الوفد

2 أغسطس 2008

 

حينما يلي أمورانا خيارنا

د. معتز بالله عبد الفتاح

جاء على لسان إحدى شخصيات مجموعة قصص "المرايا" للراحل نجيب محفوظ تحليل لشعبية الزعيم سعد زغلول. وجاء التحليل على النحو التالي: "سعد زغلول وطني وشجاع وهما صفتان جديرتان بكل مصر لكن لندرتهما فقد جعلتا منه زعامة شعبية." إذن وطنية الرجل وشجاعته كانتا من الندرة في معظم الساسة الذين كانوا موجودين آنذاك على نحو جع من سعد زغلول زعيما للأمة. ولو تأملنا مواقف الرجل لتبين لنا أنه فعل ما كان يليق به باعتباره محاميا ثم وزيرا ثم وكيلا للجمعية التشريعية. وهكذا نهض الرجل بالمناصب التي تولاها فارتقى لها وبها.

ورغما عن الأحزان الكثيرة التي يعيشها الإنسان المصري المعاصر، فإننا نبحث عن قصد وتدبر عن أي ملامح لهذا المعدن من الرجال الذين يقومون بواجبهم تجاه وطنهم عسانا نجد شيئا من أسباب  الأمل في غد أفضل. ومن رحم الأزمة نجد أن هناك من بين المصريين أناسا يرتقون بمناصبهم ويخلقون عندنا الإحساس بأن وضع الشخص المناسب في المكان المناسب يؤدي إلى تغييرات كثيرة مهمة في الأماكن التي يتولونها. وقد كان اختيار الدكتور فاروق العقدة محافظا للبنك المركزي المصري نقطة تحول مهمة في أداء البنك بل وفي القطاع النقدي برمته، كما كان تولي اللواء عادل لبيب منصب محافظ قنا نقطة تحول غير مسبوقة في تاريخ المحافظة بل وفي الصعيد كله، وتظل تجربته في الأسكندرية موضع اختبار لم يكتمل بعد، ويبدو أن تولي النائب العام المستشار عبد المجيد محمود لمنصبه أيضا نقطة تحول مهمة تجعلنا أمام شخصية مستقلة ترقى لمسئوليات المنصب وترقى به وهو ما تبدى في عدة قرارات بدت كمفاجئة لقطاع واسع من المصريين على نفس نمط تحليل نجيب محفوظ لبروز سعد زغلول على أساس أننا لم نعتد من فترة طويلة على نوعية المسؤولين القادرين على أن يؤدوا مهامهم بكفاءة ونزاهة وحسم. فعدة قرارات اتخذها النائب العام أزهلت الكثيرين، رغما عن أن الرجل ربما يعتقد أنه يؤدي دوره المطلوب منه لا أكثر ولا أقل، ولكن ندرة هذه النوعية من المسؤولين جعلتهم كخروج عن سياق عام استقر على عدم المهنية وغياب الكفاءة. ومن هذه القرارات، قرراه بالطعن في حكم البراءة في قضية العبارة، وقراره بإحالة المسئولين عن شركات إنتاج الأسمنت إلى المحاكمة الجنائية وتوجهه شخصيا إلى المنيا لمتابعة التحقيقات في تسرب امتحانات الثانوية العامة وغيرها. نحن أمام رجل مختلف عن الكثيرين ممن يتولون مناصب مشابهة تتيح لهم أن يؤثروا فينا لكنهم يؤثرون اللافعل لأسباب لايمكن تعميمها لكنها في الكثير منها ترتبط بعدم رغبتهم في المغامرة بإغضاب هذا أو ذلك من كبار المسؤولين.

والأمر لا يقتصر على كبار المسؤولين بالقطع، فقد لفت نظري صديق إعلامي لضابط الشرطة، ملازم أول عبد الوهاب الدمياطي الذي بدا لي من نفسة نوعية هؤلاء المسؤولين الاستثنائيين في حياتنا العامة. ورغما عن صغر سنه ورتبته إلا أن نباهته وجرأته ويقظة ضميره  بهرتني وجعلت شعورا بالأمل الحقيقي يتملكني. فقد نجح هذا الضابط في الكشف عن العديد من عمليات حيازة والاتجار في المخدرات التي تناولتها الصحف رغما عن أنه ضابط في الإدارة العامة للمرور. ورغما عن أن الأصل في هذه الحملات المرورية التي يعمل بها أنها مرتبطة على نحو مباشر بإجراءات أمن وسلامة المركبة والتأكد من سلامة الرخص، لكن هذا الضابط نهض بأعباء المنصب وارتقى به وله على النحو الذي جعله يقوم بمهامه الأصلية ويضيف إليها مهاما أخرى لا تدخل في نطاق اختصاصه الدقيق لكنها تدخل قطعا في نطاق حرص المسؤول على أن يقوم بأعباء المنصب على خير وجه.

هذه البلد فيها خير كثير، لكنها بحاجة لأن يتولى أمورها في أكثر المواقع إن لم يكن كلها الحريصون عليها وليس أنصار منطق أن مصر هي بقرة حلوب، الأشطر يحلبها أكثر، أولئك الذين يريدون منها السيارة السوداء والحرس المدجج بالسلاح والفيلا في ضواحي العاصمة والشالية في الساحل الشمالي.

هذه البلد بحاجة لمن يعطيها أولا وليس من يأخذ منها أو يتاجر بها وبمستقبلها. ولا يقل أهمية عن كل ذلك أن يكون لدينا النظام الإداري الذي يرقي هؤلاء الشرفاء ويصعدهم لمناصب أعلى ويكفاؤهم بحيث يعرفون ويعرف غيرهم أن الاتقان له مكافئته. فمن يجد ويحسن ولا يكافىء، فهذا يهدم قيمة من قيم النهضة والتقدم في المجتمع. كما أن من يخطيء ويتكاسل ولا يعاقب، فإنه يهدم قيمة من قيم النهضة والتقدم في المجتمع. فقيم النهضة والتقدم معدية كما أن قيم التخلف والفساد معدية.

لا بد أن يلي أمر مصر خيارها، وهم موجودون، لا شك عندي في ذلك، لكنهم إما خارج الوطن أو مغتربون داخله، أو يعملون في صمت لوجه الله ثم الوطن والحياة الكريمة. إن واجب الإعلام أن يبرز هؤلاء وأن يضعهم في مكانهم اللائق على أجندة الحياة العامة وأن يجعل من تجاربهم قصص نجاح تستحق أن تدرس وأن تتكرر. وكما تلهث أجهزة الإعلام في ختام كل سنة ميلادية في التنقيب والبحث عن أفضل مغني ومغنية وأحسن لاعب كرة، فإنها مطالبة، ولو على سبيل التغيير، أن تأخذ مصر ومستقبلها بجدية أكثر وأن تبحث وتنقب عن أفضل من خدموا مصر بلا مقابل، وأقدر من تولوا مسئوليات مناصبهم بكفاءة ومهنية. إن ترقية هؤلاء فيه رقي لنا، وهذه أمور لا يقدر أهميتها إلا الحريصون على مصلحة الوطن.