20 فبراير 2007

 

مصر واستطلاعات الرأي العام: الدور المفقود

د. معتز بالله عبد الفتاح

كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة

WWW.ALADL.NET

شرفني الأستاذ الدكتور ماجد عثمان، رئيس مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، بأن أشارك في مناقشات حول دور استطلاعات الرأي في مصر وفي عدد من دول العالم. وقد أبديت عددا من الملاحظات التي شجعني بعض الأصدقاء على أن أوثقها كتابة عسى أن يكون فيها ما قد ينفع مجتمعنا.

كانت أولى الملاحظات ترتبط بسؤالي: هل نحن نعرف مصر جيدا؟ هل نعرف الوزن النسبي للقوى السياسية في مصر؟ وكما يقول المناطقة (أي دارسو المنطق): بضدها تتميز الأشياء. فلننظر لما هو متاح في الدول الأخرى. حينما استقال شارون من رئاسة حزب الليكود ومن ثم إعلانه عن نيته لإنشاء حزب جديد، أوضحت استطلاعات الرأي الإسرائيلية بعد استقالته بيومين أن أكثرية الناخبين الإسرائيليين سوف يصوتون للحزب الجديد. وكان ذلك في سبتمبر 2005. وقد كان، ففي مارس 2006 فاز حزب كاديما بالأكثرية وشكل الحكومة رغما عن عدم تيقن الإسرائيليين بمصير شارون صحيا. والأمر لم يكن بعيدا عن استطلاعات الرأي التي أجريت في الولايات المتحدة قبل الانتخابات الأمريكية الأخيرة فقد أشارت في معظمها لفوز بوش لاسيما في الولايات المهمة مثل فلوريدا وأوهايو. أما في مصر فقد فوجيء الجميع، من الحزب الوطني بل من الإخوان أنفسهم، بأن يحصل الإخوان على نسبة 59% في الانتخابات التشريعية الماضية (فوز 88 من 150) ولو كان تقدير السيد رئيس الوزراء سليما، فإنه لولا تدخل الأمن لكانوا فازوا بـ 40 مقعدا آخر، وهو التصريح الذي لا أعرف أنه نفاه، لكانت نسبة فوزهم تتخطى الـ 85%. هذه لطمة شديدة لنا جميعا، كباحثين ودارسين لسلوك الناخب المصري، إن انتخب، وللقوى السياسية المختلفة التي تدعي وصلا بالشارع وتتحدث عنه كما لو أنهم مفوضون رسميون للحديث باسمه. ففي الوقت الذي تدار فيه الأمور بالعلم في مجتمعات أخرى، مع هامش خطأ متعارف عليه، تبدو لنا المسألة في مصرنا كرمية زهر أو كضربة حظ لأن معلوماتنا عن أنفسنا غائبة، أو غير موثقة، أو غير منظمة، أو غير علنية، أو غير خاضعة للنقاش العام وإن شئت تلخيص كل ما سبق: غير علمية.

فالقيمة الأساسية للبيانات الموثقة، في شكل استطلاعات رأي أو غيرها، أنها تنقلنا من المثال الجزئي الانتقائي التوضيحي (illustrative) إلى العينة المنضبطة غير المتحيزة الممثلة (representative) لمجتمع المبحوثين بما يجعلنا نصدر أحكاما أكثر صحة عن مجتمعنا. فتتحدث صحف المعارضة كثيرا عن احتقان في الشارع المصري. والمنطقي أن يقوم الباحث الواعي ببحث هذه القضية ليس بمنطق المحامي الذي يريد أن يثبت أن هناك احتقانا، لأن هذا يخدم قضية حزبية ضيقة، أو محامي الخصم الذي يريد أن يثبت أنه لا يوجد احتقان على الإطلاق فيستعين كل من المحاميين بأدلة انتقائية لإثبات موقفه وكأننا بصدد عملية استنباط من نتيجة معروفة سلفا نبحث لها عن أدلة. وهنا يكون دور البحث العلمي الذي يقف فيه الباحث موقف المحقق النزيه أو القاضي العادل ليدرس كافة الأدلة يستقرئ منها دلالاتها ويقدم استنتاجاته في تواضع مجرد عن الهوى بشأن ماذا يحدث في الواقع فعلا.

