4 فبراير 2007

 

التربية على العدالة

د. معتز بالله عبد الفتاح

كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة

www.aladl.net

          على سبيل المقدمة أقول: سألني أحد الأصدقاء عن أسلوبي في كتابة المقالات وتحديدا لماذا أزاوج كثيرا بين أقوال الفلاسفة والعلماء الغربيين من ناحية والأحاديث والآيات القرآنية وأقوال الفلاسفة المسلمين من ناحية أخرى؟ وأنا أعتقد أن أصل التقدم واحد وأن له (كتالوج) يحتوي على مبادئ عامة نعرفها استنباطا من الهدي السماوي أو استقراء بالخبرة والتجربة ولا بد في النهاية أن يلتقيا لأن صحيح المنقول لا بد وأن يتفق مع صحيح المعقول. فلا ينبغي أن تكون هناك فجوة بين قطعي الدين وقطعي العلم. وهو المعنى الذي تجسده المقولات التالية بشأن العدل والعدالة. فلنتأملها لأنها ستنقلنا إلى موضوع هذا المقال.

 

1-       قال الله تعالى: "لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط" وفي آية أخرى: "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى، وبعهد الله أوفوا."

2-                ابن خلدون: "الظلم مؤذن بخراب العمران."

3-                فرانسيس بيكون: "إذا لم تحترم الدولة قواعد العدالة، فإن العدالة لن تحترم قواعد الدولة."

4-                أبو حامد الغزالي: "العدل أساس الملك."

5-                مارتن لوثر كنج: "إن الظلم في أي مكان أو مجال تهديد مباشر للعدل في كل مكان وكل مجال."

6-                ابن تيمية: "إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة."

7-       رينهولد نيبور: "إن نزعة الإنسان نحو العدل هو ما يجعل الديمقراطية ممكنة، ونزعة الإنسان نحو الظلم هو ما يجعل الديمقراطية ضرورية."

8-       ابن القيم: "إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط. وهو الأساس الذي قام عليه ملكوت السماوات والأرض. فأينما كان العدل فثم شرع الله ودينه وإن لم ينزل به وحي أو ينطق به رسول."

9-       برنامج الحكم الرشيد ومكافحة الفساد التابع للبنك الدولي: "إن وجود قواعد شفافة وقوانين محترمة من الجميع تصدر عن جهات منتخبة بكل نزاهة وعدالة ناجزة وسريعة يعد من أهم مؤشرات الحكم الرشيد بما يعنيه ذلك من سرعة إنجاز العمل، وإشاعة ثقافة من الثقة بين جهاز الدولة والمجتمعين المحلي والعالمي وقابلية الاقتصاد لاستقبال الاستثمارات الأجنبية."

10-    وقد رفض سقراط، كما أوضح أفلاطون في جمهوريته، قول القائل بأن العدل هو محاباة الأصدقاء والإيقاع بالأعداء لأنه مفهوم أقرب إلى تعريف السياسة منه إلى تعريف العدل، وانتصر لأن العدل هو إعطاء كل ذي حق حقه.  

          في عقلي المتواضع لا أعرف فجوة ضخمة بين كل المعاني السابقة. لكن هذه الفجوة توجد حينما نقارن ما يحدث في مجتمعاتنا ومجتمعات أخرى سبقتنا. وأبدأ دليلي بحوار مع مهندس اتصالات مصري، تبدو عليه مظاهر التدين، قابلته ضمن المقابلات التي كنت أقوم بها من أجل إعدادي لرسالة الدكتوراه عن توجهات المسلمين حيال قضية الديمقراطية. وكان من ضمن ما سجلته له أنه اعتبر أن أعدل نظام في العالم هو النظام الأمريكي وهو أفضل تجسيد لقيم الإسلام الحقيقية في جوهرها. وقد قارن لي بين الطريقة التي كان يعامل بها، كمهندس مصري في مصر وفي دول الخليج وفي ألمانيا وأخيرا في الولايات المتحدة التي استقر بها. وكانت نتيجة المقارنة أن النظام الأمريكي يحترم قدرات البشر وحقوقهم بغض النظر عن الجنس أو الدين أو العرق على نحو جعله يعين براتب أعلى من نظرائه الأمريكان وهو الأمر الذي كان مستحيلا في مصر (بحكم البيروقراطية الغبية) أو في الدول الخليجية (بحكم العصبية المقيتة). بل إنه ضرب لي مثلا حينما رفع قضية على إحدى الشركات التي منعته من الحصول على حقه الطبيعي في الإجازة فحصل على تعويض محترم أعاد له حقه ويقينه بأن قواعد العدل داخل الولايات المتحدة، حتى وإن لم تكن منعكسة في سلوكها الخارجي، واحدة من أسباب نهضتها والهجرة الكثيفة إليها. هذه قصة أردت الاستطراد فيها لعلمي من تجربة شخصية أنها تمثل الأغلبية، حتى وإن كان هناك العديد من القصص الأخرى التي قد تناقضها في التفاصيل والمغزى، حتى تنقلني إلى قلب الواقع المعاش في مصر حيث تبدو شروط العدل والعدالة مطارحات نظرية لم تزل بعيدة كثيرا عن أخلاقيات بناة الأمم. ولنتأمل الشروط الثلاثة التي يوردها المتخصصون في الحكم الرشيد، وهي:

