الوفد، 25 ديسمبر 2007

في فضائل التداول السلمي للسلطة

د. معتز بالله عبد الفتاح

كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة

WWW.ALADL.NET

 الحياة ندرة واختيار وتضحية كما يقول الاقتصاديون. فإن اخترت أن تعمل خارج مصر لبعض الوقت فقد ضحيت بأن تعمل داخلها خلال نفس المدة، والرشاد يقتضي أن يكون ما تختاره أكثر نفعا على المستويين الشخصي والجماعي مما تضحي به. ومن هنا ظهرت فكرة تكلفة الفرصة البديلة أي العائد الذي كان يمكن أن تحصل عليه لو أنك اخترت بديلا آخر. والأمر كذلك عند كل نظام حكم حين يختار بين البدائل المتاحة أمامه. فهناك من اختار أن يظل في الحكم "ما دام في الصدر قلب يخفق ونفس يتردد" كما قال الرئيس مبارك وهناك من آثر منهجا آخر يقول "إن كان الحكم خيرا فقد نلنا منه وإن كان شرا فقد كفى ما كان" كما قال وفعل عظيم هذه الأمة عمر بن الخطاب حين رفض توريث الحكم لابنه عبد الله بن عمر. والرئيس مبارك يسير على نهج كل حكام مصر السابقين ومعهم حكام بلدان العرب وملوك المسلمين الذين نسميهم مجاملة خلفاء، وكان لهؤلاء دائما منطقهم من الحديث عن الاستقرار وغياب البديل المناسب، والحب العظيم الذي يكنه أبناء الشعب لحاكمهم مع ملاحظة أن الأغلبية الكاسحة من أبناء هذا الشعب عادة لا يشاركون في الانتخابات أو الاستفتاءات (إن وجدت) ويكون منطق الحاكم أن "السكوت علامة الرضا" لكن علم السياسة المعاصر يراها على نحو مختلف حيث "لا ينسب إلى ساكت قول" كما قال الفقهاء قديما، فالصمت قد يعني الرضا الناتج عن الإنجاز أو يعني الخوف الناتج عن القهر، أو السلبية الناتجة عن الجهل.

القيادة صاحبة الرؤية الاستراتيجية تعلم أنه ليس معنى أن الحاكم يستطيع أن يظل في الحكم لآخر يوم في حياته، ليس معنى هذا أنه ينبغي أن يفعل أو كما يقال بالإنجليزية:

 ("You can" does not mean "you should").

 والسؤال المطروح في هذا المقال: ما الذي تفقده مصر بأن تظل على نهجها بأن يحكمها من يحكم حتى آخر يوم في حياته بما في ذلك رفض تعديل المادة 77 التي تعطي لرئيس الدولة الحق الدستوري في أن يظل في الحكم دون قيود؟ وهل هذا من الرشاد السياسي؟  

إن مصر تعاني من مشكلتين أساسيتين على الأقل بحكم تمسك قيادتها بديمومة الحاكم على مقعد السلطة مهما حسنت نواياه وبلغت فراسته، وهما مشكلتان تعاني منهما بلدان العالم المتخلف الذي ننتمي إليه:

1- أولا ضعف آليات محاربة الفساد. فرغما عن أن التداول السلمي للسلطة لا ينفي وقوع الفساد واستغلال النفوذ لكن وجود تقاليد مؤسسية تقضي باحتمال أن يأتي إلى الحكم أشخاص لهم خلفية سياسية وحزبية مختلفة مع كل انتخابات جديدة توفر البنية المؤسسية التي تكشف عن الفساد السابق وتردع الفساد اللاحق. ولنأخذ اليابان مثالا. فلقد ظل الحزب الليبرالي يحكم اليابان لمدة 40 سنة حتى مطلع التسعينيات وعندما نجح تحالف المعارضة آنذاك في الوصول إلى السلطة سمعنا عن عشرات قضايا الفساد سواء السياسي أو المالي والإداري بما استتبع انتحار العديد من المسئولين اليابانيين وسجن عدد من الوزراء السابقين. لماذا؟ لأن المسئول الجديد لا يقبل أن يحاسب على خطايا غيره بل على العكس فإن دوره أن يكشف عن سوء استخدام السلطة من السابقين عليه.

