|
أين أصاب وأين أخطأ الدعاة الجدد؟
د. معتز بالله عبد الفتاح
WWW.ALADL.NET
شاع وسيزداد شيوع القنوات الفضائية المتخصصة في الدين بما ينتج خطابا جديدا
ومختلفا عن النمط الذي كان شائعا سواء من قبل علماء المؤسسات الرسمية أو من
قبل نشطاء الجماعات الإسلامية. وباستقراء كيف يتفاعل المتعرضون لهذا الخطاب
معه يتبين أن هؤلاء الدعاة قد ساهموا في علاج ثلاثة مشاكل لكنهم في المقابل
كان خطابهم أشبه بالدواء الذي له ثلاثة أعراض جانبية. فيما يتعلق بالنجاحات
فهناك:
أولا تجديد الهوية الإسلامية عند الشباب.
لقد نجح الدعاة الجدد لحد بعيد في إعادة الاعتبار للهوية العربية الإسلامية
عند قطاع كبير من مستمعيهم في زمن من السهل للغاية أن يفقد الإنسان العربي
المسلم اعتزازه بهذه الهوية. فهذا زمن يندر أن يجد فيه العربي المسلم ما
يفتخر به من انجازات؛ فمن هزائم عسكرية وخلافات سياسية وإهانات إلى مئات
الأنواع من السلع والمنتجات الغربية والشرقية التي نستهلكها ولم نسهم في
انتاجها يجد الإنسان نفسه على استعداد ذهني لأن يكفر بهويته بل وأن يحملها
مسؤولية تخلفه. فانظر إلى هذا الكم المهول من أسماء السلع الأجنبية التي
نستهلكها (نوكيا، وسامسونج، ودل، وأي بي أم، وناشونال، وكيا، وهيونداي
وهوندا، ومرسيدس، وأديدس، وماكدونالدز وغيرها) في كل شئون الحياة من المأكل
للمشرب للكمبيوتر للتليفون للسيارة، لتكتشف أن اعتزاز الإنسان بهويته مهمة
صعبة، ولكن لا شك أن الخطاب الديني الجديد قد أبلى بلاء حسنا في هذا
المقام.
ثانيا إعادة الاعتبار للشأن العام في عقل قطاع واسع من الشباب المسلم: لقد
نجح الدعاة الجدد لحد بعيد في التأكيد على الوظيفة الاجتماعية للدين مثل
مشاكل الأسرة وتربية الأولاد ومواجهة المخدرات ودعم ثقافة التطوع في
مشروعات خيرية وهي كلها أفكار تؤكد على أن الدين ليس مجرد دروشة وشعائر بلا
دور في إصلاح شئون المجتمع.
ثالثا كشف سوءات مؤسسات التنشئة الأخرى في المجتمع
وقد نجح خطاب الدعاة الجدد في كشف سوءات وعيوب مؤسسات التنشئة الاجتماعية
الأخرى في البيت والمدرسة والجامعة والأهم في المسجد في الإجابة على
الأسئلة الأخلاقية والدينية التي يحتاجها الشباب المسلم. ونجاح هذا الخطاب
يعني أن الأسرة والمدرسين وأساتذة الجامعات والمشايخ التقليديين قد تخلوا
عن أدوارهم في التربية والقدوة وبناء الشخصية العربية المسلمة، فكان الدور
على دعاة الفضائيات أن يملأوا الفراغ الضخم الذي خلقته مؤسسات التنشئة
المذكورة. وهو ما لا يعابون عليه.
لكن هذا الخطاب الجديد خلق ثلاث مشاكل أقرب إلى أعراض جانبية.
أولا مشكلة الخطاب الديني الانتقائي:
فهو أولا منهج غير علمي في التعامل مع الماضي. فعلم التاريخ له مناهجه
المنضبطة في فهم الظاهرة التاريخية وربط الحوادث واستخلاص العبر والفوائد،
لكن خطاب الدعاة الجدد لا يستخدم منهجا علميا بل العكس فهو خطاب انتقائي
بما يتناسب مع الغرض المطلوب منه وهو رفع إحساس المستمع بالعزة والفخر
بدينه وهو ما يأتي على حساب العقلية الناقدة التي نحن بحاجة إليها بشدة.
