لا تظلموا المصريين

د. معتز بالله عبد الفتاح

MOATAZFATTAH@YAHOO.COM

الوفد، 17 يونيو 2008

هل المصريون ظالمون لأنفسهم؟ أم هم ضحايا لظلم الآخرين لهم؟ أم هم ظالمون ومظلومون في آن معا؟ والرأي عندي أن الإنسان المصري مظلوم إجمالا، لأنه قد مر في القرن الماضي بأزمة جيلية حادة أفقدته البوصلة وقللت من ثقته بنفسه ووضعته في حالة "لا اختيار" جماعي لأنه غير قادر عن تمييز الصواب والخطأ وحتى لو وجدنا بيننا مجموعة أشخاص احتفظوا لأنفسهم بهذه البوصلة فهم غالبا إما خارج مصر أو داخل مصر يعيشون حياة من ينفخ في قربة مقطوعة وكأنهم يتحدثون إلى أناس لا يسمعون، أو يكتبون لأناس لا يقرأون، فيضيع الفعل الجماعي القادر على التغيير سواء في المجال السياسي أو غيره.

ففي حين تجد أن أفضل طبيب في أي تخصص في المنطقة العربية مصري الجنسية، لكن قطعا أفضل مستشفى ليست مصرية. وسنجد أن أفضل المدرسين وأساتذة الجامعات المنطقة العربية من المصريين بيد أن أحسن مدرسة وجامعة في المنطقة العربية قطعا ليست مصرية، وكذا الأمر في كل المجالات.

ولا أعتقد أن تحليل هذه الظاهرة يقف عند المستوى الشخصي أو الفردي، وإنما هي مشكلة لها بعد مجتمعي. فالمصريون شهدوا تحولات أقرب إلى الصدمات على أربعة مستويات:

أولا على مستوى الهوية: فقد وجد المصريون أنفسهم يتحولون بقرارات سياسية لأصحاب السلطة من "ولاية إسلامية" تتبع الخلافة العثمانية إلى دولة عربية تقاتل من أجل العروبة والقومية العربية. لكن جاءت هزيمة 1967 لتفقد السلطة بل والعروبة شرعيتها، ثم إلى انتصار عام 1973 الذي رفع من روح المصريين المعنوية لكن المصريين وجدوا أنفسهم يضحون بكل ما عاشوا من أجله في السنوات الثلاثين السابقة فبدلا من التفكير والتصرف كمسلمين أو كعرب أصبحوا يفكرون ويتصرف كمصريين وكفى. بين كل هذا وذاك أعتقد أننا أمام شعب ضربه حكامه في الخلاط.

ثانيا على مستوى بنية النظام السياسي الداخلي: فمن الملكية مع التعددية الحزبية على عيوبها ومجتمع مدني يأخذ خطواته نحو الازدهار يجد نفسه في ظل نظام ثوري يلغي الأحزاب ويؤمم الصحف ويلغي المجتمع المدني ويطلق لفظة "البائد" على كل ما كان سابقا عليه، وقبل أن تستقر الأوضاع يرحل الرئيس عبد الناصر ويأتي الرئيس السادات ليسير على خط الرئيس عبد الناصر "بأستيكة" كما قيل. لنجد أنفسنا نعود إلى حالة من التعددية الحزبية الديكورية المقيدة والتي استمرت حتى عهد الرئيس مبارك الذي تبنى مزيدا من الانفتاح الإعلامي مع ضبابية في حدود الحرية وقيودها، والسماح بمجتمع مدني يتمتع بحرية لم تكن تعرفها الحقبة الناصرية. وفي علاقة النظام السياسي بأقدم جماعة معارضة في تاريخنا، أقصد جماعة الإخوان، بين النشأة والتفاوض ثم الإلغاء والحل في مرحلة ما قبل الثورة، ثم دعم الثورة والتحالف معها، ثم القبض على رموزها وإعدامهم في عهد الرئيس عبد الناصر، ثم إخراجهم من السجن والسماح لهم بالازدهار في بدايات عهد الرئيس السادات ثم الاعتقال في آخر عهده، ثم توسيع هامش الحركة لهم في عهد الرئيس مبارك مع تضييق هذا الهامش فجأة ودون مبررات كافية. وكذا عند الحديث عن المشاركة السياسية، يدعو رئيس الدولة المواطنين للتصويت في الانتخابات، وحين يتجرأ بعضهم يجدون أنفسهم أمام العصا الغليظة للأمن المركزي. بين كل هذا وذاك أعتقد أننا أمام شعب ضربه حكامه في الخلاط.

