الوفد، 1 يناير 2008

مصر في عام 2008: عدم الاستقرار من الاجتماعي إلى السياسي

د. معتز بالله عبد الفتاح

كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة

WWW.ALADL.NET

 

إذا لم تكن قد شربت قهوتك بعد، فأنصحك بشربها قبل أن تشرع في قراءة هذا المقال. هذا المقال سيتعامل مع ثلاثة مفاهيم تأتي من الكيمياء، والفلسفة، والسياسة. وثلاثتهم يرتبطون بمستقبل العلاقة بين الإنسان المصري وحكومته في عام 2008.  

 

المفهوم الأول هو مفهوم الكتلة الحرجة ورغما عن أصله المرتبط بالكيمياء والفيزياء لكنه مفهوم يستخدم بتطبيقات متشابهة في علوم النفس والاجتماع والتاريخ والسياسة. فالماء إذا وصل إلى درجة الغليان انقلبت نوعيته من سائل إلى بخار. والقنبلة النووية لا تنفجر ما لم تحقق الكتلة الحرجة. والمجتمع ينفجر بالثورة حينما تتخمر الأوضاع إلى الحد الحرج الذي لا يمكن معه أن تستمر الأوضاع على ما كانت عليه، كما يقول خالص جلبي.

المفهوم الثاني فلسفي ابتكره المفكر الماركسي هربرت ماركيوز عام 1964 ليكون أداته في فهم الشخصية الغربية في النصف الثاني من القرن الماضي. وهذا المفهوم هو "الإنسان ذو البعد الواحد" والذي يشير إلى الأفراد مجتمعات الغرب باعتبارهم "حيوانات استهلاكية شغلتهم حشو المصارين" كما قال فؤاد نجم ذات مرة، فمن يهتم فقط بالاستهلاك يفتقد القدرة على التفكير النقدي الحر ويفقد القدرة على تفهم دوره في تحديد مستقبله. والأمر ليس بغريب عن مجتمعنا المصري، فقد كان تحليل ماركيوز يشير إلى حاجة أفراد المجتمعات الغربية لساعات أطول من التفكير النقدي الحر بعيدا عن تأثير الآلة الضخمة للدعاية والاستهلاك التي أفقدتهم أهم خصائصهم كمواطنين شركاء في وطن واحد. وعليه يتحول هؤلاء إلى بشر متشابهين في قوالب جامدة خاضعة وغير واعية بأكثر من التقليد للآخرين والتسابق معهم في مزيد من الاستهلاك. ولم أستغرب ذلك حين علمت أن عدد المشتركين في شركات المحمول الثلاث في مصر وصل إلى 28 مليون مشترك، في حين وصل عدد المشتركين في خدمات الانترنت فائق السرعة "دى إس إل" إلى 350 ألف مشترك، وعدد مشتركي التليفون الثابت إلى 11 مليونا. ولو سألت هؤلاء عن دورهم في خدمة مجتمعهم أو تحديد مصيره من خلال مشاركتهم السياسية، فستجدها ضعيفة لأقصى حد بما يذكرنا بكلام الدكتور سمير أمين عن "التقدم المظهري والتخلف الهيكلي" في مجتمع يستهلك بالملايين تكنولوجيا لا ينتج منها شيئا ولا تساعده في أن يرتقي بقدرته على الإنتاج.

المفهوم الثالث هو معادلة هنتنجتون لعدم الاستقرار السياسي.

حيث ينسب إلى صامويل هانتنجتون، عالم السياسية الأمريكي الشهير، معادلة تقول بأن عدم الاستقرار السياسي يساوي المطالب السياسية مقسومة على المؤسسات السياسية. وبعيدا عن التعقيدات الأكاديمية، فإن الفكرة ببساطة هي أن عدم الاستقرار السياسي يزيد كلما زادت المطالب السياسية وضعفت قدرة المؤسسات السياسية على الاستجابة الفاعلة لها. وهذه المؤسسات على ثلاثة أنواع: فهناك المؤسسات الخدمية مثل المدارس والمستشفيات والجمعيات الاستهلاكية (وهي تزداد ترهلا في مصر)، وهناك المؤسسات السياسية التي تقوم بمهام التعبير عن مطالب المواطنين والرقابة على أعمال الحكومة وتداول السلطة على نحو يفضي إلى التغير في القواعد الحاكمة لـ "من يحصل على ماذا متى وأين وكيف" (وللأسف فالأحزاب ومجلس الشعب غير قادرين على أن يقنعوا المواطن المصري بالمشاركة الفاعلة في الحياة السياسية سلميا بما يعني خللا واضحا في مؤسساتنا السياسية) وهناك ثالثا المؤسسات الأمنية وعلى رأسها الشرطة والمحاكم العسكرية (والتي يبدو أنها الأكثر نجاحا حتى الآن في القيام بمهام الضبط الاجتماعي والسياسي). إذن هناك علاقة طردية (أي زيادة متوازية) بين زيادة المطالب السياسية وبين عدم الاستقرار السياسي إذا لم تنجح مؤسسات الدولة المختلفة في استيعابها إما بتلبيتها (المؤسسات الخدمية)، أو التعبير عنها (المؤسسات السياسية) أو بقمعها (المؤسسات الأمنية). وما يبدو واضحا أن زيادة الاعتصامات والإضرابات من المواطن المصري الذي اعتاد منذ عهد الرئيس عبد الناصر على الحلول الفردية لمشاكله ترجح أن مصر مقبلة على المزيد من عدم الاستقرار السياسي. 

