|
في معنى العدالة ذات الأضلاع الخمسة
د. معتز بالله عبد الفتاح الوفد، 12 مايو 2008
يتهم الأكاديميون والمثقفون عامة بأنهم يميلون إلى تعقيد الكلمات
والمصطلحات لإضفاء شيء من الغموض على ما يكتبون وبالتالي يدعون لأنفسهم
مكانة أعلى لأنهم يقولون "كلام كبير." والحقيقة أنه اتهام فيه الكثير من
الصدق بالذات عند أولئك الذين يرون أن الكلمات الصعبة والغامضة تجعل
الآخرين يعزفون عن تحديهم ومناقشتهم في أفكارهم وهو إجمالا مؤشر ضعف وليس
مؤشر ثقة ورغبة في التواصل مع الآخرين. فأعقد الكلمات والمصطلحات والأفكار
يمكن، بل يجب أن تبسط بما يجعلها قابلة للفهم والاستيعاب من أكبر عدد ممكن
من الناس.
ودعوني أشير إلى حقيقة المقالات التي كتبها ثلاثة من كبار الآباء المؤسسين
للولايات المتحدة تحت عنوان "الأوراق الفدرالية" في أواخر القرن التاسع عشر
حتى يضمنوا من ناحية تأييدا للتصويت على الدستور الأمريكي ويقدموا الخلفية
الثقافية والفكرية للدستور الأمريكي. والمثير للتأمل أن هذه المقالات نشرت
في الصحف وقرأها الإنسان العادي في مستعمرات أمريكا الشمالية وأثرت فيهم
وفي النهاية صوتوا لصالح الدستور الأمريكي. لكنها تميزت بعمق شديد وبتحديد
واضح للمصالح المباشرة التي ستعود على الإنسان الأمريكي حين يصوت لصالح
الدستور في صيغته الفيدرالية. ولا أتصور أن جموع المصريين في عام 2008 أقل
قدرة على استيعاب حقوقهم والتزاماتهم مما كان عليه ساكنو المستعمرات
البريطانية في أمريكا الشمالية عام 1787 لكن المعضلة أن قيادات هذه
المستعمرات كانت راغبة في بناء دولة حديثة تحكم المواطنين بصناعة القوانين
لكنها أول من يلتزم بها وفي ذات الوقت تضع نفسها تحت تصرف المواطنين حين
يختارون من يحكمهم إما بالاستمرار أو الرحيل. وهو قطعا ما ليس عليه حال
القيادات الحاكمة في مصر في مطلع القرن الواحد والعشرين. وهو جوهر الفرق
بين النخب الإصلاحية والنخب الإقطاعية. ومع ذلك يظل من واجب كل صاحب رأي أن
يبصر القادرين والراغبين من أبناء الوطن على القيم الأساسية التي ينبغي أن
تشكل أساس الحكم الصالح.
ولنأخذ مثالا آخر من واقعنا المصري والعربي بشأن مفهوم شديد التعقيد لكنه
ينبغي أن يكون شديد التحديد إذا كنا جادين في بناء منظومة فكرية وثقافية
قادرة على تغيير واقعنا لما هو أفضل. والمفهوم موضع النقاش هو مفهوم
"العدل" و"العدالة" وهما لفظان، عندي على الأقل،
فالمساواة أول مكونات العدالة. فلا عدل الا ان يتساوى الناس ابتداء كأسنان
المشط على أساس حقوقهم القانونية والسياسية بغض النظر عن خصائصهم التي
ولدوا بها كالنوع ذكر أو انثى أو الديانة أو العائلة أو القبيلة التي
ينتمون اليها. والمساواة هنا تعني مساواة في الحقوق الأساسية والحريات
العامة ومقومات الحياة وكذلك في الالتزام بالواجبات كما يفرضها الدستور
والقانون؛ فلا مجاملة لحزب على حساب آخر، ولا لمواطن على حساب مواطن آخر.
بيد أن العدالة القائمة على المساواة وحدها هي عدالة عمياء يمكن أن تعني
عين الظلم إذا لم تأخذ في اعتبارها مكونين آخرين وهما:
التمايز بين الأفراد وفقا للاحتياجات؛ فالفقير حتى يستغنى والضعيف حتى يقوى
و الجاهل حتى يتعلم والمريض حتى يتعافى
يستحقون معاملة خاصة
لما لحق بهم من عارض يجعلهم غير قادرين على النهوض بأعباء انفسهم. فمن
المنطقي أن يطبق مبدأ المساواة على الجميع في طابور الوصول للطبيب، لكن
مرضى الحالات الحرجة لهم أولوية على غيرهم لأن هناك أمراضا تهدد حياة
الناس، والمساواة في هذه الحالة تعني الظلم بعينه.
أما المكون الآخر فيقتضي التمايز بين الأفراد على أساس المواهب والقدرات؛
فالناس بحق درجات ومعادن منهم المجتهد وصاحب البصيرة ومنهم أهل الدعة و
السكون "وهل يستويان مثلا" ولو اردنا بتبسيط المخل ان نفهم سبب انهيار
التجربة الإشتراكية في الاتحاد السوفييتي فيمكن ان نزعم انها ارتبطت
بمساواة معيبة سعت بان تساوي بين الجميع بغض النظر عن الكفاءة والإجتهاد.
فأصبح اجتهاد المجتهد غير ذي جدوى فالرغبة في التمييز والتقدير من الاخرين
ماديا ومعنويا تقف على النقيض من المساواة بين غير المتساويين.
وعليه فأي عدالة لا بد أن تعني أخذ تفاوت الناس في احتياجاتهم وفي قدراتهم
وإلا أدت إلى الظلم دون أن نقصد.
وحتى توضع المعاني الثلاثة السابقة موضع التنفيذ، لا بد من ضامنين:
أولا أن يترجم القانون كل ما سبق على نحو واضح وصريح في قواعده العامة
والمجردة بحيث تكون مساحة اساءة تفسير مباديء العدالة الثلاثة في أضيق هامش
ممكن.
وثانيا أن يتاح للجميع الحق في التقاضي أي اللجوء للقضاء المستقل والنزيه
والسريع إذا ما اعتقدوا أن أيا مما سبق من مكونات قد أسيء استخدامه على نحو
يقتضي رفع الظلم الناتج. فتطبيق القانون يمكن أن لا يكون على أساس من
النزاهة أو حسن استيعاب القانون بما يجعل القضاء النزيه والمستقل عن أهواء
المتقاضين ضرورة حتمية.
وعلى سبيل التمثيل أتذكر واقعة حدثت أمامي في الولايات المتحدة، حيث قمت
باصطحاب سيناتور أمريكي إلى المطار بعد أن أعطى كلمة في واحدة من فعاليات
الجامعة وحين وصلنا إلى هناك وجدته مع الحرس مضطرين لخلع الحذاء حتى يقوم
الأمن بتفتيشهم رغما عن علم حرس المطار بشخصياتهم. وبعد قليل تبين لهم أن
الطائرة ستتأخر قليلا، فخرج لاستكمال الحوار معي ، وبعد أن انتهى الحوار
كان عليه الدخول مرة أخرى إلى صالة السفر، وكان عليه وعلى مرافقيه أن
يخلعوا الأحذية مرة أخرى للتفتيش. قلت لنفسي، قد لا أعرف بالضرورة أسباب
تراجع الدول، لكنني عرفت من هذه الواقعة وغيرها كيف يمكن أن نعيد بناءها،
وبدون كلام كبير: إنها العدالة. |