الوفد 13 مارس 2007

 

الديمقراطية: أقدم الاختراعات الكبرى وأصعبها

د. معتز بالله عبد الفتاح

كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة

WWW.ALADL.NET 

 

            لو تتبعنا تاريخ الإنجازات والاختراعات الإنسانية سواء بالملاحظة المباشرة أو باستقراء ما تكتبه دوائر المعارف فسنجد أن البشرية عرفت ما لا يقل عن 16 مليون اختراع واكتشاف بشري على مدار خمسة آلاف سنة، بعضها فرع لأصل مثل الريموت كنترول المرتبط بالتليفزيون. لكننا لو ربطنا بين الاختراعات وقيمتها المضافة، أي قدرتها على أن تؤثر في عدد كبير من البشر فإننا يمكن أن نحصرها في سبعة مخترعات كبرى.

ومنهجي في اختيار هذه الاختراعات هو محاولة استقراء ما احتاجه العقل البشري كي ينتج ما نعيشه الآن من حداثة معرفية وتكنولوجية كان من المستحيل أن يكون لها بدائل فضلا عن دورها المحوري في اكتشاف أو اختراع ابتكارات أخرى. وعلى هذا فأنا أستبعد ما حاباه الله للإنسان على غير جهد أصيل منه؛ فصحيح أن الحديد أنزله الله للبشر فيه بأس شديد ومنافع للناس وكان عليهم أن يجتهدوا في استخراجه، لكنهم لم يخترعوه وإنما أحسنوا استغلاله. وأهم هذه الاختراعات، دون ترتيب مقصود، هي:

فهناك أولا دورات المياه بما أضافته للحياة الإنسانية من القدرة على توصيل المياه للبيوت وعلى التخلص منها ومعها فضلات أخرى. فلولا دورات المياه لما كانت المدينة ولظل الإنسان حبيسا للقرى والمساحات الشاسعة من الأراضي الريفية والصحراوية حول الماء وفي الخلاء بما يقتضيه ذلك من استحالة التوسع الرأسي في شكل عمارات شاهقة تضم آلاف الأسر التي شكلت في المجتمعات المختلفة الطبقة الوسطى الصناعية بشرائحها المختلفة. ويكفي أن يتخيل الإنسان نفسه بلا دورة مياه لمدة يومين، ليتعرف على أهمية هذا الاختراع.

 

وثاني أعظم الاختراعات الكبرى هو الكهرباء بما سمحت به من انجازين هامين وهما: المزيد من سيطرة الإنسان على الطبيعة وهو ما يمكن تصوره فقط بالنظر إلى تحويل مواد الطاقة المختلفة إلى آلات يمكن للبشر استخدامها، فنعم التليفون اختراع جبار، وكذا التليفزيون والكمبيوتر ولكن كيف كانت ستعمل كل هذه الآلات لولا الكهرباء؟ وثانيا مضاعفة مساحة الزمن المتاحة للبشر، فلولا الكهرباء لنامت المدن كما القرى بعد حلول الظلام مباشرة. فكم منا يستطيع أن يستيقظ مساء للعمل أو القراءة وكم من شركات وهيئات ومصانع ومؤسسات تعمل ليلا إلا إذا وجدت الكهرباء وما يرتبط بها من أدوات كهربائية؟  فلو كنا ننام، في ظل غياب الكهرباء من الثامنة مساء حتى الرابعة صباحا في المتوسط بما يعنيه ذلك من أننا عمليا نفقد ثماني ساعات يوميا (أي ثلث اليوم) ، فإن الكهرباء جعلت هذا النوم اختياريا. فلو كان ما تبقى للإنسان على الأرض في قابل الأيام مليون سنة، فلولا الكهرباء لضاع على الأغلب الساحقة من البشر ثلث هذه الفسحة الزمنية.

 

وثالث الاختراعات الكبرى في تقديري هي الطباعة والتي نجحت في أن تضاعف سرعة انتقال المعرفة. فلولا الطباعة لما كنا اكتشفنا أو عرفنا الاختراعات الأخرى أو ربما كنا عرفناها في أزمنة لاحقة. فما كان يمكن للكمبيوتر الشخصي والانترنت أن يظهرا لولا الطباعة، وحتى وإن ظهرا في ظل زمن النسخ اليدوي فإنهما كانا سيظهران بعد 1000 سنة مثلا بدلا من ظهورهما في أواخر القرن العشرين.  وللطباعة أهمية مضاعفة إذا ربطناها بالتعليم (أي تعريف الطالب بالمعلومات اللازمة عن الموضوعات المختلفة) والتربية (أي تنشئة الطالب على قيم وأخلاقيات الحياة الكريمة) والتدريب (أي إكساب الطالب المهارات المختلفة التي تجعله قادرا على استخدام ما تعلمه وتربى عليه في إنتاج معارف جديدة)، فلولا الطباعة لما أمكننا أن نتحدث عن تعليم أساسي لكل من هم في سن التعليم. وللطباعة فضل مهول على الصحافة وعلى دورها ثلاثي الأبعاد سواء في تنوير الرأي العام أوتوسيع دائرة البدائل المتاحة لصانع القرار أو خلق جدل بناء بين المثقفين في المجتمع.

