13 فبراير 2007

 

المواطنة وجماعة الإخوان الليبراليين

د. معتز بالله عبد الفتاح

كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة

WWW.ALADL.NET

 

            هل الضربات الأمنية المتلاحقة للإخوان تعني النهاية بالنسبة لهم أم تعني أوجاع ما قبل ولادة جديدة أم لا تعني شيئا كثيرا في مسيرة الجماعة التي اعتادت التعايش مع أعدائها بل والانتصار عليهم بأن يموتوا وتبقى هي؟

            أعتقد، وربما أتمنى، أنها أوجاع ما قبل ولادة جديدة لجيل جديد وفكر جديد يأخذ بأعظم ما في الفكر السياسي الإسلامي وأعظم ما في الأيديولوجيات المعاصرة وهي الليبرالية. وبهذا الصدد أقترح على قيادات الإخوان وعلى رأسهم القيادات الوسطى (من هم في الأربعينيات والخمسينيات من العمر) أن يعكفوا على قراءة الكتابات الأساسية في الفلسفة الليبرالية وتاريخ أوروبا والولايات المتحدة حتى يمكن لهم أن يزاوجوا بين أعظم الأديان وأعظم الأيديولوجيات. ولا أحسبن هذا عملا غير شرعي، فقد شاعت فينا أقول حسبناها أحاديث، وما هي بأحاديث، مثل قول القائل: "اطلبوا العلم ولو في الصين" و"الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أولى بها". لكن يظل المعنى النبيل الذي جسده قول الحق: "قل سيروا في الأرض فانظروا" وهو جوهر ما ذهب إليه أبو حامد الغزالي في قوله: "نقبل الحق المكتوب في كتب أهل الباطل."

            والمزاوجة بين ما هو إسلامي وما هو ليبرالي، معضلة تحتاج إلى جهد ذهني وإبداع نظري قام ويقوم به مفكرون إسلاميون كبار من أمثال البشري والعوا وأبو المجد؛ وتحتاج ثانيا إلى عقول متفتحة من قيادات الجماعة حتى تأخذ هذه الأفكار الليبرالية وتنطلق بها في سماء المواطنة المصرية.

ولأن مجالات النقاش متعددة فسأكتفي بمجال واحد وهو مجال المواطنة حيث تختلط الأمور وتوجه الانتقادات إلى الجماعة على نحو يجعل منها منتقدة بسبب الشيئ ونقيضه، وهو ما لا أستغربه في ظل الفوضى اللغوية والفكرية التي تعيشها الحياة الفكرية في مصر.

فمن ناحية يوجه التيار الجهادي، وعلى رأسه، الظواهري للجماعة انتقادات من قبيل، "إن الإخوان قد وقعوا في أخطاء عظيمة وسقطات عقائدية وبدأوا يتحدثون عن فقه جديد لا يعرفه علماء الإسلام، سووا فيه بين المسلمين وغيرهم في كافة حقوق المواطنة المادي منها والمعنوي، والمدني منها والسياسي"، وذلك في كتابه فرسان تحت راية النبي. بل إنه تهكم على الإخوان لأنهم يعطون "للنصارى" الحق في تولي كل وظائف الدولة ما عدا منصب رئيس الدولة "أنهم لا يرون غضاضة في أن يتولى رئاسة وزراء مصر نصراني! ترى ولماذا لا يكون يهوديا؟ أليس في مصر مواطنون يهود؟ أم أن المسألة دعاية سياسية وليست مبادئ؟"

 

            هكذا يوجه النقد للإخوان لأنهم "ليبراليون" أكثر من اللازم. وفي نفس الوقت يقف منهم فريق من المصريين سواء المختلفين معهم في الديانة أو الأيديولوجية موقف الناقض (وليس فقط الناقد) لأنهم ليسوا ليبراليين على الإطلاق ويستشهدون هم أيضا بتصريحات المرشد العام مصطفى مشهور في عام 1999 حينما قال إنه لا ينبغي للمسيحيين الدخول في الجيش والعودة بالأقباط إلى صيغة أهل الذمة، وما قاله المرشد الحالي من عبارات تدل على استعداده لأن تكون مصر ولاية أو دويلة في دولة خلافة أكبر حتى لو كان الخليفة ماليزيا. وهي مقولة، وإن بدت محسومة في فكر المرشد، لكنها تطرح علينا جميعا أسئلة عن مستقبل بلدنا في ضوء وجود جماعة يشغل أعضاء منها خمس البرلمان وكان بإمكانهم الفوز بأكثر من هذا الرقم كثيرا.