1-  وجود قواعد قانونية نزيهة تصدر عن جهة تحظى بمصداقية. وهذه القواعد ليست قواعد مثالية عليا فقط (مثل كرامة الإنسان واحترام حق الملكية الخاصة) وإنما لا بد أن يكون فيها من التحديد الذي لا يتناقض مع خاصيتي العمومية والتجريد. ويصاب المجتمع بآفة هائلة إن لم توجد هذه القواعد، أو أن تكون غير مكتملة، أو أن تكون حمالة أوجه، أو أن تكون الجهة المسئولة عن إصدار هذه القواعد لا يعرف عنها النزاهة. وفي مصر يوجد ما يثير التأمل في هذا الصدد، فقد أحال الدستور إلى مجلس الشعب مسئولية إصدار قانون لمحاكمة الوزراء ولكن لم يقدم مجلس الشعب على سن هذا التشريع حتى الآن. وقد كان في ظني أن حكم إحدى المحاكم الإسرائيلية في يناير الماضي ضد وزير العدل الإسرائيلي السابق حاييم رامون بالتحرش جنسيا بمجندة إسرائيلية في واحدة من عدة فضائح ألقت بظلالها على زعماء إسرائيل بما فيهم الرئيس الإسرائيلي نفسه موشى كاتساف وابن رئيس الوزراء شارون أثناء رئاسة شارون للوزراء يعني أن الخلل موجود في كل المجتمعات حتى وإن كان بدرجات متفاوتة. وقد أذهلني رد أحد أساتذة القانون في جامعة حيفا، الإسرائيلية، على التأثير السلبي لمثل هذه المحاكمات فكان رده: "بالعكس، أنا أعتقد أن معاقبة المسئولين الإسرائيليين وأفراد أسرهم، وإن كانت قد تفقد ثقة المواطنين الإسرائيليين في الساسة (كأشخاص) لكنها تزيد من ثقتهم في الدولة وفي حكم القانون... نحن (أي الإسرائيليين) نعتقد أحيانا أن أفراد جهاز الدولة عصابة تتآمر علينا... أحداث من هذا النوع وأحكام قضائية على هذا النحو تجعلنا أكثر ثقة في قدرة نظامنا السياسي على تصحيح الأخطاء الواردة فيه... فنحن لسنا دولة متخلفة يرتكب فيها الساسة الجرائم ويذهبون بلا عقاب."

إنها كلمات جميلة وموجعة، جعلتني أقوم من على جهاز الكمبيوتر لبضع دقائق أتأمل ماذا يحدث. لقد صدق الرجل، إن العدالة الناجزة تعطي للمواطن ثقة أكبر في سلامة بناء الوطن وفي قدرته على تصحيح الاختلالات الواردة فيه. ولكنها كلمات موجعة لأنها تبرز كيف يتبنى عدونا أنبل قيمنا الأصيلة ونتغافل نحن عنها. فهل أقول إنهم استيقظوا في الظلام ونحن نمنا في النور؟ ربما، ولكن ما لاشك فيه أننا أقل من إسرائيل كثيرا، ليس في التكنولوجيا هذه المرة، ولكن في وجود قواعد نزيهة للمحاسبة والمسئولية. 