 

ورابع الاختراعات الكبرى في تقديري هي الرياضيات بفروعها المختلفة. فالرياضيات هي أساس العلم الحديث بل هي الفارقة في نقل المعارف من سيطرة الفلسفة والجدل النظري والمعياري، أي الذي يؤكد على ما ينبغي أن يكون، والمماحكات اللفظية التي تنطوي على رؤى ذاتية تحترم لاحترام ذوات قائليها وبين العلوم سواء الطبيعية أو الاجتماعية. فلولا الرياضيات، وما تفرع عنها من تفصيلات هندسية وجبرية وإحصائية لما أمكننا تشييد هذه المباني الضخمة والسدود والقنطار والمصانع والآلات ولا عرفنا كيف نحسب كم ينبغي أن تكون سرعة الآلات وأدوات النقل حتى لا تتحول إلى أدوات قتل. وفضل الرياضيات كذلك موصول بعدد من العلوم الاجتماعية، فإن علوم وفروع الاقتصاد ودراسات الرأي العام والدراسات الميدانية في العلوم الاجتماعية بوجه عام استفادت كثيرا من تطبيقات الرياضيات في العلوم الاجتماعية. فلولا التحام الرياضيات بعلم الاقتصاد لظل منحنيات عرض وطلب تعلو وتهبط بناء على افتراضات نظرية وأقوال مرسلة لا نعرف شروط انطباقها على الواقع، ولولا التحام الإحصاء بالعلوم الاجتماعية الأخرى، في الغرب على الأقل، لما أمكنهم اختبار آلاف الادعاءات عن الواقع والتعرف على جوانب الانتظام في الظواهر محل الدراسة. وتخلفنا، نحن العرب والمصريين، في هذه المجالات لا ينفي حقيقة أن أعظم النظريات الفيزيائية والكيميائية والهندسية بل وبعض النظريات الاجتماعية تأتي من باحثين كبار أجادوا الرياضيات واستفادوا منها في علومهم.

 

وخامس هذه الاختراعات الكبرى في تقديري هو النقود التي سهلت التفاعلات الإنسانية على نحو ما نستشعر جميعا. فلولا النقود، كوسيط للتبادل وكمخزن للقيمة، لما أمكننا الحديث عن تجارة وتبادل خدمات ومنافع بين البشر. فأنت عزيزي القاريء تقرأ هذه الجريدة والتي تدفع لها جنيها واحدا وهي ترجمة رقمية لنصيبك في تكلفتها التي هي تتوزع بين الأرض التي عليها المطبعة وأوراق الطباعة، والمبنى الذي يعمل فيه الجهاز الصحفي والفني ولكل هؤلاء مرتباتهم مقابل جهدهم الذهني والبدني، والسيارات التي عليها أن تنقل المواد اللازمة للطباعة من ورق وخدمات، ثم عليها أن تنقل الصحيفة إلى المكان الذي يمكن أن تشتريها فيه.  كل هذا ما كان ليتم لولا وجود وسيط مقبول للتبادل يمكن على أساسه أن نتبادل المنافع والخدمات ليس فقط بين الأفراد ولكن كذلك بين المجتمعات.

وسادس الاختراعات الكبرى في تقديري هي الجامعات وما يرتبط بها من مراكز البحث العلمي وهو ما يعود في صورته الأولى إلى أماكن تجمع المتخصصين في مجال ما على نحو ما كانت أكاديمية أفلاطون ودار الحكمة في بغداد والأزهر الشريف في مصر وما ارتبط بهذين الأخيرين من أوقاف إسلامية كانت تمول طلاب العلم والباحثين. فلولا الجامعات ومراكز البحث العلمي لما أمكن أن تتضاعف المعرفة الإنسانية مرة كل ثلاثين سنة، على نحو ما نعيشه الآن. وهو ما يبدو منطقيا مع حقيقة أن 90 بالمائة من العلماء الذين عرفتهم الإنسانية لا يزالون أحياء. والمعنى هنا ينصرف إلى أن كل العلماء الذين نقرأ عن إنجازاتهم منذ أيام الفراعنة واليونان القدماء، بمن فيهم سقراط وأفلاطون وآرسطو وفيثاغورث ونيوتن وآينشتن وجرهام بل وواطسون وغيرهم، لا يشكلون سوى 10 بالمائة من منتجي المعرفة الذين عرفتهم البشرية. وذلك يرجع إلى مأسسة العلم، أي إنشاء مؤسسات متخصصة فيه ومع إنفاق سخي عليه، وإلى اعتراف الجميع بقيمته وقيمة منتجيه. فضلا عن الدور الهام الذي تقوم به الجامعات في إنتاج قادة المجتمع، فضعف مؤسسات الدولة غير التعليمية في عام 2007 يعني قصورا في حق المواطن الذي لم يزل حيا في عام 2007 أم ضعف الجامعة، وغيرها من المؤسسات التعليمية، يعني بالضرورة ضعفا في حق المواطن الذي سيعيش معظم حياته في المستقبل؛ فخلل التعليم اليوم ينتج آثارا كارثية على مستقبل أي مجتمع.