 

            إذا الأقل ليبرالية ينتقدون الجماعة لأنها أكثر ليبرالية منهم والأكثر ليبرالية ينتقدونها لأنها أقل ليبرالية منهم والسؤال المطروح على الجماعة هو ما الذي تريده الجماعة فعلا؟ هل هي أقرب إلى فكر البشري الذي قال إن غير المسلمين في الدول المسلمة لهم كافة الحقوق في تولي كافة المناصب بما في ذلك الولاية العليا لأنها الآن أصبحت ولاية لمؤسسات وليست لأفراد؟ أم هي أقرب إلى فكر سيد قطب الذي يرى أن الأصل أن علاقة المسلمين بغيرهم جاءت صراحة في آيات سورة التوبة التي تطالب المسلمين بالدخول في معارك عسكرية مع غير المسلمين لأن الأصل ألا يعيش في الدولة المسلمة إلا المسلمون؟

 

من حوارات مباشرة مع عدد من نشطاء الجماعة فإنهم يؤكدون على أنهم مخلصون في وطنيتهم وأن ما يخرج عن بعض الأسماء في الجماعة عادة مدسوس ومقتطع من السياق ويهدف إلى تشويه مواقف الجماعة. وعلى هذا فإنني أطلب من القائمين على شأن الجماعة، إن كانوا يتبنون قيم المواطنة الحقة، أن يفكروا في النقاط العشر التالية:

1-   عليكم أن تعلنوا صراحة أنكم لن ترفعوا شعارات دينية في أي من مشاركاتكم في الانتخابات القادمة لأن هذه الشعارات أولا تؤذي إخوانكم في الوطن وشركاءكم في المجتمع من غير المسلمين، كما أنها ثانيا تجعل التنافس غير شريف لأن طرفا يمتلك سلاحا لا يملكه الآخرون وهو سلاح الدين، فتكون المباراة غير متكافئة، ثالثا، لأن أي شعار آخر، غير ديني، سيؤدي عمليا إلى نفس النتيجة.

2-   عليكم أن تثبتوا أنكم جادون في التحول إلى حزب سياسي كامل الشرعية، له ما للأحزاب السياسية الأخرى وعليه ما عليها. وأنكم ستسعون إلى اتباع كافة الطرق القانونية، مهما كانت غير عادلة، من أجل الحصول على حقكم في تكوين حزب سياسي.

3-     أن هذا الحزب مفتوح لكل أبناء الوطن، مصر، بغض النظر عن الدين، وأن للكل حقه في أن يشارك في بناء الحزب وفي التداول بشأن قضاياه.

4-   أنكم ستمارسون الديمقراطية داخل الجماعة / الحزب بما يضمن انتخابات دورية للمناصب العليا بما في ذلك المرشد العام والذي سيتحول منصبه إلى منصب رئيس الحزب فور إعلانه مع التزامكم بأن يخضع هذا المنصب لما تطالبون به من قيود على عدد فترات الرئاسة؛ فلا يظل المرشد في منصبه حتى وفاته. فلا تطالب الآخرين بما لا تلزم به نفسك.

5-   لا بد من طمأنة الإخوة الأقباط بأن حقوقهم ليست منحة، فقد ولى عصر الذمة وعصر الملة وجاء عصر المواطنة. وعلى هذا فالإخوان مطالبون بأن يحددوا موقفهم شرعا من أقوال بعض الفقهاء السابقين من قبيل: قول القرطبي بعدم جواز استكتاب أهل الذمة ...أو الاستنابة إليهم، وهو ما وضحه ابن تيمية في قوله: "لا يستعان بأهل الذمة في عمالة ولا كتابة لأنه يلزم منه مفاسد." وهو كلام يبدو لي أقرب إلى نصيحة يقدمها الفقيه إلى السلطان في زمن بعينه منه إلى موقف شرعي ثابت لاسيما في ضوء عشرات الآيات التي تحض على البر والقسط (مثل آيات سورة الممتحنة). لذا فعليكم أيها الإخوان توضيح الثابت والمتغير في موقف الإخوان من حقوق غير المسلمين.

6-   لا بد أن يقف الإخوان على مطالب إخواننا الأقباط والتي أوردوها في كتابات عديدة بدءا من زغيب ميخائيل قبل الثورة وحتى كتابات سمير مرقس وسامح فوزي وما يرد في جريدة وطني، وأن يصدروا بيانا واضحا لا لبس فيه يعلنون فيه مواقفهم من هذه المطالب مستحضرين روح التسامح العظيمة التي أبداها الرسول الكريم (ص) مع نصارى نجران الذي عاهدهم على معاونتهم على بناء ما تهدم من كنائسهم، والبيع والشراء معهم مثلما فعل عليه الصلاة والسلام، وهي نفس الروح التي سيطرت على ما كتبه ابن القيم عن جواز الصدقة والوقف على مساكين أهل الذمة (الذين ينبغي أن نعتبرهم الآن مواطنين كاملي المواطنة).

