الوفد، 22 يناير 2008

نخبة المستقبل التي نتطلع إليها

د. معتز بالله عبد الفتاح

كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة

WWW.ALADL.NET

مصر مريضة، مهما حاولنا أن نبحث عن الجزء الممتليء من الكوب. إنها بحاجة لنخبة جديدة تتعلم من أخطاء مرحلة ما بعد الثورة. ولو كان لي أن أحدد في عجالة أهم الخصائص الفكرية والأيديولوجية لهذه النخبة، فأنا أجملها فيما يلي على أن يكون في الأمر تفصيل لاحقا.

 

1-      إن أول شروط نخبة المستقبل القادرة على قيادة هذا البلد أن تتحرر من خداع الذات، أي التحرر من النظر المصطنع إلى الإنجازات وتجاهل كم التحديات والإخفاقات. إن نخبة النهضة تصارح المجتمع بحقائق ضعفه أياً كانت. ولنا في كتاب وخطب رئيس الوزراء الماليزي قبل وصوله للحكم في عام 1981 خير دليل على ذلك.

2-   على المستوى الاقتصادي، فإن اقتصاد السوق – على كل ما فيه من عيوب– هو الأكثر نجاحاً في استغلال موارد المجتمع المادية، لكنها لن تستقر إلا إذا التزمت بالعدالة الاجتماعية واستندت إلى قواعد قانونية تضع في اعتبارها مصالح طبقات المجتمع الأخرى، أي بإضافة البعد الليبرالي إليها. وعليه فإن المبالغة في التخلص من الشركات والمؤسسات والبنوك المملوكة في الدولة دون وجود أطر قانونية وفعلية محكمة لضمان مكافحة الاحتكار وحماية المستهلك وحماية حقوق العمال وتقوية نقاباتهم يتناقض حتى مع الرأسمالية الليبرالية التي تعرفها معظم دول العالم الرأسمالي المتقدم. إذن إنشاء نظام رأسمالي ناجح يحتاج إلى دولة قوية وحاضرة وكفئة في مراقبة قواعد اللعبة الرأسمالية.  

3-   وعلى المستوى الاقتصادي أيضا، فإن نخبة المستقبل عليها عبء أن تحقق السداسية الاقتصادية المعقدة بأن تضع برنامجا محكما لزيادة ثلاثية النمو والاستثمار والتصدير وأن تتحكم في نفس الوقت في ثلاثية التضخم والبطالة والديون. وهنا لا بد من خطة محكمة للتركيز على ما له عائد اقتصادي طويل المدى وتجنب الانفاق البزخي والمشروعات غير المدروسة بعناية على نحو ما وصف رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات مشروعات الحكومة. إن نخبة المستقبل عليها أن تتذكر أن بريطانيا استخدمت الفحم (الإنتاجية) لتهزم الإسبان الذين جعلوا من الذهب الذي اكتشفوه حدوات لأحصنتهم (الاستهلاك)، كما يقول الدكتور جابر الأنصاري. نحن مجتمعات ننفق الكثير على ما هو استهلاكي مظهري والقليل على ما هو استثماري جوهري سواء على مستوى الفرد أو المجتمع. ويبدو أن ما ينطبق على الأشخاص القلقين الذين يأكلون بشراهة ينطبق على المجتمعات فاقدة الهدف والبوصلة والتي تنفق بلا تبصر بعواقب الأمور. وهو ما يتطلب من نخبة المستقبل أن تكون هي بذاتها قدوة في إعادة توجيه أولويات المجتمع الاقتصادية نحو ما هو أنفع وأجدى اقتصاديا واجتماعيا.

4-   ستواجه نخبة المستقبل تحدي الزيادة السكانية مع تركزها في شريط ضيق على نحو ما وصف جمال حمدان مصر بأنها رأس كاسح (يقصد الدلتا) وجسد كسيح (يقصد الوادي). إن عدد سكان مصر يتضاعف مرة كل 35 سنة بما يعني أن بعد 35 سنة من الآن، فإننا سنكون بحاجة لنفس عدد المدارس والمستشفيات والمزارع والمصانع ليس كي نتقدم، ولكن حتى نحافظ على نفس مستوى المعيشة. إن هذه القضية تحتاج أن نخرج من إطار "مناشدة" المسؤوليين للمواطنين إلى حملات توعية دينية وحوافز حقيقية لوضع قيود على إقدام الأفقر والأقل تعليما لإنجاب عدد من الأطفال لن يستطيع قطعا أن يحسن تربيتهم وتعليمهم.

5-   وبصدد الإطار الفكري الحاكم لهذه النخبة، فلاشك عندي من حتمية أن يرتبط بالليبرالية غير المتصادمة مع الدين. وهو ما يضع مسؤولية ضخمة على التيار الليبرالي لأن يعمد إلى تجذير أفكاره في تربته الإنسانية العربية المسلمة بالتوافق مع ما في تراثها الإسلامي من طاقات تجديدية وتحديثية لا تتناقض مع الليبرالية بل تدفع إليها. إنني أخشى أن يفقد الليبراليون المصريون والعرب، إجمالا، قدرتهم على التأثير في واقعهم بتجاهل أواستفزاز القطاع الأوسع من الناس في إيمانهم الذي يحتاجون إليه بما يؤدي إلى الإخفاق بما يجعل الليبراليون يحفرون قبرهم بأيديهم، بأن يدعوا للديمقراطية ويكونوا الأقل قدرة على اقناع الناس بمبادئهم، فتؤدي الديمقراطية إلى وصول تيارات غير ليبرالية للحكم.

