|
الأهرام 6 يناير 2009
حماس وبدائلها المصيرية د. معتز بالله عبد الفتاح www.aladl.net
إن بعض تصريحات القيادات الفلسطينية تكشف عن درجة عالية من
الالتباس في رؤيتها الاستراتيجية لمورادها السياسية وبدائلها المتاحة.
فمثلا صرح السيد إسماعيل هنية "بأن العدوان الإسرائيلي لن يحقق أغراضه، حتى
لو دمر غزة بالكامل ولم يبق فيها أي فلسطيني، فلن تتراجع حماس."
فحينما يختار فاعل سياسي استراتيجيته العسكرية في مواجهة الخصوم، فهو مطالب
بأن يحدد صراحة أو ضمنا أهدافه ومدى قدرته على حشد الموارد اللازمة لتحقيق
الأهداف بتكلفة معقولة. لكن التعليق السابق يكشف عن أن حماس مستعدة للتضحية
بأي وكل شيء ما دامت حماس لن تتراجع. وهذا الموقف يبدو لي فيه الكثير من
الأيديولوجية، والقليل من التخطيط. وحتى لا أتهم بأنني لا أحترم "إسلامية"
حماس، فسأعود إلى التاريخ الإسلامي وأقول لو كان خالد بن الوليد تبنى رؤية
السيد هنية، لفني الجيش في مؤتة ولما وقع رسول أو صحابي صلحا قط مع عدو،
ولشن صلاح الدين حربه على الفرنجة المحتلين لبيت المقدس فور حكمه لمصر،
ولكنه ظل يعد لحطين لمدة 17 عاما كان فيها حاكما لمصر يتجنب الدخول في
المعركة مباشرة حتى لا يدمر الوطن ولا يتحقق النصر. إن حماس كانت ولم تزل
مطالبة بتحديد اختياراتها الاستراتيجية وفقا لمواردها السياسية، وهذا في
تقديري الموقف الصحيح إسلاميا واستراتيجيا، ولا تناقض بينهما، حتى لا تكون
قرارتها من العشوائية بحيث لا يمكن لأي طرف مباشر أو متابع أن يحدد مدى
تأييده لها أو انصرافه عنها. وعلى قيادة حماس أن تختار استراتيجية
"الانتصار" من البدائل الأربعة التالية:
أولا هناك الانتصار بمعنى إفناء الخصم والقضاء عليه قضاء تاما...
وكان هذا التعريف التقليدي الذي سيطر على الاستراتيجية العسكرية منذ قديم
الزمن وفقد جاذبيته لحد بعيد بسبب حربي فيتنام في السبعينيات وأفغانستان في
الثمانينيات ويعني أن تسيطر الدولة المنتصرة على عاصمة الدولة المهزومة بعد
استسلام قياداتها وتوقيع معاهدة استسلام مع حكومة يختارها المنتصر، وفقا
للتقاليد الرومانية القديمة "ويل للمهزوم." وأنا استبعد تماما أن تكون حماس
معتقدة أنها تستطيع أن تحقق مثل هذا الانتصار عبر الصواريخ والعمليات
الاستشهادية، فإفناء إسرائيل يقتضي توحيد العرب وتحييد الولايات المتحدة،
وهما أمران مستحيلان في المستقبل المنظور.
وهناك ثانيا الانتصار بمعنى استنزاف الخصم وتكبيده خسائر تفضي إلى
نهايته أو انسحابه من مواقعه العسكرية وهو بديل آخر تتبناه الدول وحركات
المقاومة بشن هجمات خاطفة أو حروب عصابات على الخصم وفي المقابل تتقبل هي
رد الفعل إن كان عنيفا طالما أن حجم خسائر الطرف الآخر أكبر بما يبرر
التكلفة. وقد نجح حزب الله وحماس في إجبار إسرائيل على الخروج من جنوب
لبنان وغزة عبر هذه الاستراتيجية، لكن شروط نجاح نفس الاستراتيجية في تحرير
فلسطين من النهر إلى البحر غير متوفرة قطعا.
وهناك ثالثا الانتصار بمعنى إجبار الخصم على تبني أجندة الطرف الذي
شن الحرب. لكن لا بد أن يكون هناك نقاط مشتركة في هذه الأجندة تجعل الطرف
"المهزوم" مستعدا لقبول بعض مطالب الطرف الأول. وكان هذا هو منطق الرئيس
السادات في حرب 1973 بشن حرب تجبر إسرائيل على الجلوس إلى مائدة التفاوض.
وكان هذا هو منطق الانتفاضة الأولى في عام 1987 والتي كانت أكثر سلمية من
قبل الفلسطينيين والأكثر فعالية في مخاطبة الضمير الدولي وحشد هذا الدعم ضد
الاحتلال. فقد كانت استراتيجية وسيطة بين حرب العصابات الاستنزافية
والتهدئة التامة، حيث يقف الطفل ذو الحجر في يده في مواجهة الدبابة
الإسرائيلية في مشهد يشبه حركة العصيان المدني في الهند وحركة الحقوق
المدنية في الولايات المتحدة ومقاومة التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا.
وهناك أخيرا الانتصار بمعنى منع الخصم من تحقيق أهدافه، وهو
ما فوق الهزيمة مباشرة على نحو ما يصرح السيد
هنية. وهي استراتيجية الطرف غير القادر على تحقيق الانتصار بأي من المعاني
والمعايير السابقة، فيحقق أقل ما يمكن وهو أن يمنع خصمه من تحقيق أهدافه
لاسيما هدفي الأمن والرفاهية. والمشكلة الأكبر هنا أن منع الخصم من تحقيق
أهدافه يعني أن الخصم من القوة والمناعة بحيث لا يمكن إفناؤه أو استنزافه
أو إجباره على تبني أجندة الطرف الآخر، وعليه فإن منعه من تحقيق أهدافه
يمكن أن تأتي بتكلفة عالية؛ والذي يعني ضمنا خسائر مهولة لغزة مقابل مجرد
أن ترفض حماس وقف دائم لإطلاق النار.
إن حماس في مأزق لأنها لم تختر البديل الثالث المشار إليه، وتراهن
على مكسب أقصى يفضي إلى الانتصار بالمعنيين الأول والثاني أو انتصار بمعنى
الهزيمة على النمط الرابع. إن هدف حماس المعلن هو إفناء الخصم و/أو
استنزافه وفقا للمقولة الشهيرة للسيد أحمد ياسين بأن من لا يستطيع الزواج
لا يحل له الزنا، بمعنى أن من لا يستطيع أن يحرر كامل أرضه لا يحل له أن
يضحي بمعظمها. لكن وفقا لموارد حماس فإنها انشغلت بالهدف الأمثل المستحيل
على حساب المعقول الممكن. إن الوضع ملتبس، ولا أعتقد أن حماس تستطيع أن
تستمر طويلا في تكبد تكلفة بشرية ومادية متزايدة من أجل تحقيق مكاسب محدودة
بمقتل مستوطن إسرائيلي هنا أو هناك. إن البديل الثالث هو الأكثر ملائمة
لموارد حماس السياسية الآن من خلال حركة عصيان مدني سلمي واسعة تحشد من
خلالها الدعم العربي والدولي لتحقيق أهداف معقولة وممكنة بتكلفة أقل،
والحقيقة أن القضية الفلسطينية دخلت منعطفا خطيرا بحيث لا يمكن أن تترك
المسألة وحدها لحماس أو لفتح لتقريرها، لكن هل ستسمحان، وحماس تحديدا، لأن
يتشارك الجميع في التخطيط طالما أننا جميعا مدعون لحمل الهم وتحمل التكلفة؟
|