7-   لا بد أن يكون ماثلا للجميع أن أقباط مصر هم جزء من مصر وأن فيهم من النبل ما جعل زعيمهم (مكرم عبيد باشا) يعلن أمام المعتمد البريطاني أنه "مسلم وطنا مسيحي دينا" رافضا فكرة إنشاء وطن للمسيحيين في جنوب مصر وللمسلمين في شمالها، وهو بذاته السياسي الوحيد الذي سار خلف جنازة حسن البنا وله أحفاد كثيرون يملأون ربوع الوطن لا يقلون في وطنيتهم عنه. وهو موقف وطني لا يبتعد عن مواقف البابا شنودة تجاه إسرائيل.

8-   يا لسعادة أعداء مصر يوم أن تحدث فتنة بين مسلمي مصر وأقباطها ويا لتعاستنا لو عاش بيننا من يريد أن يخدم الإسلام بطريقة غير إسلامية فيظن، خطأ، أن قوة مصر تقتضي أن يصعد الإسلام والإسلاميون وأن تتراجع المسيحية والمسيحيون. لقد أراد الله التعدد والتعايش، فهكذا أراد الكون رب الكون: "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين."

9-   و لابد أن تعي الجماعة أنها في سباق مع الزمن كي تثبت، أكثر من أي وقت مضى، أنها جزء "متطور" من نسيج هذا المجتمع. إن قطار التطور سريع وعلى الإخوان أن يلحقوا به وأن يكونوا أكثر ليبرالية مما هم عليه الآن. فإذا كان مستقبل هذا الوطن هو الديمقراطية والليبرالية، فلن يتم هذا إلا إذا كانت جميع أطراف المباراة السياسية يقبلون بقواعدها الديمقراطية والليبرالية وهو ما يقتضي جهدا ذهنيا مضنيا على أهل الفكر والرأي ألا يبخلوا فيه بوقتهم وطاقاتهم، وعلى الجماعة أن تبرز روح الإسلام في سلوكها دون ضجة أو دعاية مبالغ فيها.

10-  مصر هي الدولة - الوطن ولا مجال للحديث عن دولة خلافة، وإنما ديمقراطية تعددية يمكن أن تأخذ شكلا فيدراليا بموافقة كافة الأطراف على نمط الفيدرالية الأوروبية الناشئة دون عنف أو تدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى؛ فزمن ضم دولة لدولة أخرى قد ولى وانتهى، فلا يمكن بناء الوطن على عن طريق التضحية بالمواطن، حريته وحقوقه. وقد لفت نظري الصديق العزيز، أنور الهواري، للآية الكريمة من سورة الأنفال والتي يقول فيها الحق سبحانه: "إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض" وكأن لهؤلاء ولاية مباشرة أشبه بعلاقة المواطنة التي يعيشها المصريون جميعا حتى وإن حدث اختلاف في الدين، وهذا ما جسده دستور المدينة الذي خلق مواطنة جديدة قائمة على الانتماء للمكان بغض النظر عن الدين. أما "الذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق" أي أن المسلمين الذين هم الآن في أماكن بعيدة عن ديارنا فعلينا نصرتهم، لكن ليس علينا الولاية لهم أو الشعور بأن علينا أن نكون وهم "مواطنون في دولة واحدة بالضرورة" ففي تاريخ المسلمين نفسه كانت هناك خلافات متعددة في نفس الوقت. إذا فلا يمكن، وأعتقد أن هناك كثيرين يوافقون على هذا الرأي، أن يقول عاقل إن الولاية لدولة أو شخص بعيد عنا نحن المصريين ترتب التزاما بالولاء له بما يتناقض مع علاقة المواطنة مع المسيحي الذي اختلط دمه بدمي وطعامي بطعامه قرونا عدة.

إذا كان هذا الوطن مستقبلنا الذي ينبغي سنتعايش فيه جميعا، فلنتقارب، ولنتفاهم، ولنتعلم، ولنقبل باحترام مقولة غاندي الشهيرة: "سأفتح أبواب ونوافذ بيتي لكل رياح الفكر والثقافة كي تهب علي من كل مكان." ولتكونوا، أيها الإخوان، الخير الذي تدعون القوى السياسية الأخرى له، فابدأوا بأنفسكم وانفتحوا على انتقادات غيركم لكم. هذه دعوة للتفكير في المخاض الجديد على نحو ما جعل العقاد عنوان كتابه: التفكير فريضة إسلامية.

Hit Counter