ثالثا على مستوى بنية النظام الاقتصادي: في أقل من عشرين سنة تحولت مصر من نظام رأسمالي ببورصة نشطة وعملة قوية والتنافس والتسويق وتفاوت حاد في الدخول والثروات في ظل اقتصاد منفتح على العالم الخارجي في العهد الملكي إلى دولة إشتراكية تعيش على إغلاق الحدود الاقتصادية وتبني منطق الاعتماد على الذات وتأميم الشركات الأجنبية ثم الوطنية ومن التسويق إلى التوزيع. وهكذا، فمن قواعد السوق إلى التدخلات الإدارية وجد المصريون أنفسهم مطالبين بالتعايش مع واقع جديد تعاملوا معه بمنطق "لعله خير." وبعد سنوات ليست بالطويلة، وبعد عجز موارد الدولة عن الوفاء بما عليها من التزامات داخلية وخارجية عسكرية ومدنية، قرر الرئيس السادات تبني سياسة مختلفة تماما وكأنه يريد أن يعود بعجلة الزمن إلى الوراء فتتبني مصر الانفتاح الاستهلاكي ليزيد من عجز الموازنة ويحدث خللا رهيبا بالبنية الطبقية في المجتمع في وقت لم يكن المصريون قد استوعبوا بعد  ضرابات التأميم في مطلع الستينيات، ثم تأتي روشته البنك الدولي وصندوق النقد مع بدايات حكم الرئيس مبارك الذي أعلن انحيازه لمحدودي الدخل مع يقينه بأنهم هم الذين يدفعون ثمن كل السياسات التي تبنتها الدولة منذ حكم مصر. والأخطر أن هذه المعاناة الاقتصادية أدت إلى نتائج ثقافية وقيمية شديدة جعلت ما كان حراما وعيبا ومرفوضا (لأنه يدخل في باب الفساد والرشوة وخيانة) ليس حراما أو عيبا أو مرفوضا. لو تأملنا ما سبق جيدا، فنحن لا شك أمام شعب مضروب في الخلاط.

رابعا على مستوى السياسة الخارجية والدور الإقليمي، من عدو للكيان الصهيوني لصديق يهنئها بحرب استقلالها ودعمها اقتصاديا بتصدير الغاز الذي يمثل ثروة قومية مصرية للشعب الإسرائيلي "الشقيق"، ومن قيادة المنطقة العربية إلى محاولة لعب دور بجوار فاعلين إقليميين أنشط، وإن لم يكونوا أكثر تأثيرا، ومن عدو للولايات المتحدة التي توعدناها بشرب مياه البحر الأبيض والأحمر على عهد الرئيس عبد الناصر لحليفها الاستراتيجي الأكبر لدرجة أن خطوط العداء والصداقة المصرية في منطقتنا تنطبق تمام الانطباق مع حدود العداء والصداقة الأمريكية. بين كل هذا وذاك أعتقد أننا أمام شعب ضربه حكامه في الخلاط.

ولم يزل المصريون في حالة بحث عن خريطة وبوصلة، وهو ما يجعلهم قليلي الهمة، كثيري الشكوى، عديمي الهدف، سكارى بلا خمر، أو حتى بخمر، غضبى بسبب، أو حتى بدون سبب. إنهم شعب ضربه حكامه في الخلاط، ولو حدث ما سبق لأي شعب آخر من شعوب العالم، لفقد البوصلة والهمة وانتهى إلى أسوأ مما انتهينا، فلا تظلموا المصريين وإن كنا لا نعفي أنفسنا من التعايش مع الظروف والاستسلام لها.