إلى أين تتجه مصر؟

د. معتز بالله عبد الفتاح

15 إبريل 2008

كان هذا هو العنوان الذي اختارته الصفحة الإلكترونية لهيئة الإذاعة البريطانية لموضوع طلبت فيه من زائري موقعها أن يشاركوا بآرائهم مبدين تفاؤلهم أو تشاؤمهم بشأن مستقبل مصر. وكباحث في العلوم السياسية، تكون هذه مادة خام جيدة لدراسة عينة من المهتمين سياسيا بأحوال مصر ليس باعتبارهم يمثلون جموع المصريين، لأنهم قطعا ليسوا كذلك، ولكن لأنهم يمثلون جيل المستقبل بمعنى من المعاني. وعليه فإذا اعتبرنا أن المشاركات الواسعة الواردة في الصفحة (أكثر من 1200 مشاركة حتى مساء الأحد 13 إبريل 2008، بتوقيت القاهرة) تعبر عن رأي القطاع الأوسع من المصريين، إذن فهناك مقومات غليان "لفظي" حقيقي قد يتزايد حتى يصل إلى فوضى وهو ما لا يتمناه عاقل.  

وقد قمت بتجميع هذه المشاركات ثم صنفتها لأصل إلى حوالي 1100 مشاركة واضحة في مضمون تحميلها لطرف ما مسؤولية ما وصلت إليه مصر وصنفتها على فئات خمس بنسب متفاوتة تقدم تشخيصا للوضع الذي آلت إليه الأحوال مع ملاحظة أن هناك ما يشبه الإجماع على سوء الأحوال وترديها ونظرة شديدة الحيرة والتشاؤم بشأن مستقبل مصر. وسأنقل من كل فئة مشاركة أو أكثر توضح الاتجاه العام فيها نقلا حرفيا بما فيها من أخطاء لغوية، متجنبا المشاركات التي استخدمت لغة خشنة أو حادة.  

الفئة الأولى وهي الأكثرية (حوالي 29 بالمائة) تحمل (الحكومة والحزب) باعتبارها حكومة رجال الأعمال أتت بها أمانة السياسات.  فقال أحد المشاركين:

"سبب مشاكل مصر في السنوات الاخيرة هي لجنة.. السياسات ...أنهم أناس لا يخافون الله وفي عهدهم رأي الناس الظلم والفقر والمعاناة وكل الموبقات ولكن قريبا أن شاء الله سيتخلص منهم الشعب"

وقال آخر: "كفي بالمرء اثما ان يضيع مايعول . والكل يعلم ان الحكومة المصرية قد ضيعت كل ماتعول من شعبها المسكين . وحسبنا الله ونعم الوكيل"

أما الفئة الثانية من المشاركات فقد وضعت مسؤولية الخلل الحادث في مصر على الرئيس مبارك شخصيا أو باعتباره مسؤولا عن اختياراته لمساعديه ووزرائه (حوالي 26 بالمائة من المشاركات). وهنا أنقل قول أحدهم:

"الرئيس مبارك طيار وقائد عسكري بارع ولكن مصر ليست طائرة بل شعب و ارض وأقرب إلى سفينة حاول أن يقودها إلى الأعلى فأغرقها ولا نشك في نيته لكنه مثله مثل العسكريين يبرعون في الميدان ويسقطون في السياسة ففي الأول يحاربون العدو وفي الثاني يخلقون عدوا من شعوبهم والحكيم من عرف أن قوته في حب شعبه لا في حماية الأمن المركزي ولا من الخارج. فنرجوك يا ريس أن تثبت لنا حبك لمصر وخوفك عليها بعد أن فسد فيها كل شيء من الماء إلى الهواء بأن تتركها لمن هو أقدر منك وترحل مع عائلتك بألف سلامة وإلا فالهاوية." وسأكتفي بهذا الاقتباس فقط، لكن هناك الكثير والكثير من التعليقات الأكثر حدة وشدة، والتي تؤكد أن الرئيس مبارك نفسه أصبح في مرمى سخط قطاع من الشباب، وهو ما كان يتجنبه بأن يفوض لمجلس الوزراء صلاحيات واسعة في إدارة الأمور الداخلية، فيقع اللوم عليهم وليس عليه. لكن يبدو أن الأحوال بدأت تتغير.

