مصر ومصادر الشرعية الثلاثة

د. معتز بالله عبد الفتاح

كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة

www.aladl.net

الوفد، 1 مايو 2007

سياسة اليوم هي تاريخ الغد. وتاريخ أي مجتمع يعد معملا جيدا لاختبار الأفكار الكبرى التي تحكمه. ولو أردنا أن نرصد تاريخ مصر الطويل منذ أن وحدها مينا نارمر قبل 5000 سنة لوجدنا أن لدينا الكثير مما يمكن أن نتعلمه على أكثر من مستوى. والقضية التي أرصد تطورها عبر تاريخنا الطويل هي قضية "مصادر شرعية" نظام الحكم. وشرعية نظام الحكم تعني استقرار فكرة القبول الشعبي لخلطة الأشخاص والأفكار والمؤسسات التي تقوم بوظائف الدولة الأساسية الخمس: العسكرية (أي الأمن)، والأيديولوجية (أي القيم)، والاقتصادية  (أي الرفاه)، والإدارية (أي التنظيم)، والسياسية (أي إدارة الصراع)، كما كان يعلمنا أستاذنا الفاضل: الدكتور مصطفى كامل السيد في مقرر النظرية السياسية بكلية الاقتصاد.  ويبدو لي أن المصريين كانوا أكثر ميلا لقبول نظم الحكم التي تقوم بإنجاز الوظيفتين العسكرية والأيديولوجية كحد أدنى، لكن القبول كان يتحول إلى رضا حينما تنجح النخبة في إنجاز المهام الأخرى شريطة ألا يكون ذلك على حساب الوظيفيتين الأساسيتين.

والقبول المتضمن في مفهوم الشرعية لا يعنى الرضا المطلق، حتى وإن تحقق في بعض الفترات مثل فترة حكم أحمد بن طولون، وإنما يعني القبول في ضوء البدائل المتاحة والتكلفة المحتملة لتغيير الأشخاص أو الأفكار أو المؤسسات.

وبمطالعة سريعة لتاريخ مصر من عصر الأسرتين الأولى والثانية في الألفية الثالثة قبل الميلاد وحتى يومنا هذا نجد أنفسنا بين نمطين من الشرعية يمكن تسميتهما:  

أولا الشرعية التقليدية: وهي التي تقوم على السمع والطاعة لأسباب شرعية دينية – أو أسرية وراثية. ثانيا شرعية الحفاظ على استقلال ووحدة الدولة. ويبقى أن تتحول مصر إلى النمط الثالث من الشرعية وهو نمط الشرعية الديمقراطية الليبرالية الذي سأناقشه لاحقا.  

والنمط الأول هو الشرعية التقليدية القائمة على السمع والطاعة فعلاقة الفرد بالإله تقتضي طاعة الحاكم والذي هو عادة ما ينتمي إلى أسرة ذات خصائص استثنائية يتوارث أعضاؤها الحكم بينهم. فالفرعون كان يحكم مصر بإسم الآلهة التي أعطته الحق الإلهي على سياسة الرعية وإدارة اقتصاد الدولة الزراعي والتجاري، وعليه فكان جزءا من الوظيفة الأيديولوجية للدولة المصرية القديمة التأكيد على رضا الآلهة وعلى الرابط المقدس بين الإله وبين الأسرة الحاكمة، وهكذا أقيمت المعابد في منف وفي عواصم الأقاليم، وأقيمت المقابر الملكية على هيئة تليق بعظمة الملك الإله الذي هو رابطة الوصل بين فلاحي مصر وبين الآلهة. وتشير المعابد إلى أن ظهور الملك كان يوصف بأن "الملك قد أشرق" وأنه أطل كالشمس من أفقه وأن موته كان يعني التحاقه بركب الآلهة الكامنة خلف قرص الشمس. بل إن صعود وهبوط الأسر الفرعونية كان يرتبط ضمنا بالنجاح في إدارة الصراع الديني بين الملك وكهنته من ناحية وأمراء الأقاليم وكهنتهم من ناحية أخرى. وكان المواطن المصري الغائب الحاضر في هذه الصراعات فإن انتصر كهنة آمون في طيبة تبعهم، وإن انتصر كهنة حزب التوحيد (آتون) في تل العمارنة تبعهم. وقد أراح المصري نفسه وسار على نهج قيل عن سلاطين المماليك لاحقا: "أصلح الله من أصبح." أي أصلح الله من أصبح حاكما.