ثانيا استطلاع رأي المواطنين في قضايا المجتمع يرتبط أساسا بالرغبة الجادة في أن يتحول المواطن من خانة المفعول به ولأجله إلى خانة الفاعل المتفاعل مع قضايا مجتمعه ودولته. وأما وقد قرر السيد رئيس الوزراء في تصريح قديم له لإحدى المجلات الأجنبية بأن بطء التحول الديمقراطي في مصر يرجع إلى الحاجة إلى "النضج" وبدا حينذاك للكثيرين أن السيد رئيس الوزراء كان يقصد نضج الشعب المصري. لكنني أعتقد أنه كان يقصد، أو كان عليه أن يقصد، نضج الدولة المصرية في إدراكها لأهمية أن يشارك المواطن بآرائه وأفكاره في علاج قضايا مجتمعه. ومن خبرة مباشرة من عملي في مركز استطلاع رأي لإحدى الجامعات الأمريكية في ولاية ميتشجان، فإن مركز الاستطلاع يقدم تقارير منشورة وعلنية عن توجهات الرأي العام ومطالبه ومقترحاته في نشرة فصلية (أي كل ثلاثة شهور). وتقوم استطلاعات الرأي هذه بدور هام كبنك معلومات وكبنك أفكار. فهي بنك معلومات عن المواطنين: كيف يفكرون؟ وما هي مشاكلهم؟ وما هو تقيمهم لأداء الجهات التنفيذية والتشريعية والقضائية؟ كما أنها بنك أفكار وحلول مقترحة للمشاكل التي يعيشها الناس. فهل العقلاء هم الخبراء الذين نتعاقد معهم بالأجر فقط أم أن أصحاب المشكلة والذين عايشوها فترات طويلة تكون لهم رؤيتهم بشأن كيفية الحل أيضا؟ فتأتي عشرات الأفكار الجيدة نتيجة خبرة الأفراد المباشرة مع مشاكلهم.

ثالثا، يشير البعض إلى أن المجتمع المصري ليس مستعدا للتفاعل مع استطلاعات الرأي العام بحكم غياب ثقافة الرأي العام والتي تقتضي مساحة من الشعور بالحرية والأمان والثقة في أهمية مثل هذه الاستطلاعات فضلا عن مشكلة ارتفاع نسبة الأمية. والحقيقة أن هذه مشاكل لها حلول أكثر منها معوقات تلغي إمكانية الاستفادة من استطلاعات الرأي. وحلول هذه المشاكل تأتي من منهاجية الاستطلاع نفسه؛ فيدرب الباحث على كيفية طمأنة المبحوث بأن يؤكد له علمية وحيادية الجهة التي تقوم على الاستطلاع وأن المبحوث له كل الحق في ألا يجيب على أي سؤال لا يفهمه أو يجد حرجا في الإجابة عليه، لأن استطلاع الرأي ليس تحقيقات نيابة أو شرطة وإنما هي تعاون اختياري يقدم فيه المبحوث رأيه في القضايا المطروحة. كما أن استطلاعات الرأي لا تقتضي أن يكشف المبحوث عن هويته المباشرة، ولا بد أن يتعهد بهذا الباحث والجهة التي تقوم بالبحث. أما فيما يتعلق بالأمية، فكما أشار الأستاذ الفاضل مكرم محمد أحمد في إحدى جلسات المؤتمر التي شرفت برئاسته لها، فإن الأمية ليست نقيضة للوعي وإلا تحولنا جميعا إلى ماركس الذي شبه فلاحي فرنسا بأشولة البطاطس (piles of potatoes) لتضاؤل دورهم السياسي. وحقيقة لا يوجد مجتمع ناهض يمكن أن يغفل آراء وتوجهات40 بالمائة من أعضائه بحجة الأمية. فهؤلاء الأميون لهم احتياجاتهم التي هي جزء من احتياجات المجتمع بصفة عامة ولهم دورهم الذي إن لم نكن واعين به وبأهميته فنحن نفقد جزءا هاما من أنفسنا. وقد طورت العلوم الاجتماعية أساليب خاصة لاستطلاع آراء الأميين بتبسيط الأسئلة واعتماد طريقة المقابلة المباشرة التي يقوم بها باحثون من أبناء الريف أنفسهم فضلا عن تجنب الأسئلة المباشرة التي قد تمثل حرجا أمنيا عن طريق أسئلة غير مباشرة. فبدلا من سؤال المبحوثين عن رأيهم في شخص رئيس الوزراء وإذا كانوا يريدون استمراره في السلطة، فإنهم يمكن أن يسألوا إذا كان أفضل لهم استمرار الأحوال السياسية على ما هي عليه أم من الأفضل أن تتغير قريبا. ومثل هذه الأدوات المنهاجية تدرس في المعاهد والكليات التي تهتم بهذه النوعية من الدراسات، وهو ما يقتضى أن ننظر بعين النقد الذاتي لمقرراتنا التعليمية على المستوى الجامعي، كما أشار الصحفي اللامع سيد علي من خبرته الشخصية كدارس ثم كممارس للعمل الصحفي.

