هكذا نحل 90% من مشاكل مصر

د. معتز بالله عبد الفتاح

الوفد، 22 إبريل 2008

أنتمي لمدرسة في التحليل السياسي تعطي أهمية كبيرة لحسن بناء وإدارة المؤسسات في تغيير الثقافة السائدة في المجتمع؛ فتصورات المواطنين عن مجتمعهم ودورهم فيه يزيد وينقص بقدر ثقة المواطنين في قدرة مؤسسات الدولة على أن تنهض بمسؤولياتها وأن تضمن لهم صوتا مسموعا وحقوقا مشروعة. وأتصور أن النخبة الإصلاحية التي ستحكم مصر في مرحلة ما بعد الرئيس مبارك ستجد نفسها مطالبة ببناء واحترام القواعد الحاكمة لمؤسسات ست تتسم جميعها بالاستقلال والمهنية. وهذه المؤسسات الست هي:

1-   بنك مركزي مستقل يعمل على الاستقرار النقدي والاقتصادي ويخضع في ذات الوقت لرقابة صارمة من البرلمان لأنه المسيطر على قرارات ترتبط بتدفق الأموال المتاحة للاستثمار والاستهلاك من خلال أداتي سعر الفائدة وسعر إعادة الخصم، فضلا عن أنه القابض على الاحتياطي النقدي وأموال الحكومة وإصدار البنكنوت فضلا عن أن فساد القائمين عليه يجعله بابا دوارا لأموال الفساد بتحويلها للخارج. ويحسب للرئيس مبارك من ناحية وللقيادة الحالية للبنك المركزي أنها أدارت شئون مصر النقدية بكفاءة ملحوظة على مستويات عدة.

2-   قضاء مستقل عن السلطة التنفيذية سواء بتدخلها المباشر عن طريق التعيين أو بمحاولة الإغواء بالمنح والمنع؛ لأن القضاء المشكوك في نزاهته يعني انهيار القانون وشيوع الفساد. وبدلا من تعديل كل هذه المواد من الدستور، كان من الأهم تعديل المادة 93 من الدستور الخاصة بحق مجلس الشعب في الفصل في صحة عضوية أعضائه بعد الإطلاع على تقارير محكمة النقض بما يجعل من المجلس خصما وحكما في صحة العضوية على نحو يتيح للأغلبية الحق في التخلص من القوى النابضة في المعارضة ومن ثم تدجين الكثير من العناصر التي لها حصانة برلمانية بحكم المنصب وفقا للدستور. فلو كان حكم القضاء وحده يكفي في التخلص من المزورين، لكان لدينا برلمان يعبر حقيقة عن إرادة النخابين. ولا يكفي، والأمر كذلك، أن يعلن رئيس الدولة احترامه لاستقلال القضاء، لأنه كم من أمور يعلنها الرئيس وتضرب بها الحكومة عرض الحائط  فيما يبدو وكأنه توزيع أدوار بين الرئيس الذي يقول ويعد وجهازه التنفيذي الذي يعرف أن ليس كل ما يعلنه الرئيس يعني التنفيذ.

3-   وجود وسائل إعلام وصحافة مستقلة ومهنية لأنها الضامن لتدفق المعلومات الدقيقة والأفكار الجديدة في المجتمع. إن تاريخ المؤسسات الإعلامية والصحفية المملوكة للدولة في كل دول العالم المتخلفة يؤكد أنها الأقل قدرة على فضح الاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان والأكثر استعدادا للمبالغة في الانجاز والاستبسال في الدفاع عن تحالف السلطة والثروة والإكراه المفضي إلى الفساد. ورغما عن أن مصر شهدت في عهد الرئيس مبارك مساحة واسعة نسبيا مقارنة بالسابقين عليه، لكن يبدو أنها تتراجع الآن بحكم وصولنا إلى خريف الحكم وتصاعد المطالب الفئوية الاقتصادية والسياسية لشرائح مختلفة من المواطنين.

4-   إنشاء لجنة انتخابية مستقلة ومحصنة ونافذة تشرف على العملية الانتخابية من بدايتها وحتى نهايتها. ولكل صفة من الصفات الثلاث معنى يستحق التأمل، فهي مستقلة بحكم القانون عن أي حزب أو جهة أعلى منها، وهي محصنة من التدخلات السياسية لمن هم في موقع السلطة وهي نافذة أي قادرة على اتخاذ قرارات تصل إلى حد إلغاء الانتخابات إن كان فيها شبهة تزوير أو بيع أو شراء. ويكون عادة القضاة المنتخبون هم الأفضل للقيام بهذه المهام. وهو تحد يتطلب رغبة أكيدة في بناء دولة يكون فيها القانون فوق أشخاص الدولة بعيدا عن الشللية والمحسوبية ومحاباة من بيدهم المال والسلطان.

5-   جهاز خدمة إداري مدني يقوم بدوره في تنفيذ السياسة العامة للدولة على أساس من الكفاية والكفاءة. والمقصود بالكفاية أن يكون موظفو الدولة في وضع اقتصادي يسمح لهم باحترام القوانين والسهر على تنفيذها دون الحاجة للرشاوى والإكراميات مع تغليظ العقوبة لأقصى درجة ممكنة بحيث يعود للموظف العام مكانته ودوره الأصيل في خدمة المجتمع وتنفيذ السياسة العامة للدولة. أما الكفاءة فهي مسألة تدريب وتأهيل مع استعداد لتبني نموذج ساعات العمل الممتدة ليلا وفي الإجازات بما يساعد على الاستفادة من الطاقة العاطلة من الموظفين.  وهو ما لايبدو أن الدولة المصرية في تاريخنا هذا قد أنجزته وبما يضع عبئا ضخما على نخبة المستقبل لمواجهته.

6-   الاستقلال المهني لأجهزة القمع المشروع (القوات المسلحة والشرطة): فلا ينبغي أن يكون في الدولة إلا جيش واحد وجهاز شرطة واحد ولا مجال لأي قوى مسلحة أخرى داخل حدود الدولة. ويحسب للرئيس مبارك أنه حقق درجة عالية من مهنية القوات المسلحة المصرية بحيث تبتعد عن أي دور سياسي مباشر كمؤسسة، بيد أن هذا الأمر لا ينطبق على الإطلاق على الشرطة المصرية التي تمارس دورا  سياسيا متصاعدا في تأمين استمرار الحزب الوطني في الحكم سواء بمنع الناخبين من التصويت في الانتخابات أو المرشحين المعارضين من استكمال عمليات الترشيح أواعتقال المعارضين الذين يخرجون عن نطاق "الكلام" إلى نطاق الفعل بما جعل البعض يتحدث عن عودة "الدولة البوليسية" التي كنا نظن أننا ودعناها.

إن دولا مثل غانا والسنغال وبوليفيا، ولن أقول ماليزيا أو كوريا الجنوبية أو البرازيل، قد نجحت في بناء هذه المؤسسات. وسيأتي يوم تحقق فيه مصر استقلالها الثاني، بعد أن استقلت من الاستعمار الخارجي، بأن تحقق استقلال هذه المؤسسات ومهنيتها كخطوات جادة في بناء دولة عصرية. وسيأتي هذا اليوم أسرع، حين يضطلع كل منا بواجبه بحرص أكيد على مصلحة هذا الوطن. وأكرر مقولة أفلاطون: "إن من يعزف عن المشاركة في الحياة السياسية، فسيعاقب بأن يحكم بمن هم دونه، ومن لا يراعون مصالحه." وإلى غد أفضل يا أهل مصر.