والفئة الثالثة وضعت المسؤولية بالأساس على أخلاقيات الشعب المصري (21 بالمائة من المشاركات) فقال أحد المشاركين:

"ارفض ان نعتبر الحال الذي وصلت اليه مصر نتاج لسياسات الحكومات المصريه المتعاقبه ولا حتي نتاج لسياسه الرئيس مبارك. ان العادات العتيقه لدي كل اسره مصريه المتمثله في تحميل الحكومه كل همومنا وتحميل شخص مبارك مسئوليه اي نقص في حياتنا هذه الطريقه في التفكير - هذه الطريقه في الحياه - هي السبب فيما وصلنا اليه. يجب حتي في اوقات الازمات الا ننسي فضل الحبيب مبارك في الانتصار عام 1973 و كذلك في اعاده روح القوميه العربيه التي افتقدناها منذ الستينات ووصول مصر الي زعامه العالم العربي مره اخرى" 

والفئة الرابعة، وجدت أنها مسؤولية مشتركة بين الشعب والحكومة (حوالي 16 بالمائة من المشاركات)، وكتمثيل لها قال أحدهم:

فقال أحد المشاركين: "للاسف نتكلم كثيرا عن الفساد وننسي أن الفساد ينخر في أجسادنا وكأن الفساد منفصل عنا والحكام فقط هم الفاسدون فمن هم الفاسدون من موظفين مرتشين أو عمال خائنين أو قضاة أو رجال شرطة وجيش يتنفسون المحسوبية أوفلاحين ليسوا فلاحين الا أهلنا أو أصدقائنا . عندنا في مصر السلطة فوز عظيم وعندما يصبح الأبن أمين شرطة أو موظف في المحليات تزغرد الأم فرحا بالنعيم المرتقب من المال الحرام للأسف ضاعت الٍأخلاق عندما أصبحت الأمانة يكافأ عليها وكأنها ليست الأصل، نحتاج لإصلاح عام، لكن نحتاج بالأحري أصلاح أنفسنا أولا."

ويقول آخر: "جماعة مش بس الحكومات هي الظالمة بل نحن أيضا ظالمون نظلم بعضنا بعضا ولا نشعر بمعاناتنا فمن يحتكر البضائع من الأسواق؟ ومن يسرق الدقيق المدعوم ويبيعه للمخابز السياحية؟ الإجابة هي إحنا إذن نحن فاسدون في أنفسنا فيسلط الله علينا الحكام (كيفما تكونوا يول عليكم) فيجب علينا الرجوع إلى الله تعالى وإلى سنة نبينا (عليه الصلاة والسلام) إلى ديننا نصلح من أنفسنا ومتى فعلنا هذا سيصلح الله لنا الأمور ، يا جماعة الحالة مزرية جدا الناس بتموت يجب علينا الإسراع بالتوبة والرجوع إلى الله والاستغفاروترك الفواحش"

وهناك اتجاه خامس جمع بين التشاؤم والتفاؤل معتبرا أن الأوضاع لن تتحسن حتى تسوء وأن هذه الاضرابات والاعتصامات ظاهرة إيجابية لأنها مؤشرات حركة بعد "موت طويل" (8 بالمائة من المشاركات) على حد تعبير أحدهم:

"هذه ظاهره ايجابيه وان شا ءالله يكون الخير فى خطوات قادمه لكى نتعلم ان ندافع عن حقوقنا والا نسكت فى وجه الظلم والطغيان .. اصرخ فان الحق يقتله السكوت اصرخ فانك لن تموت قبل ان تموت... مصر تتجه الى البحث عن نفسها ربما نجد وطن ضل وتاه فى عالم لايرحم الفقراء ولا يحس بالام المحتاجين ... الاضراب هذا خطوه هامه جدا فى مشوار طويل كى اكون انسان لا اكون نسيان"

ويقول آخر: " لكن الشئ اللافت للنظر ان الناس فى الشارع المثقف منهم والبسيط اصبح ينظر بغضب وسخط الى كل شئ حكومى فعربة الامن المركزى فى حد ذاتها اصبحت كفيلة باثارة موجة من السخط واستعداد للتربص بها اينما وجدت ... .لكن اعود واقول اننا نسير كشعب على الطريق الصحيح فالجهل يتراجع والتغير الفكرى آخذ فى النمو بغض النظر عن نظام الحكم."

لا أعرف مدى صدق تمثيل هذه المشاركات لشباب مصر، ولكن ما أعرفه يقينا هو ما قاله أفلاطون من أكثر من 2500 سنة: "إن من يعزف عن المشاركة في الحياة السياسية فسيعاقب بأن يحكم بمن هم دونه، ومن لا يراعون مصالحه."