2-  احترام جميع المؤسسات لجميع القواعد. تقول الكتب المتخصصة في الحكم الرشيد إنه لا ينبغي أن يكون هناك احترام انتقائي لبعض القواعد على حساب البعض الآخر، وهو ما يؤدي عادة إلى أن تكبر كرة الثلج حتى يكون احترام القواعد هو الاستثناء. فلا تكون هذه القواعد نوعا من الشعارات السياسية وإنما أن تكون جزءا من قواعد الجهاز الإداري والتنفيذي ويراقبها الجهاز القضائي. وتكون الدولة ذاتها أول من يحترمها. والمشكلة التي تواجهنا في مصر وجود العديد من أحكام المحاكم التي لم تنفذ والتي تبدو معها السلطة التنفيذية كأول من لا يحترم القانون، كل القانون. ولكن المشكلة تتمثل أيضا في عدم حرص مجلس الشعب على أن يكون فوق مستوى الشبهات أمام الشعب. فالأولى باحترام قواعد العدالة هم القائمون على التشريع باسم العدالة نفسها، وهذا ما يضع مجلس الشعب المصري في مأزق المادة 93 الخاصة بحق مجلس الشعب في الفصل في صحة عضويته بعد الإطلاع على تقارير محكمة النقض وعلى هذا يكون المجلس خصما وحكما في صحة عضوية أعضائه على نحو يتيح للأغلبية الحق في التخلص من القوى النابضة في المعارضة ومن ثم تدجين الكثير من العناصر التي لها حصانة برلمانية بحكم المنصب وفقا للدستور. بل إن الإبقاء على هذه المادة دون تعديل يعطي للأغلبية في المجلس ضمنا الحق في الاحتفاظ بأعضاء نعلم يقينا أن هناك مؤاخذات كثيرة على الطريقة التي انتخبوا بها بحكم صدور تقارير قضائية تدينهم. فيصبح المشرع الحكيم المسئول عن إصدار قوانين نزيهة تحكم المجتمع في موقع مؤاخذة بحكم عدم نزاهته في الوصول إلى مقعد البرلمان. ولست مغاليا إن قلت إن تعديل هذه المادة وحدها بحيث يكون اختصاص محكمة النقض أو غيرها من المحاكم العليا هو الفيصل في استمرار عضوية عضو مجلس الشعب كانت كفيلة بأن تعيد لقيمة العدالة مكانتها في النظام السياسي المصري. فالتزوير وشراء الأصوات ما كان ليضمن لمرشح مقعدا لو أن كل مزيف أو مزور يفقد مقعده بعد افتضاح أمره وثبوت التزوير عليه بحكم قضائي. وأكرر إن إعطاء القضاء وحده الحق في الفصل في صحة عضوية أعضاء المجالس النيابية كان سيحدث نقلة أكبر على طريق بناء دولة العدل لأنه سيقف حائلا ضد فساد الهيئة المسئولة عن رقابة فساد السلطة التنفيذية وجهازها الرقابي. وأنا لست داعيا لبدعة حيث إن هناك اختصاصا أصيلا للقضاء في الفصل في عضوية أعضاء المجالس النيابية في الكثير من دساتير العالم بما في ذلك فرنسا التي طالما اتخذها البعض مرجعا في التعديلات الدستورية الحالية. إن إعطاء القضاء الحق في الفصل في صحة عضوية الهيئة التي تضطلع بمهام الرقابة والتشريع في البلاد ضرورة لتنقية هذه الهيئة ذاتها من الشوائب والسموم.

3-  ثقافة عامة تضمن ثقة المواطنين في القواعد واحترام القائمين عليها. والآفة الكبرى حينما تكون الجهة التي تسن القوانين، مجلس الشعب، ينظر إليها من قبل البعض على أنه "كومبارس" مع اعتذارنا لحدة التعبير الذي استخدمه مثقفون آخرون لكن مجلس الشعب في سلوكه أعطى الدليل، وليس فقط القرينة، على أن إرادته لا تحظى بالاستقلال عن إرادة رئيس الدولة. ويكفي الإشارة إلى الاتصال التليفوني من الرئيس مبارك إلى رئيس مجلس الشعب أبلغه خلاله بأنه مع إلغاء عقوبة الحبس في المادة المتعلقة بالذمة المالية في قانون النشر في يوليو 2006. وفي أعقاب هذا الاتصال تغير موقف الكثير من نواب الحزب الوطني الذين كانوا يستميتون في الدفاع عن المادة قبل التعديل، ثم تحولوا تماما من الهجوم على الصحفيين إلى المؤيدين إلى حقهم في المراقبة والتعبير عن وجهات نظرهم.

وهذا لم يكن بعيدا عن حادثة أسوأ في تقديري وهي حادثة الاتصال التليفوني الرئاسي في 14 يونيو 2005 حينما كان يناقش المجلس قانون تنظيم الانتخابات الرئاسية. وكان مطلب المعارضة والمستقلين أن يكون من ضمن شروط الترشح لمنصب الرئاسة تأدية الخدمة العسكرية وألا يكون مزدوج الجنسية وأن يقدم إقرار الذمة المالية. وقد تبارى أعضاء من حزب الأغلبية في الدفاع عن القانون كما هو وكأنه قرآن نزل من السماء عليهم رغما عن أن التعديلات المقترحة كلها تصب في مصلحة الوطن بأي تعريف ممكن لمصلحة الوطن، لكن مصلحة شخص النائب و/أو مصلحة الحزب كانت لها الأولوية. وقد احتاج المجلس الموقر اتصالا تليفونيا من السيد الرئيس كي يذكرهم، فيما يشبه أمرا رئاسيا، بأن لمصلحة الوطن اعتبارا أيضا. فأنا أسأل لو قرر رئيس الجمهورية، وهو ما لا يتوقعه عاقل في ظل الرئاسة الحالية، أن يبيع الدلتا أو أن يؤجر سيناء، هل سيظل حزب الأغلبية يؤيد من قبيل الطاعة؟ وماذا إن لم يأت تليفون رئاسي يعيد مصلحة الوطن إلى الاعتبار؟ حقيقة أجد نفسي قريبا جدا من موقف الأستاذ فهمي هويدي حينما قال: "أشعر بالإهانة والخوف من القائمين على التعديلات الدستورية."

Hit Counter