6-      قضية الشرعية السياسية تتطلب أن تنطلق نخبة المستقبل من مشروع إصلاحي شامل في مصر يتخطى منطق طاعة الحكومة لمجرد كونها حكومة، بل لا بد أن تعي نخبة المستقبل أنها صاحبة مشروع للمستقبل الذي يمكن أن تحاسب وتقيّم عليه، وجزء من نجاح أرودوغان ورفاقه في تركيا يرجع لأنهم التزموا بمشروع إصلاحي محدد ونجحوا في إنجازه بما يجعل أحدث استطلاعات الرأي هناك تعبر عن رضا تخطى حاجز الـ 60 بالمائة عن أداء الحكومة.

7-   قضية العلم والتعليم هي عمليا قضية التخلف والتقدم في المجتمع. إن نخبة المستقبل لا بد من أن تتجاوز الحديث الخادع عن مجانية تعليم شكلية، على الأقل، على مستوى التعليم الجامعي للدخول إلى ساحة التعليم العالمي أولا بإعداد البنية القانونية والمؤسسية لاستعادة القوى العلمية الضاربة لآلاف الباحثين والعلماء المصريين الموجودين في الخارج. ألم يحكي لنا الدكتور أحمد زويل عن طلابه الذين بدأوا في العودة إلى كوريا الجنوبية بدلا من البقاء في الولايات المتحدة بعد أن وجدوا لأنفسهم دورا في بلدهم. إن أموال المصريين في الخارج وكذلك عقولهم هما رأس مال مصري تائه ضائع بحاجة لنخبة جديدة قادرة على استعادته للاستفادة منه.

8-   إن نخبة المستقبل ستواجه تحدي المصداقية، حيث تسود لدى الإنسان المصري نظرة سلبية لمن يتولون أمور الحكم إلا إذا نجحوا في بناء مصداقيتهم بإجراءات مباشرة على رأسها الشفافية ومقاومة الفساد وإعطاء المثل والقدوة في خدمة الوطن وهو ما يتطلب أن تأخذ هذه النخبة الرأي العام في الاعتبار ولا تنظر لأصحاب الرأي والفكر بمنطق "دعه يتكلم، دعه يمر" أو على أنهم "ناس غاوية كلام بلا منطق." بل على العكس، ما دام هناك كلام، إذن فهناك منطق ولا بد أن يأخذ في الاعتبار، ولا بد من كشف الحقائق بكل شفافية ومصارحة وهو ما يخلق المصداقية. وتزيد المصداقية مع احترام استقلال القضاء وتنفيذ أحكامه لأنه الضامن لحق الفرد في مواجهة الدولة متى أخطأت في حقه.

9-   نخبة المستقبل ستواجه بلا شك معضلة الفساد الإداري والاقتصادي والذي لا يمكن أن يعالج إلا بعلاج الفساد السياسي المرتبط بشراء ذمم الناخبين والبلطجة وتزوير الانتخابات والتي تجعل ذمم من هم في موقع التشريع والمحاسبة موضع شبهة يتضاعف أثرها سلبا عندما يجد المواطن نفسه ضحية للقدرة الإفسادية للدولة والتي تحدثت عنها في مقال سابق.

10- أما فيما يتعلق بقيود العالم الخارجي وضغوطه علينا، فهذا أمر متوقع ومن طبيعة الأشياء. إن دول العالم ليست جمعيات خيرية لمساعدة الضعفاء. والحديث عن التآمر علينا، ليس أكثر من مؤامرات متبادلة بيننا وبينهم، لكنهم كانوا أزكى منا وأكثر استعداد للاستفادة من فرص اللحظة المتاحة. وعليه فنخبة المستقبل تعي كذلك أن الرهان على الضغوط الخارجية من أجل ديمقراطية مصرية أو عربية يراهنون على سراب. فالولايات المتحدة والغرب يتحدثون عن ضغوط ديمقراطية منذ أن كان الرئيس ودرو ويلسون في الحكم لكن الديمقراطية بقيت حيث لها جذور، وتلاشت حيث هي غريبة عن التربة التي هاجرت إليها! ولن تقوم أية ديمقراطية إلا باستعداد التربة المحلية لها. وهو ما يتطلب من النخبة الليبرالية أن لا تكون فوق المجتمع وإنما أن تكون جزءا منه تحمل قضايها بلغته وتعود إلى جذوره للانطلاق منها.

 

قصار القوى إن نخبة المستقبل ليست بدعا من البشر؛ فالنهضة لها تجاربها التي حدثت وتحدث أمامنا وعلينا دراستها بعناية والاستفادة منها، وعسى أن يكون الكلام مقدمة للفعل.