فالماضي منطقة آمنة لمن يلجأ اليه دون أن يتلزم المنهج العلمي في التعامل
معه. فعند الحديث عن التراث، يتجه الكثير من الدعاة الجدد إلى خلق صورة
مثالية عن الأقدمين على نحو يجعلنا نفقد القدرة على تمييز مساحات هائلة من
الأخطاء والمشاكل التي انعكست في النهاية سلبا في شكل عقود عجاف عاشتها
الأمة الإسلامية كان فيها الكثير من الحروب والمؤامرات الداخلية والاستبداد
والظلم الاجتماعي والسياسي بما أفضى إلى هزائم لا يمكن تبرأة السابقين من
مسؤوليتهم عنها. وعلى هذا يكون نتاج هذا الخطاب مفارقة الاعتزاز بالماضي
وإعادة إنتاج العقلية المستعدة لإرتكاب كل أخطائه، لأن هذا الخطاب ليس
أمينا في نقل الماضي واستيعاب أخطاء أجدادنا فيه ويجعل من الصعب الإجابة
على سؤال: "إذا كنا متدينين، فلماذا متخلفون؟"
ثانيا مشكلة التدين النافي للعلم والفلسفة:
لا أتصور أن بناء ضخما يمكن أن يشيد بالرمل دون الحديد والأسمنت، ولا أتصور
تقدما أو نهضة يمكن أن تنبني على مظاهر التدين دون أن نلتزم بروح الدين
التي تضع علينا مسؤولية السعي والكد واستعمار الأرض. ولكن ما بدا واضحا أن
الخطاب الديني الجديد لم يقم بما يكفي للتأكيد على أهمية العلم والتعليم.
بل بدى الأمر كما لو أن الخطاب الديني التبسيطي هو استمرار لنفس منطق
الدروس الخصوصية في المنزل بدلا من المراجع العلمية في المكتبة، المذكرات
وتوقعات الامتحان بدلا من السعي والاجتهاد من أجل التميز والتفوق، فأصبح
التدين عند الكثير من الشباب أداة تعويض عن الاخفاق التعليمي والثقافة
العامة، في حين أن الدين نفسه هو الذي يطالبنا بأن نتعلم من تجارب الآخرين
وأن نستفيد من خبراتهم. فلنقرأ في الدين وفي قصص الصحابة العظام، لكننا
مطالبون بأن نعرف كيف نجحت إسرائيل ولماذا أخفقنا، لماذا انتاجية العامل في
الغرب والشرق أعلى منها في بلداننا. إن التدين غير المفضي إلى العلم
والفلسفة، يخلق شخصية فيها الكثير من الحيرة، فبدون العلم والفلسفة فإننا
نقول للعالم "أنا عريان، لكن أجدادي هم الذين اخترعوا الملابس." "أنا لا
أقرأ، لكن أجدادي ألفوا مئات الكتب في كل المجالات."
ثالثا مشكة الخطاب الديني منزوع السياسة:
مفيد للغاية أن يعيد الخطاب الديني الجديد اهتمام الناس بقضايا الأمة، لكن
أغلب مشاكل هذه الأمة لها بعد سياسي دون أن يعني ذلك التحزب أو الانتماء
لتنظيم سياسي بعينه. فإذا كان بعض الدعاة حريصيين على التأكيد على أن سرقة
الدش حرام، فماذا عن سرقة الانتخابات والعزوف عن المشاركة فيها؟ فكم من
هؤلاء المتدينين، لديهم بطاقة انتخابية ويذهبون لاختيار من يحكمهم أو
يمثلهم في البرلمانات. أنا لا أتوقع منهم أن يطلبوا من الشباب أن يعطوا
أصواتهم في اتجاه دون آخر، ولكن السكوت عن واجب المسلم السياسي يهمشه، ولا
أعرف نهضة حقيقية يمكن أن تتحقق في ظل غيبوبة سياسية كالتي نعيشها الآن
ويساهم فيها الخطاب الديني بباع طويل بتركيزه على أمور العلم بها لا ينفع
والجهل بها لا يضر. لكن يبدو أنهم اختاروا المنطقة الآمنة بعيدا عن بطش
الساسة.
فمادام الخطاب الديني الجديد قد "سرق الجو" من أصحاب الرأي والفكر والعلم
في المجالات الأخرى، فعلى الدعاة أن يعلموا أن مسؤوليتهم كبيرة وأنهم
محاسبون ليس فقط على ما يقولون ولكن كذلك على ما يتجاهلون. ربنا لا تؤاخذنا
إن نسينا أو أخطأنا. |