 

وسابع هذه الاختراعات الكبرى وأقدمها وأصعبها في تقديري المتواضع هي الديمقراطية. فلولاها لما استفدنا من كل ما سبق وغيرها من مخترعات وإنما ظلت جميعها في يد هتلر أو من هم على شاكلته. نعم كان من الوارد جدا أن تتواجد عشرات الصحف دون ديمقراطية، ولكن كلها تسبح بحمد الحاكم وتشكر جميله على ما أتاحه للبشر من نعمة الحياة. نعم كانت ستوجد جامعات ونقود ومخترعات كهربائية، بدون الديمقراطية، لكن كان سيغيب أمن الناس على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم وحقهم في الاختيار. فالديمقراطية بحق اختراع عبقري يقوم على قهر القهر، أي وضع قيود قهرية على الحاكم المستبد. إنها في أبسط تعريفاتها: ضمان تعدد مراكز صنع القرار في المجتمع، فلا يوجد من يأمر وعلى الباقي السمع والطاعة.

 

ما علاقة كل ما سبق بمصر؟

            ضع كل الاختراعات والابتكارات السابقة في خلاط الحضارة، إن جاز التعبير، لتكتشف لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا. لقد شهدت مجتمعاتنا ملامح التقدم المظهري والتخلف الهيكلي كما يقول سمير أمين. فلدينا إنفاق شديد على الدروس الخصوصية وهذا ليس انفاقا على العلم ومن أجل العلم وإنما هي على الشهادات ومن أجل الشهادات كما يقول أحمد زويل، ولدينا اهتمام بتسجيل المواقف أكثر من اهتمامنا بإيجاد حلول عملية للمشكلات كما يقول فؤاد زكريا، ولدينا تحديث مادي دون ديمقراطية، وعلمنة للمجتمع بلا احترام أصيل لقيمة العلم، وتعليم بلا تفكير نقدي أو بناء مهارات، وانتقال إلى المدينة بلا تمدن حقيقي، وتحول للرأسمالية بلا  احترام لأخلاقياتها كما يقول علي مزروعي.

إن المجتمع الحديث هو مجتمع يعرف قيمة هذه الاختراعات الكبرى جميعها مجتمعة متفاعلة ويكون طلبه عليها غير مرن، كما يقول الاقتصاديون، مثل طلب مدمن السجائر على السجائر، فمهما ارتفعت تكلفة الحصول على التعليم أو على الحقوق السياسية فإن العارف بقيمتها مستعد للإنفاق ببذخ من وقته لو دخل السجن ومن عمره لو مات مناضلا؛ فهي بالنسبة له أقرب إلى الماء والهواء من حيث الأهمية. ألم يفعلها نيلسون منديلا؟

أما مجتمعات ما قبل الحداثة، أي المجتمعات المتخلفة بقول أدق، فإنها قد تمتلك أفضل المطابع ولكنها لا تمتلك حرية الفكر، وقد يطرح عليها حزبها الحاكم أفكارا تحت شعار الإصلاح السياسي ولكنها في النهاية أقرب إلى التغير التكيفي (مثل تهدئة السيارة عند النزول في مطب) منها إلى التطوير البنيوي (أي تغيير بنية العلاقة بين المجتمع والدولة وبين مؤسسات الدولة بعضها وبعض)، وقد يكون فيها حرية رأي متاحة، وهي فضيلة كبرى تحسب للعصر الذي نعيشه، لكنها تبقى بلا فعالية، ويبقى المواطن مفعولا به ومفعولا لأجله لم تصبه من الحداثة ومخترعاتها إلا المظاهر الخادعة سواء في شكل تليفون محمول أو دش على أسطح المنازل. لكنني أراهن أن مظاهر الحداثة هذه يمكن أن تنتج على المدى الطويل إدراكا لأهمية ومحورية "خلطة" الاختراعات التي أنتجتها وحاجتنا لأن نمتلك مثلها. لن يتقدم المصريون إلا إذا أدركوا أن أهمية الديمقراطية الحقيقية والجامعة المتميزة والبحث العلمي الجاد لا تقل عن أهمية الكهرباء والمياه والمجاري وكرة القدم. أيها المصري، لا بد أن تتخلص من عقلية "مستبد... لكن..." فليس مع الاستبداد عذر. فليذهب الاستبداد إلى الجحيم حتى لو بدا على المستبد أمارات الفضيلة.  

Hit Counter