وقد تعلم غزاة مصر أهمية هذا المصدر الديني للشرعية، فتوجه الإسكندر الأكبر إلى معبد الإله بتاح في منف ليتوجه كبير كهنة هذا الإله. وفعلها بطليموس الأول أيضا عندما لقب نفسه بإسم إله مصر القديم ونسب نفسه إلى آمون. وكان سوء تقدير الرومان لأهمية هذا المصدر للشرعية سببا في توترات عظيمة شهدتها مصر بسبب إصرار الرومان على إجبار المصريين على تبني المسيحية الكاثوليكية. وكان عمرو بن العاص شديد الحنكة في تجنب حدوث مواجهات مع أقباط مصر بأن احترم معتقداتهم وضمن لهم حق العبادة وعدالة في توزيع الأعباء المالية، مع شرط أساسي وهو الدعاء للخليفة في الصلاة ووجوب الطاعة له. وهو النهج الذي سار عليه معظم الولاة حتى ضعفت الخلافة وبدأ يستأثر بعض الولاة مثل أحمد بن طولون بحكم مصر فأصبح يدعى للخليفة وله معه، باعتبارهما معا يتوليان أمر مصر وتجب لهما الطاعة. وظل الأساس الديني لشرعية الحكم هو الأساس الأصيل لكن كانت شرعية الانجاز تحول القبول إلى رضا. وهو ما تجسد في رضا المصريين عن حكم أحمد بن طولون كما يروي لنا المقريزي في عهد بلا ثورات أو فتن بل عهد ازدهار اقتصادي وتجاري وعسكري.

وقد أخذت الشرعية على أساس ديني أوضح أشكالها في عهد الدولة الفاطمية الإسماعيلية والتي كانت بحق الشكل الأوضح لحكم الدولة الثيوقراطية (أي حكم الكهنوت) في تاريخ مصر، فهم يحكمون بسبب نسبهم للسيدة فاطمة بنت الرسول والحكم فيهم على أساس ديني محض لأنهم ورثة الحكم والنبوة من نسل الرسول (ص)، فالإمام كان ممثل الإله على الأرض وتنبثق منه كل السلطات على نحو يذكرنا بالفرعون الإله. ورغما عن أنهم كانوا ثيوقراطيين بهذا المعنى إلا أن تاريخهم، باستثناء الحاكم بأمر الله، شهد أكثر عصور المسيحيين اندماجا في ظل الدول الإسلامية المتعاقبة.

والأمر لم يختلف كثيرا عندما حكم الأيوبيون والمماليك، فكان لا بد من شرعية تستند إلى الدين رغما عن أن سلاطين الأيوبيين والمماليك كان لديهم مصدر آخر للشرعية وهو الشرعية العسكرية لكنهم حرصوا على الشرعية الدينية أيضا لاسيما أمام التحدي الذي ساقه الشيخ العز بن عبد السلام والذي شكك في شرعية تولي أمراء المماليك الحكم بحجة أنهم أرقاء يجوز عليهم البيع والشراء ولا يجوز لهم الملك والحكم. ومن هنا احتاج المماليك إلى إحياء الخلافة العباسية تارة أخرى والحصول على تفويض بالسلطنة منهم. وهو ما تحقق لبيبرس الذي استدعى شخصا زعم أنه الظاهر بالله الإمام الناصر ابن الإمام المستنصر أحد خلفاء الدولة العباسية قبل أن يدمرها المغول. ومن هنا أرضى بيبرس العلماء، ومنهم العز بن عبد السلام الذي بايع الخليفة، ثم قام الخليفة بمبايعة بيبرس بالسلطنة وأخذ لقبا لم يحصل عيه أحد من قبل وهو "قسيم أمير المؤمنين" أي من يقتسم معه حكم البلاد. ولم يختلف الأمر كثيرا في ظل الإدارة العثمانية – المملوكية في حكم مصر. بل إن الجبرتي، قبيل الحملة الفرنسية، يصور غلبة العاطفة الدينية المختلطة بالخرافة في أن الوالي ما هو إلا كالمرض والأوبئة أو كالصحة والعافية "كل من عند الله" ويكفي أن أشير إلى أن أغلب المصريين استسلموا للولاة كما استسلموا للمرض حتى أن سكان مصر قبيل الغزو العثماني (بداية القرن السادس عشر) كانوا حوالي 8 ملايين، وقد أصبحوا حوالي 2.5 مليون قبيل الحملة الفرنسية (نهاية القرن الثامن عشر). وقد حاول نابليون أن يتقرب للمصرين ابتداء بتعظيم الإسلام ورموزه سيرا على ضرب الاسكندر الأكبر، ولما عجز عن تحقيق الشرعية الدينية، قرر إهانتهم في أعز ما يملكون فأمر جنده بدخول الجامع الأزهر بخيلهم.

ولكن لماذا نجح الولاة والخلفاء في استخدام الدين الإسلامي كمصدر للشرعية؟ لم يختلف الأمر في ذلك عن الأديان السابقة عليه بما في ذلك الفرعونية القديمة. والحقيقة أن هذا سؤال شديد التعقيد، لكن لا شك أن قضية محاربة الاستبداد لم تكن من أولويات الفقه الإسلامي في مواجهة أولويات أخرى مثل الحفاظ على وحدة الأمة في مواجهة الفتن السياسية، وتطبيق الحدود الشرعية، ومواجهة المستعمر الأجنبي. وهو ما سيكون على علماء الدين الإسلامي المعاصرين أن يتداركوه كما أوضحت في مقال سابق بالخروج من دائرة الشورى المعلمة إلى الشورى الملزمة، وما يستتبعه ذلك من وضع قيمة الحرية في دائرة الواجب الفرض وليس في دائرة الجائز أو المباح. فإذا كان القرآن شدد على أهمية العدل، فقد استقر عند بعض من الفقهاء أن العدل لا يتناقض مع الاستبداد فقال الإمام محمد عبده "إنما ينهض بالشرق مستبد عادل." وفي النظريات السياسية المعاصرة، تبدو العبارة متناقضة وكأنك تقول إنما ينهض بالشرق ميت حي، أوبخيل كريم.

