. 

كيف نطبق ذلك في حياتنا العملية؟

فلنسأل أنفسنا السؤال التالي، كم قصة سمعتها أو قرأتها عن الصحابة العظام؟ 100 قصة... عظيم ... اجعلهم 150 قصة عن الصحابة العظام ولكن أضف إليهم 50 قصة عن غاندي وعن نيلسون مانديلا وعن بيل جيتس وعن أينشتن وعن نيوتن وعن أحمد زويل وعن أديسون وعن الفلاسفة الكبار الذي خلقوا العقلية الغربية مثل كانط وفولتير ولوك وماديسون وآدم سميث، اعرف كيف نجح هؤلاء وكيف تجاوزوا الصعاب اعرف معنى البيئة العلمية والتقاليد الجادة في التفكير والتنظيم وحسن الإدارة وإنكار الذات والعمل الجماعي والشفافية والمكاشفة.

سؤال آخر: كم مرة قرأت أو سمعت عما فعله المسلمون في الأندلس وما فعل بهم هناك؟ كثيرا كان هذا أو قليلا، المهم لا تتوقف عند هذا. اقرأ أيضا في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية وتاريخ إسرائيل، تعلم منهم كيف انتصروا علينا.

سؤال ثالث: بالإضافة للتفاصيل الهامة لغزوة مؤتة وغزوة ذات الرقاع عليك أن تقرأ عن التنافس بين الأمريكان والروس والصينيين على تقسيم القمر لما يتضمنه من مادة هيليوم 3 التي ستعتمد عليها البشرية في المستقبل في انتاج الطاقة. عزيزي القاريء: القدس ليست لنا... ولن ننتصر على أعدائنا... وليس صحيحا أن هذه الأمة لن تموت... هي إلى الموت السريري أقرب. هل تعرف لماذا؟ لأننا اعتمدنا على سنن الله الخارقة التي نعتقد أنها تأتي بالدعاء والتقرب إلى الأولياء والتفكير في التفاهات وهم يعملون وفقا لسنن الله الجارية التي تقوم على الأخذ الحقيقي بالأسباب. والله قال صراحة أنه يمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا. الله رب العالمين وليس فقط رب المسلمين. فالمخلص في علمه وجهده حتى وإن كان كافرا سيكافؤه ربه أكثر من المتخاذل في علمه وعمله حتى وإن كان سليم العقيدة أو هكذا يدعي. 

أرى أناسا ذوي نوايا حسنة وعواطف متأججة، ولكن أرى جهلا شديدا بالمطلوب منا وكيف نحققه. إن الإسلام، فيما أعرف، لا يريد المسلم الخامل الذي يستمع إلى الخطبة أو الدرس عن عظمة الماضي (وهو ما يقوم به الدين) ويجهل ما المطلوب منه كي يبني الحاضر والمستقبل (وهذا ما ينبغي أن تقوم به الفلسفة والعلم).

هذه ليست دعوة لأن يحل العلم سواء الاجتماعي أو الطبيعي ومعه الفلسفة والفكر محل الدين. أبدا. ولكن لا بد أن يحل كل في مكانته اللائقة. الفلسفة وما يرتبط بها ويترتب عليها من أداب وفنون تبرز لنا مشاكل المجتمع وتنبهنا إليها، بيد أن العلم هو الذي يقوم بالتشخيص الدقيق للمشاكل والأسباب ويقترح الحلول المنطقية لعلاجها، ويقف الدين موقف الضمير اليقظ على المجتمع حتى لا يجنح العلم خارج دائرة ما هو مباح وحلال وفقا للشريعة الغراء.

وعلى هذا فالحديث عن أن الدين هو الحل أو أن التنمية بالإيمان أو أن الدين المنبت الصلة عن العلم والفلسفة يحوي علاجا لمشاكلنا هو حديث مبتسر يقول به حسنو النية وهؤلاء أخشاهم لأنهم أقرب إلى "المخلص الجاهل" الذي يلهينا إخلاصه الظاهر لنا عن عدم إطلاعه عما في الكون من علوم وتجارب وفلسفات تقف في أهميتها على قدم المساواة مع القصص والروايات عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين.

إخواني، توقفوا عن الاستماع المريح لمشايخ الفضائيات واذهبوا إلى المكتبات واقرأوا ما كتبه العقاد وزكي نجيب محمود ومحمد الغزالي وأحمد زويل، فهؤلاء وأمثالهم هم حكماء هذه الأمة الحقيقيون. ولا تنس أن تقول أثناء ذلك كله: "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم."

Hit Counter