الوفد، 22 أكتوبر 2008

قوى الواقع غلبت قوى التغيير في مصر

د. معتز بالله عبد الفتاح

جديد مصر كقديمها؛ لا جديد تحت الشمس لفترة قادمة. لماذا؟ تعالوا ننظر إلى أهم مصادر التغيير المحتملة لنكتشف أنها ليست مصادر تغيير وإنما مصادر استمرار. فالتغيير السياسي الحقيقي في مصر يتوقف على قرارات يتخذها فاعل أو أكثر من أربعة.

فهناك أولا الرئيس مبارك شخصيا والذي يبدو أنه جاد في مسألة أنه سيظل يحكم مصر ما دام في الصدر نفس يتردد وقلب ينبض؛ فهو يرى في التغيير السياسي مخاطره أكثر مما يرى عوائده، وقد حذرنا أكثر من مرة من أن يكون مصير مصر كالجزائر أو الاتحاد السوفيتي، كما أبدى رفضه الواضح للديمقراطية المفضية لعدم الاستقرار على نمط الحكومات الإئتلافية التي كانت موجودة قبل الثورة. وهو ما يتفق مع التشبيه الذي استخدمه الأستاذ كامل زهيري في وصف الرئيس مبارك بأنه حارس مرمى بارع. فحارس المرمى هو أكثر لاعبي الفريق محافظة أي سعيا لعدم التغيير، لأن التغيير الوحيد الذي بيده يكون بأن يدخل في مرماه هدف، والمهارة الأساسية المطلوبة من حارس المرمى أن يفعل كل ما بيده حتى لا تتغير النتيجة. وهذا الكلام ينطبق تحديدا على التعديلات الدستورية والتي تأخرت كثيرا وحينما جاءت تبين أنها تغييرات تكيفية تهدف إلى الإبقاء على الأوضاع أكثر من تغييرها.

إذن أي تغيير من هذا الباب أقرب إلى الآماني منه إلى التحليل السليم.

القوة الثانية التي يمكن لها، لو اتحدت، أن تجبر النظام السياسي على تطوير استجابات متسقة مع التغير السياسي الرشيد هي قوى المعارضة المتعارضة التي دخلت معظمها في صراعات داخلية وبينية جعلتها أقرب إلى شركاء للحزب الوطني منها إلى بديل عنه. فمن وظائف المعارضة أن تكون حكومة بديلة تستعد للنهوض بأعباء الوطن عند الحاجة ولكنها مشغولة الآن بالطفو فوق السطح في مواجهة الغرق الناجم عن انشقاقاتها الداخلية وصراعاتها البينية. وينهض الدليل على شراكتها مع الحزب الوطني في أنها تبدو على مسافة أيديولوجيا أقرب إليه من المسافة بينها وبين بعضها البعض. وهو ما يجعلها معارضة غير فعالة من ناحية ويجعل الحزب الوطني هو اللاعب الوحيد بمهارة في هذه الساحة. فهو يستخدم الدين، سلاح الإخوان، بالقدر الذي لا يجعله حزبا علمانيا تماما، ويرفع شعارات ليبرالية، أولى بها حزب الوفد، بما لا يجعله معاديا للديمقراطية والحريات تماما، ويرفع شعارات العدالة الاجتماعية، والتي عادة ما يقول بها التجمع والناصريون واليسار عموما، بما يجعله يسوق نفسه على أنه حزب الفئات الكادحة، حتى وإن تناقض هذا الواقع مع المعاش. وعليه فأنا لا أستغرب أن اجتماعات قيادات المعارضة لا تنتهي بأكثر من العموميات. لأن الكثير من قيادات اليسار لو خيرت بين الحزب الوطني أو التحالف مع الإخوان، فسيجدون أنفسهم كالمستغيث من الرمضاء بالنار. ولو خير الليبراليون بين الحزب الوطني والحزب الناصري، فلن يكون الاختيار سهلا لتباين المخاوف والطموحات، ناهيك عن الخلافات الشخصية وغياب القدرة على العمل الجماعي التي عادة ما ترتبط بالمؤسسية، وهي واحدة من نقاط ضعفنا إجمالا. إذن من ينتظر التغيير من المعارضة، سينتظر طويلا.