رابعا لا بد من تيسير إجراءات استطلاع الرأي من قبل المؤسسات غير الحكومية وغير الحزب الوطني. فمن مفاخر عهد الرئيس مبارك، أنه قد "سمح" برفع سقف حرية إلى حدود أحسبها غير مسبوقة في مرحلة ما بعد الثورة. فنحن لم نعد نعيش في الحقبة الناصرية حيث الاختلاف في وجهة النظر يحسب على أنه خيانة لمباديء الثورة أو في الحقبة الساداتية حيث إن الغاية التي يعلنها الرئيس تبرر كل الوسائل غير المشروعة مع المعارضين بغض النظر عن نبل الغاية أو نبل الوسيلة. فقد انتهى هذا الزمن، وقد وقف بيننا أناس شرفاء معارضين ومطالبين بحقوقهم المهنية أو حقوقهم الدستورية مثل القضاة والصحفيين. وعلى هذا فإنني أضم صوتي إلى صوت الأستاذ سعد هجرس، الذي استمتعت بالاستماع إليه في هذه الندوة، وأصوات كثيرين من المهتمين بقياسات الرأي مطالبين بتسهيل قيام المؤسسات والباحثين بإجراء استطلاعات الرأي في المجالات المختلفة شريطة وجود جهة تشرف علميا، وليس أمنيا، على إجراءات البحث وسلامته العلمية وأن تحتفظ بالبيانات الخام في شكل بنك لاستطلاعات الرأي يكون مستودعا لكل البيانات التي يتوصل إليها الباحثون على نحو ما توجد دار للكتب حتى يمكن للباحثين أن يحدثوا التراكم العلمي السليم. وللمتخصصين عليهم أن يبحثوا على الانترنت عن كلمة ICPSR في جامعة ميتشجان والتي أصبحت مستودعا لمئات استطلاعات الرأي التي تجري داخل أمريكا وعلى مستوى العالم بما في ذلك مصر.

خامسا، بيننا من الحرس القديم الذي يتعامل باستخفاف، بل وبالنقد الحاد، تجاه أي محاولة لتطوير المجتمع، متذرعين بخصوصية المجتمع المصري وكأننا لسنا بشرا ينطبق علينا ما ينطبق على أمثالنا من أبناء الشعوب الأخرى. والحجج كثيرة من بينها نحن مستهدفون، نحن مسلمون، نحن عرب، نحن أميون. وهي حقائق لا أعرف كيف يمكن أن تكون كافية لوقف عجلة التطوير. وبما أننا قد أشرت في مقال سابق لخمس مغالطات منطقية بشأن التعديلات الدستورية فها أنا أضيف مغالطة سادسة بشأن استطلاعات الرأي العام. فهناك مغالطة شهيرة اسمها (does not follow) أي لا يتبع منطقيا، كأن تقول لشخص ما إنني مصري وبالتالي فأنا لا أحب الفاكهة. فلا يوجد بين المعلومتين ترابط منطقي يسمح بالاستنتاج التحليلي أو المعلوماتي.  ومثلها، أننا عرب مسلمون مستهدفون من القوى الخارجية وبالتالي لا بد من أن نضع قيودا شديدة على استطلاعات الرأي. وهذا منطق مرفوض لأن استطلاعات الرأي ليست شهادات إدانة أو اعترافات سرية وإنما هي صورة فوتوغرافية لمشاعر وتوجهات وآراء قطاع من المجتمع في فترة بذاتها، وعليه فهي تتغير مع تغير توجهات المواطنين وعلينا أن نرصد هذا التغير، لذا فإننا مطالبون ليس فقط بتشجيعها ولكن أيضا بضمان دوريتها وشمولها قطاعات واسعة من شرائح المجتمع كي تكون لدينا صورا كثيرة في فترات زمنية مختلفة تسمح بأن تتحول إلى فيلم يرصد الرأي العام وهو يتغير وهو يتفاعل مع متغيرات البيئة المحيطة به. فالمصريون أحياء ولم يفوضوا أحدا بذاته كي يتحدث عنهم ولهم، فكما يقول أهل الفقه فإنه لا ينسب لساكت قول، كما أن ليس كل السكوت علامة الرضا والقبول. ويوم أن نتحدث عن الإغريق القدماء أو الفراعنة فقد بادوا، أما المصريون فأحياء ولنا وعلينا أن نحترم آراءهم؛ فالجهل لم يكن قط فضيلة.

المشكلة إن كل ما سبق يقتضي روحا جديدة تعترف بالعلم وتحبه وتقدر دوره ودور العاملين فيه في الانتقال بالمجتمعات من أسفل إلى أعلى، وهو ما يجعلني أكرر أن محاولة استخدام العلم في علاج مشاكل مجتمع لا يعترف بالعلم والعلماء، هي محاولة غير علمية في حد ذاتها. ومن هنا فأنا أقدم هذه الملاحظات لمن سيقومون على أمر مصر في مرحلة ما بعد الرئيس مبارك عساها قد تضيف لهم مقوما هاما من مقومات النهضة في مصر.

Hit Counter