الانتخابات العربية... ضرورات وهمية

 

د. معتز بالله عبد الفتاح

كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة

WWW.ALADL.NET

 

بمناسبة الانتخابات الأمريكة أتحدث عن ظاهرة جديرة بالتأمل حيث لا توجد دولة ديمقراطية غربية نجح فيها حزب أو رئيس حكومة بأغلبية أكثر من 60% من الأصوات مرتين متتاليتين منذ الحرب العالمية الثانية. وفي المقابل فالوطن العربي نادرا ما عرف نتائج انتخابات بنتيجة أقل من 80% ولمرات متعددة؟ والحقيقة أن الرئيس أو الحزب الذي يفوز بهذه النسبة لا يعلن نفسه فائزا في الانتخابات الحالية ولكنه يعلن أنه سيفوز في كل الانتخابات القادمة بالحيلة والتزوير الممزوج بالإقصاء والتخلص من المنافسين.

ومن أسف، يبدو أن أمر الانتخابات العربية لم يراوح حتى الآن فكرة تجديد الإذعان والبيعة درءا للفتنة وليس المفاضلة بين البرامج والرؤى كما يرى المتابع للانتخابات الغربية. فالقضية في الغرب تبدو كما لو أن الحاكم يأتي لأنه ناتجت عن اختيار الأغلبية له، أما في مجتمعاتنا فيبدو أن الحاكم مطالب باصطناع أغلبية (مزيفة) حول شخصه وفكره. فأي انتخابات قادمة في أي دولة عربية ستنتهي يقينا بفوز الحاكم، شخصا وحزبا، بل وبأغلبية كاسحة بغض النظر عن قرارأحزاب  المعارضة سواء بالمشاركة أو المقاطعة وبغض النظر عن نسبة المشاركين في الانتخابات.

الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة العربية هو الانتخابات العراقية والفلسطينية التي يبدو أن عدم الاستقرار في الدولتين جعلا من المستحيل تحديد ماهية الحكومة وبالتالي قدرتها تحديد قدرتها على التحكم في نتائج الانتخابات.

 

أي أن هناك ارتباطا شرطيا بين "الاستقرار" السياسي والانتخابات الوهمية في البلدان العربية. وهذا عكس كل نظريات الديمقراطية المعاصرة التي تؤكد أن التحدي الأكبر الذي يواجه أي حكومة جيدة، كما قال جيمس ماديسون أحد أهم من صاغوا الدستور الأمريكي سنة 1787، هو كيف " تستطيع الحكومة أن تحكم الشعب وفي ذات الوقت تضع نفسها تحت تصرفه وإرادته كما يعبر عنها الناخبون. ففي يوم الانتخابات يتحول الحاكم إلى محكوم ينتظر قرار الهيئة الناخبة التي تتحول إلى حاكمة بعد أن ظلت محكومة منذ آخر انتخابات." وعلى هذا تتجدد الدماء في العمل السياسي في المجتمعات الديمقراطية إما بتغيير النخبة الحاكمة أو بتجديد الدعم لمن هم موجودون في السلطة.

وعادة تستفيد المجتمعات من الانتخابات في تجديد الدماء والتداول السلمي للسلطة على أكثر من مستوى. فمن المنظور الطبقي فإن كل حزب سياسي يكون متوجها إلى مطالب ومصالح طبقة أو شرائح اجتماعية دون أخرى. وعلى هذا فإن كل طبقة تجد لنفسها فرصة في الاستفادة من حزب خلال فترة محددة حتى يخلفه غيره. فنظريا يميل الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة إلى رفع يد الدولة عن النشاط الاقتصادي وخفض الضرائب من أجل اقتصاد اقوى حتى لو أدى ذلك إلى تفاوت في الدخول والثراوت فإن عددا من السنوات تحت حكمه سيكون مفيدا لزيادة رأس المال الوطني. وعلى هذا فاختيار الحزب الديمقراطي الأكثر التزاما بحماية مصالح الأقليات ومحدودي الدخل سيعني بضعة سنوات من إعادة توزيع رأس المال المكتسب في الفترة الجمهورية.  

ثانيا من منظور مقاومة الفساد في الأجهزة البيروقراطية في الدولة فإن كل حزب سياسي يأتي عبر انتخابات جديدة يسعى جاهدا ألا يبوأ بفساد من سبقه وبالتالي يفتح الملفات المغلقة ويكشف عن التربح غير المشروع. وهذا هو ما يفسر لماذا سمعنا في مطلع التسيعينيات عن محاكمة وانتحار العديد من الوزراء ورؤساء الوزراء في دولة كانت ديمقراطية منذ عام 1951 مثل اليابان. ذلك أن الحزب الليبرالي ظل حاكما على نحو متصل لمدة 40 سنة نتيجة انتخابات حرة نزيهة بما دفع كثيرين من كوادره لتكوين علاقات غير قانونية مع بعض رجال الأعمال. وعلى هذا فالديمقراطية ليست شرطا كافيا لمحاربة الفساد السياسي ولكنها شرط ضروري لأن عن طريقها يتم تداول السلطة الذي هو يقينا شرط جوهري للكشف عن الفساد وآلياته السابقة كمقدمة لمقاومتها لاحقا.

وثالثا من منظور الالتزام السياسي، فإن الانتخابات تعني أن الحكومة في امتحان يومي حتي يأتي يوم الامتحان الأكبر وهو يوم الانتخابات الحرة النزيهة. فلا يمكن للحكومة أن تقصر حتى في مواجهة الكوارث الطبيعية لأنها ستقف يوما أمام الهيئة الناخبة مطالبة تجديد البيعة لها. ومن هنا أشار آمارتيا سن الاقتصادي الحاصل على جائزة نوبل عام 1998 عن مفارقة جديرة بالتأمل وهي أن المجاعات لا تحدث في الدول الديمقراطية رغم أن المجاعة قد تنتج عن فيضانات أو زلازل أو أوبئة. لكن قد تحدث المجاعة في السودان وليس في زامبيا، في كولومبيا وليس في بوليفيا الأفقر، في باكستان وليس في الهند. والسر ليس لأن بعض الدول محظوظة وأخرى تعسة ولكن لأن أي حكومة ديمقراطية تعلم يقينيا أن حسن التعامل مع الأزمات والكوارث هو من الامتحانات العثيرة التي لا بد أن تجتازها بنجاح. أما دول الانتخابات الوهمية فهي إن استجابت للكوارث الطبيعية فهي استجابة غير المراقب إن شاءت تلكأت وإن شاءت تعطفت.

أخيرا من منظور أخلاقي وديني، فقد ذهب بعض علماء الدين أن الانتخابات هي مناسبة مهمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومناسبة للشهادة التي أمرنا ألا نكتمها لأن "من يكتمها آثم قلبه".  فلا تشهد زورا. "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربي." والتشابه مذهل بين قول الرسول الكريم (ص): "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم،" وقول جان جاك روسو صاحب "العقد الاجتماعي" : "إذا قال مواطنو الدولة إنهم غير معنيين بشئونها، فيمكن أن تعتبر أنها قد انتهت."

وعليه فمسؤولية أجهزة الإعلام وقادة الرأي أن يشاركوا في الانتخابات وإن يدعوا غيرهم لها فإن لم تصنع خيرا باختيار الأفضل على الأقل امنع شرا بأن تفوت على غيرك فرصة أن  يصوت نيابة عنك. اجعلها انتخابات حقيقية ولا تشارك بسكوتك في انتخابات وهمية.