هذا عن المصدر الأول لشرعية الحكم، ماذا عن المصدر التاريخي الثاني؟ المصدر الثاني لشرعية الحكم في تاريخ مصر الطويل يعود إلى الوظيفة الأمنية والعسكرية. فتاريخ مصر يشير إلى عدد هائل من تجارب احتلال مصر وفقدانها لوحدتها وجهود المصريين لتحقيق استقلالهم. ويكفي أن أشير إلى أن الرئيس عبد الناصر هو أول رئيس مصري الجنسية يستقر له حكم مصر منذ حوالي 2500 سنة تناوب على حكم مصر فيها جميع الغزاة من الأقاليم المحيطة بها من الجهات الأربع، بدءا من النوبيين في الأسرة الخامسة والعشرين مرورا بقبائل الصحراء الليبية ثم الآشوريين والإغريق،  ثم الفرس (200 سنة) ثم اليونانين مع الإسكندر الأكبر وهو ما قاد إلى دخول مصر عصر البطالمة (300 سنة) ومن بعده الرومان بعد كر وفر مع الفرس (700 سنة)، ثم الفتح الإسلامي (1400 سنة) بين ولاة كلهم معينين من المدينة (دولة الخلافة لمدة 40 سنة) أو الكوفة على عهد خلافة سيدنا علي القصيرة ودمشق (الدولة الأموية، أقل من 100 سنة) أو بغداد وسامراء (الدولة العباسية الأولى، 500 سنة) أو الأستانة (الدولة العثمانية، 400 سنة) أو يؤسس الولاة دولا مستقلة عن دولة الخلافة الأم، مثل الدولة الطولونية ومن بعدها الإخشيدية (كلتاهما مجتمعتان 100 سنة) ثم الفاطمية (250 سنة) ثم الأيوبية – المملوكية (حوالي 350 سنة) ثم العثمانية (حوالي 300 سنة) ثم الحملة الفرنسية (3 سنوات) وهي مقدمة دخول مصر عصر الدولة الحديثة على يد أسرة محمد علي (حوالي 150 سنة) التي حكمت حتى قيام الثورة التي ردت مصر إلى المصريين من الاحتلال البريطاني (حوالي 70 سنة).

وهو ما يفسر جزئيا الإنبهار الشديد بعبد الناصر الذي حقق الاستقلال مرتين خلال سنتين (الجلاء ثم العدوان الثلاثي) وهو ما يفسر كذلك شرعية الرئيس السادات الذي "قال للرجال عدوا القنال" وهو ما يفسر كذلك السهولة النسبية في انتقال السلطة إلى الرئيس مبارك باعتباره "صاحب أول ضربة جوية فتحت باب الحرية" وهو ما يفسر أيضا حالة التراخي التي يعيشها المصريون في آخر عشرين سنة بحكم أن "سينا رجعت كاملة لينا ومصر اليوم في عيد" حتى وإن كان هناك خلل في وظائف الدولة الأربع الأخرى. وهو ما سيفسر كذلك صعوبة انتقال السلطة من الرئيس مبارك لأي شخص يأتي بعده لأن الشرعية الدينية – الأسرية غير قائمة حتى أن رجالات المؤسسة الدينية أنفسهم يبحثون عن شرعية، فضلا عن أن التقاليد الجمهورية تضع قيودا على الانتقالات الأسرية، كما أن الأرض ليست محتلة ووحدة الدولة ليست مهددة حتى تعطى الوظيف العسكرية الأمنية أولوية على ما عداها. وهو ما يجعل المصدر الأساسي المتاح للشرعية هو المصدر الثالث والذي لم تعرفه مصر إلا جزئيا في العشرين سنة من 1923 حتى 1952 لكن فساد الملك وتدخل الإنجليز نالتا منه وهو الديمقراطية التعاقدية وهو ما يتجلى في أفضل تجلياته يوم الانتخاب حيث يتحول المحكوم إلى حاكم ويتحول الحاكم إلى محكوم بحيث تتلاقى إرادات المحكومين في الاختيار بين البرامج والأشخاص القادرين على الإضطلاع بمهام وظائف الدولة الخمسة المختلفة. وعلى هذا فإن مصر بحاجة لإنطلاقة جديدة نحو مصدر جديد للشرعية المشروطة باحترام أسس وقواعد الدولة الديمقراطية.

 

Hit Counter