 

إذن المفاهيم الثلاثة السابقة مرتبطة.

 

إن تغيرا ملحوظا يجري في الحياة السياسية المصرية، فالإنسان المصري لم يزل ذا بعد واحد أي هدف واحد في الحياة وهو هدف الستر والرغبة في الحياة جنب الحيطة شريطة أن توجد حيطة، هدف الاستهلاك شريطة أن يجد ما يستهلكه، هدف علاج مشاكله الحياتية بعيدا عن مخاطر السياسة، ولكن العام الماضي أوضح أن الكثيرين غير قادرين حتى على علاج هذه المشاكل دون أن يجدوا أنفسهم معتصمين ومضربين أمام أجهزة الشرطة التي طالما كانوا يقفون منها موقف الخائفين، ومع ذلك تراجعت القدرة القمعية لأجهزة الشرطة لأنه "لم يعد من الممكن التحمل أكثر من ذلك" كما قال أحد المعتصمين.  

إذن طبيعة المصري لم ولن تتغير على المدى القصير، لكن كثرة المطالب وتنوعها رغما عن فئويتها الظاهرة يمكن أن تصل إلى الكتلة الحرجة التي تتحول بها من حالة إلى أخرى: فلا تظل فئوية، ولا تظل محدودة، وإنما يمكن أن تمتد إلى الدرجة التي تفضي إلى حالة من التمرد العلني من خلال مظاهرات عنيفة ستكون أقرب إلى فوضى منها إلى ثورة، إلا إذا برزت شخصية عامة ذات مصداقية لم يلوثها فساد أو استبداد على حد تعبير الدكتور يحي الجمل بحيث تنجح في أن تقدم نفسها باعتبارها الأمل في مستقبل مختلف.

إن مطالب الإنسان المصري كانت لفترة طويلة اقتصادية واجتماعية ولم تكن سياسية... وقد كانت الدولة ناجحة لحد بعيد في تلبية هذه الاحتياجات غير السياسية عن طريق استراتيجيتين: الأولى الدعم في حدوده الدنيا حتى وإن كان متواضعا مقارنة بقفزات الأسعار والأخرى أن "يضع كل مواطن يده في جيب اللي جنبه" كما يقول أستاذنا الدكتور سيف الدين عبد الفتاح بكلية الاقتصاد وخير مثال على ذلك هو حالة الدروس الخصوصية التي تلتهم 30% من دخل الأسرة المصرية (22 مليار جنيه سنويا) حيث يمد المدرس يده في جيب أولياء الأمور تحت مظلة الدولة التي لم تزل تسوق مفهوم مجانية التعليم، فأصبح المجاني هو اللاتعليم، والتعليم أصبح في المنزل وبمقابل مادي مرتفع. وحتى في هذا السياق فإن الدولة تعاني ردة حقيقية في قدرتها على الاستمرار في دعم الحد الأدنى حيث إنه برغم أن الدعم، كما تقول التقارير الحكومية، تصل إلى 110 مليار جنيه سنويا، إلا أن نصيب الفرد لا يتعدى 85 جنيها في حين أن الدراسات الاقتصادية تقول إن نصيب الفرد لا ينبغي أن يقل عن 350 جنيها، وهو ما يتوقع أن تزداد وطأته في ظل اقتصادي يتحسن ولكن تحسنه أقرب إلى النمو دون التنمية، فينمو الاقتصاد ولكن تزيد معه البطالة والتضخم والمديونية الحكومية بما يعني أن الأغنى يحصل على العائد الأكبر من عوائده. إن لم يكن في عام 2008 مفاجئات لا يمكن رصدها برادار الحاضر، فإننا سنجد أنفسنا أمام المزيد من الاعتصامات والاضرابات المفضية لمزيد من عدم الاستقرار السياسي. وقد يكون مقدمة مهمة لتغيير حقيقي بعد أن ينتهى حكم الرئيس مبارك، حينها ستتقارب رؤوس الجميع، وقطعا ستتناطح.