القوة الثالثة التي يمكن لها، لو فقهت، أن تقود المجتمع نحو تغيير حقيقي، هي قيادات المجتمع المدني ومعهم قادة الرأي العام من مثقفين وعلماء دين وغيرهم ممن يقومون بمهام النقد السياسي والاجتماعي على صفحات الجرائد وفي الفضائيات. وهؤلاء ليسوا أفضل كثيرا من الأحزاب. فهم، من ناحية، يخشون بطش الحزب الحاكم، وما حدث لآخرين من الاختفاء والسجن والاعتقال والتنكيل ليس عنهم ببعيد. كما أنهم لا يثقون بجموع الشعب المصري الذي نجح الحزب الوطني في تجفيف منابع تربيته السياسية فأصبحوا مهرة في التحليل الرياضي أكثر من الحد الأدنى من المعرفة السياسية. فالسياسة ممنوعة من الدخول إلى الجامعات، وإن دخلت فهي سياسة السمع دون الاستماع، الكلام دون الفعل. كما شاع عندهم التفكير الغيبي الذي يعتزل مهام الإنسان الإصلاحية في هذه الدنيا (مع أنها من أصل دينهم) على اعتبار أن الدنيا لهو ولعب. وهو حق أردنا به باطلا فقادنا إلى ثقافة إعادة إنتاج الفساد و"الصبر على جار السو"، فزادت عندنا جرعة انتظار سنن الله الخارقة وما يرتبط به من دعاء والأمل في المعجزات، دون أن نعمل لسنن الله الجارية التي تجعل من جد وجد، ومن زرع حصد وأن الله لا يغير أحاول قوم، وكذلك حكامهم، حتى يغيروا ما بأنفسهم.

القوة الرابعة التي كان لها أبلغ الأثر في تغيير واقعنا، للأسوأ عادة، هي قوى العالم الخارجي. فقد احمر وجه البيت الأبيض غضبا بعد أحداث سبتمبر ورفع شعارات الديمقراطية في الشرق الأوسط حتى لو تطلب ذلك أن يقدم على ما زعموا أنه احتلال "نبيل" للعراق على نمط الاحتلال النبيل لألمانيا واليابان لتصحيح أخطاء الاحتلال "الرديء" للانجليز والفرنسيين والذي أفضى إلى حكومات مستبدة ودول هشة. بعد كل هذا، تراجعوا واكتشفوا أن الديمقراطية ستعني وصول أعدائهم للسلطة في واحدة من أهم مناطق العالم لهم. وكان انتخاب حماس درسا قاسيا جعلهم يفكرون في عواقب استراتيجية لم تدرس بعناية كافية. والأمر لن يختلف كثيرا مع الإدارة الديمقراطية القادمة في الولايات المتحدة. فتغيير أنظمة الحكم العربية الموالية للولايات المتحدة في المنطقة خطر عظيم لأن هذه الأنظمة تفعل الكثير من أجل مصالح الولايات المتحدة. فهي تضمن أن يظل أعداء الولايات المتحدة "down" أي تحت قمة الهرم السياسي (حتى في السجون لو دعت الحاجة)، لاسيما الإسلاميين والقوميين. كما تضمن هذه الأنظمة أن تظل الولايات المتحدة "in" أي لها موطأ قدم في المنطقة سواء بالمعنى العسكري أو بالنفوذ السياسي. كما تضمن هذه الأنظمة أن تظل إسرائيل "up" أي قوية ومتفوقة وأن تضمن لها وجودها حتى وإن اعترضت على توسعها. كما تعمل هذه الأنظمة على أن تظل إيران وغيرها من الأعداء المحتملين "out" أي ألا تنازع الولايات المتحدة سطوتها وهيمنتها على المنطقة.

وعليه فمن يراهن على التغيير الهيكلي من الخارج، فسيخسر لا محالة.

إذن باستخدام المنطق الصوري البحت، لا جديد لفترة قادمة إن لم يتصرف الفاعلون السابقون على غير طبيعتهم أو ضد مصالحهم، وهذا غير محتمل. وما تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا...

 For other articles...