انتصارات العجزة ونظرية "اخنقه يا بلبل"

د. معتز بالله عبد الفتاح

كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة

26 فبراير 2008

هذه مقالة فانتازية، عزيزي القاريء، فهي من نوعية مقالات التأمل المنطقي في أحوال غير منطقية تعيشها مجتمعاتنا. وسأبدأ بنكتة تقول إن مجموعة من النمل قرروا التآمر لقتل الفيل الذي اعتاد أن يمر على جحورهم فيدمرها، فكانت الخطة أن يقفوا جميعا على جذع شجرة وحين يمر الفيل يقفزون عليه ويخنقونه. وقد كان، فقد قفز جميع النمل على ظهر الفيل، وحين شعر بهم هز ظهره هزة عنيفة فوقع الجميع عدا واحدا من النمل، فهتف جميع النمل المتساقط على الأرض مخاطبين زميلهم القابع على ظهر الفيل: "اخنقه يا بلبل.. اخنقه يا بلبل." تذكرت هذه القصة وأنا أتابع ردة الفعل المبالغ فيها تجاه ما أقدم عليه أبو تريكة من رفع شعار التعاطف مع أهلنا في غزة. وهو تعاطف جدير بكل إنسان عربي ومسلم رسميا وشعبيا، ولكن يبدو أننا أصبحنا نبالغ مبالغة غير منطقية في ردود أفعالنا بسبب هزائمنا وشعورنا بالعجز وكأن أبو تريكة قد أسهم في استعادة الأرض المحتلة مثلا. لكن هذا لم يحدث. ولكننا نسينا القضية التي حاول ابو تريكة ان يثيرها فينا واحتفينا بحامل الرسالة وهو يستحق التحية بحق وتناسينا الرسالة نفسها وما تحمله لنا من مسئولية.

إنه مظهر آخر من مظاهر تسجيل المواقف كبديل عن إيجاد حلول عملية للمشكلات، وهو مرض أصيل في العقلية العربية كما سبق وأن أشار الدكتور فؤاد زكريا.

وأتذكر في هذا المقام ما كتبه الراحل نجيب محفوظ عن سعد زغلول حين علقت إحدى شخصيات "المرايا" على سعد بقولها: "سعد زغلول وطني ومخلص، وهما صفتان جديرتان بكل مصري، ولكن يبدو أن ندرتهما جعلتا منه زعامة شعبية يحتفي بها الجميع" وأعتذر لعدم دقة الاقتباس لأنني أكتب من الذاكرة.  وهو ما يبدو موجعا، فلا أتصور أن هناك أي بطولة في أن نعلن تعاطفنا مع شعبنا العربي في غزة، لكن يبدو أننا افتقدنا القدرة على أن نقول كلمة الحق بصوت عال وأن نتصرف على نحو ما يمليه ضميرنا لدرجة أننا "تركنا قدم أبو تريكه تنوب عن رؤوسنا" كما قال الدكتور حازم حسني في مقالته في البديل.  

إن فرحتنا وسعادتنا بإنجاز أبو تريكة بدتا وكأنهما بديلنا عن التفكير في المسؤولية الفردية والمجتمعية التي ينبغي أن نحملها تجاه إخوان لنا يعانون يوميا بعلمنا وتجاهلنا ونحن نبالغ في احتفائنا الكروي الذي تم في غانا. لكن المهم أن بلبل خنقه، أو هكذا أوهمنا أنفسنا. وسنفعل نفس الشيء حين يرفع أبو تريكة أو غيره شعارات التعاطف مع إخواننا من عمال المحلة الكبرى وكومسارية السكك الحديد والأطباء وأساتذة الجامعات والفلاحين وغيرهم ممن لهم مطالب نعلم أنها مشروعة لكن الشطارة في كيفية تجاهلها. سنعجب برافعي الشعارات، ونقول لهم بكل التقدير: "اخنقه يا بلبل" وكأن هذا هو انتصارنا في زمن لا نستحق فيه الانتصار.

وها هي مشكلة الرسوم المسيئة للرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) تتصاعد فنجد أنفسنا في موقف العاجز عن ردة الفعل، لأننا يوم أن قررنا أن نقاطع فشلنا رغما عن أن مقاطعة السلع والمنتجات الدنماركية أسهل كثيرا من مقاطعة سلع ومنتجات دول أخرى، لكن خرج علينا حينذاك من آثر الحوار، وكأن الحوار بديل عن المقاطعة، ولم يكن واضحا ما الهدف من الحوار ولا ما هو العائد منه لاسيما وأن قطاعا واسعا من علماء الأمة الرسميين والشعبيين آثروا هذا البديل، ولكننا يبدو أن قطاعا منا لا يعرف كيف يكون جنديا في معركة يقودها غيره. ومرة أخرى تسجيل المواقف حتى وإن جاءت على حساب الحلول العملية للمشكلات. فقال كثيرون "اخنقه يا بلبل" في أروقة الفنادق بدعوى الحوار بدلا عن أن نتحمل تبعات المقاطعة.

فمن يحب أن يبحث عن شيء ضاع من صديق له في منطقة مظلمة محفوفة بالمخاطر، فالأسهل أن يبحث عن الضائع في منطقة مضيئة تبعث على الارتياح. ليس مهما أن نجد الضائع أو أن نحل المشكلة، المهم أننا سجلنا موقفا يحسب لنا بين أهلنا الذين لا يملكون من التفكير النقدي ما يجعلهم يفرقون بين من يبيعهم الأوهام وبين من يبحث عن حلوق واقعية لمشاكلهم.

إن الشعوب كما أحاد الناس لديها نزعة نحو التعويض والتكيف كنوع من التحايل على المصاعب التي تواجهها، فالإنسان الذي يفشل في أن يصارح بحبه لمن يحب، يكتب الشعر ويستمع لأغاني العشاق، والذي يفشل في الدراسة بما فيها من امتحانات وتحديات يقرر أن يتحول إلى "داعية" كما ذهب بعض طلابي في كلية الاقتصاد، حيث اعتبروا أن نجاحهم في حفظ الأحاديث يغفر لهم اخفاقهم في استيعاب القانون الدولي أو مباديء المالية العامة. وكذا الشعوب تميل إلى الاستهلاك والتخمة وشرب السجائر والاستماع إلى الأغاني التافهة ومناقشة قضايا الكرة وشائعات المشاهير لأنها عاجزة عن أن تغير واقعها أو أن تحل مشاكلها. هي حيلة من حيل الدفاع النفسي أن تنبهر بأبو تريكة وتحتفي احتفاء مبالغا فيه بانتصار كروي له وزنه لكنه ليس بديلا، ولا ينبغي أن يكون، عن النجاح في التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأخرى.

هناك مشكلة حقيقية في العقلية العربية تجعلها بعيدة كثيرا عن إيجاد حلول عملية للمشاكل التي تواجهنا. وحتى لا نبدو أننا بدع من البشر فإن العلوم السياسية اهتمت بظاهرة عزوف الناس عن المشاركة في العمل الجماعي وما يتربت عليه من ضعف في رأس المال الاجتماعي وهي قضية قد تستحق نقاشا أكثر عمقا في المستقبل. وتحياتي للمنبهرين بكل بلبل يناضل في الملاعب والفضائيات والعوامات.