|
* البديل |
16 أغسطس 2008 |
خريطة القوى السياسية في مصر ومأزق التغيير "السلطوّي"
د. معتز بالله عبد الفتاح
لكل فاعل سياسي موارده أو رأس ماله الذي يحدد وزنه النسبي في الصراع السياسي على
من يحصل على ماذا وكيف ومتى. وبقراءة خريطة القوى السياسية في مصر يتبين لنا أن
الحزب الحاكم (الحزب الوطني الديمقراطي) هو الأكثر قدرة على إحداث تراكم في رأس
ماله السياسي بما يجعل الحديث عن تحولات دراماتيكية في الحياة السياسية المصرية
مسألة شبه مستحيلة. فالحزب الوطني يتمتع بعدد من الموارد الهامة التي تفتقدها القوى
الأخرى أولها: تماسك داخلي خلف شخصية الرئيس مبارك لما له من ثقل سياسي وعسكري ناتج
عن ارتباطه من جهة بحرب أكتوبر 1973 والتي تعد في الذاكرة المصرية أهم ما أنجزته
مصر بعد الثورة، ثم نجاحه من جهة أخري، في ألا يرتبط إسمه بكارثة قومية من قبيل
نكسة عام 1967 أو تحدي الرأي العام المصري على نحو ما فعل الرئيس السادات بزيارته
للقدس عام 1977، ومشروعه المنفرد للتسوية مع إسرائيل. ومن جهة ثالثة، فإن أسلوب
إدارة الرئيس مبارك لشئون الحكم جعل منه مستقل نسبيا عن الجهاز البيروقراطي للحكومة
التي يكلفها الرئيس بالإصلاحات ويفوض لها الصلاحيات ثم يحاسبها دون أن يكون مسؤولا
عن خطاياها أمام الرأي العام.. إن القبول الذي يحظي به الرئيس مبارك داخل الحزب
وكذلك داخل البيروقراطية المصرية، المدنية والأمنية، يجعل المهمة صعبة على من سيأتي
بعده لاسيما إن لم يكن له خلفية عسكرية.
ثانيها: يمتلك الحزب الوطني رأس مالي بيروقراطي تقليدي حيث تميل البيروقراطية
المصرية (وهي قطاع واسع من الموظفين المدنيين والعسكريين الذين يبلغون حوالي 6
مليون موظف) إلى قبول الوضع الراهن والتكيف معه حتى وإن لم يكونوا راضين عنه.
فاعتادت البيروقراطية المصرية على أنها جزء من بنية الحكم تتلقى الأوامر وتنفذها،
سواء كانت أوامر مرتبطة بالخدمة المدنية أو بدعم الحزب الحاكم. وهو ما يتجلى وقت
الانتخابات حيث تقوم أجهزة الشرطة المطالبة أصلا بالوقوف على الحياد بأن تلعب دورا
في صالح مرشحي الحزب الوطني، كما يصوت الموظفون، كجزء من التكليفات الإدارية، لصالح
مرشحي الحزب.
ثالثها: يمتلك الحزب الوطني قبولا إقليميا بحكم السياسات التي يلتزمها، فتبنيه
للتسوية السلمية مع إسرائيل ونجاحه في استبعاد "الإسلام السياسي" من الحكم يجعل منه
الحزب المفضل إقليميا ودوليا. فهو حزب يضمن للولايات المتحدة حليفا في المنطقة،
ولإسرائيل حدودا جنوبية آمنة، وللإسلاميين مكانا في السجون، ولا يضغط من أجل
تحالفات إقليمية تزيد من توترات المنطقة.
أما القوى السياسية الأخرى فهي في وضع استراتيجي أضعف بكثير إذا ما نظرنا لمواردها
السياسية. فالإخوان المسلمون يتمتعون بمزية نسبية أعلى من غيرهم فيما يتعلق برأس
مالهم الديني الذي ينبع من تواجدهم النشيط في المساجد والجامعات والفضائيات. ويضاف
إلى ذلك، رأس مال اجتماعي أحدثوا فيه تراكما من خلال الخدمات المالية والصحية
والغذائية التي يقدمونها للفقراء. بيد أنه رأس مال عاطل عن العمل بسبب ضعف رأس
المال الفكري والتنظيمي للجماعة.
فعلى المستوى الفكري لم تزل الجماعة عاجزة عن استيعاب الاجتهادات الفكرية التي
قدمها العديد من المفكرين الإسلاميين المعاصرين مثل الشيخ القرضاوي ومحمد عمارة
وطارق البشري وعبد الوهاب المسيري وسليم العوا وفهمي هويدي وغيرهم. وكأن الفقه
والتقليد غلب الفكر والتجديد داخل الجماعة. كما أن الضعف التنظيمي الذي أصاب
الجماعة، سواء نتيجة للملاحقات الأمنية المتواصلة وإما نتيجة لتصعيد قيادات تتمتع
برأس مالي شخصي عطفاً علي دورها التاريخي في التضحية من أجل الجماعة، يفوق رأس
مالها الفكري والشعبي، جعل الجماعة تطل على المشهد السياسي المصري بكثير من التخبط
في الفكر والازدواجية في الخطاب. وهو ما جعل المسافة بين الجماعة والقوى السياسية
الأخرى كبيرة، رغم التقارب الذي شهدته الحياة السياسية المصرية خلال فترة التعديلات
الدستورية قبل عامين ونصف.
وعليه، فإن رأس المال الديني والخدمي للجماعة لم ينجحا بعد في تشكيل تيار مضاد
يمكنه مواجهة الحزب الحاكم بسبب الخلل بينهما وبين رأس المال الفكري والتنظيمي
للجماعة.
أما الأحزاب السياسية المشروعة قانونا فهي الأقل نصيبا من حيث قدرتها على إحداث
تراكم في رأس مالها السياسي بل على العكس فهي تبدده. فالأصل أن أهم مورد لحزب معارض
هو قانونيته أي أنه يعمل تحت مظلة الدستور الذي يسمح للحزب بالبقاء والتطور. في حين
أن ثاني هذه الموارد يكمن في وجود قيادة ذات شعبية تستطيع أن تواجه خصومها
السياسيين داخل الحزب وخارجه من أجل خلق تحالف معارض قوي. بيد أن جرثومة الانقسامات
الداخلية نالت من المورد الأول، فلكل حزب نصيبه من القضايا المرفوعة ضد قيادته أمام
المحاكم. كما أن جرثومة الصراعات البينية (أي بين الأحزاب) نالت من المورد الثاني
لتقف الأحزاب السياسية المصرية كمعارضة "بعض الوقت" تعارض بعضها بعضا أكثر من أن
تسعى إلى تطوير خطاب معارض قادر على تجاوز الخلافات البينية والداخلية.
وتبقى أخيرا قوى الاحتجاج العفوية مثل حركة "كفاية" التي تتمتع بمورد سياسي وحيد
وغير كاف لإحداث تغيير حقيقي، هو عفويتها التي تجعلها إطارا مرنا لكل من يرفع شعار
"لا للتوريث، لا للتمديد" وهو شعار يخفي وراءه كل انقساماتها حول "نعم" لمن ولماذا.
إن نظرة كلية للمشهد السياسي في مصر يعني أن مستقبل الحكم والسياسة في مصر يتوقف
بالأساس على قرار النخبة المركزية في الحزب الوطني وامتداداتها داخل المؤسسة
الأمنية، وهو ما يعني أن غد مصر ربما لن يختلف كثيرا عن حاضرها السياسي.
ـــــــــــ
* أستاذ العلوم السياسية، جامعة ميتشجان.