وحتى لا يبدو هذا الطرح غريبا عن البيئة المصرية فقد شهدت مصر مؤخرا مثالا مهما في دلالته حيث نقلت صحيفة الأهرام في 10 ديسمبر 2007  أن الدكتور حامد سماحة ـ رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية ـ  عندما تولي مسئولية إدارة الهيئة منذ ستة أشهر‏،‏ قام بحصر الحيوانات الموجودة بالحديقة‏، وتبين نفوق ‏720‏ نوعا من الحيوانات بحديقة الحيوان في الجيزة خلال العامين الماضيين فقط وقيمة هذه الحيوانات نحو ثمانية ملايين جنيه، فأبلغ النيابة الإدارية للتحقيق في أسباب اختفاء هذه الحيوانات. فالجديد لا يريد أن يتحمل مسئولية وأخطاء السابقين عليه.

وهو ما لم يكن بعيدا عن تصريح مكتب النائب العام في جنوب إفريقيا حين أعلن أن الرئيس الجديد لجنوب إفريقيا سيظل يخضع للتحقيق في قضايا فساد سابقة حتى بعد أن يصبح رئيسا للدولة، فرئاسته للدولة لا تعفيه من الخضوع للرقابة والمساءلة والمحاكمة عما اقترفه قبل وصوله للمنصب الرفيع. لكن هذا المستوى من محاربة الفساد يقتضي تقوية المؤسسات واحترام قواعدها، كل قواعدها، كل الوقت. وهو جزء أصيل مما فقدته مصر بحكم سيطرة تحالف السلطة والثروة والإكراه القائم حاليا في مصر.

 2- إضعاف المؤسسات لصالح تحالف السلطة والثروة والإكراه: يستخدم مفهوم النخبة الحاكمة (Governing Elite) لوصف تحالف يجمع بين الساسة (أي كبار رجال السلطتين التنفيذية والتشريعية) والثروة (أي معظم أثرياء المجتمع) والإكراه (أي قيادات الشرطة والجيش). وهو تحالف إما يأخذ شكل "شلة" كما يقول أحد علماء السياسة البريطانيين المرموقين تتحالف وتتزاوج وتتناسل فيما بينها بحيث تعيد إنتاج نفسها وفقا لبناء غير رسمي للسلطة يكون فيه كارت التوصية أو مكالمة التليفون أهم من الإطار الرسمي القائم على قواعد محكمة تساوي بين الجميع وفقا لإجراءات معلنة ومعروفة سلفا، أو يأخذ شكلا مؤسسيا دستوريا يتضمن تعدد مراكز صنع القرار داخل الدولة ورقابة أجهزتها بعضها على بعض بما يكشف جوانب القصور في القرارات ويعيد توجيه أولويات الحكومة بما يخدم المجتمع. وتتطلب مثل هذه الدرجة من المؤسسية الدستورية ألا تكون السلطة التشريعية أداة تصديق أوتوماتيكي على قرارات السلطة التشريعية فضلا عن وجود إعلام مستقل وقضاء نزيه ومجتمع مدني قوي، ومراكز أبحاث ودراسات متخصصة، وهي كلها من خصائص الديمقراطيات الراسخة.

ولنتذكر مثالين يأتيان من باكستان والولايات المتحدة. فقد قرر تحالف السلطة والثروة والإكراه في باكستان أن يستمر الجنرال مشرف في السلطة بغض النظر عن أية قيود دستورية وسياسية قد ترد على المنصب. وعليه فقد عزل الرئيس مشرف رئيس المحكمة الدستورية الذي التزم بحكم الدستور واشترط أن يترك مشرف رئاسة الجيش قبل أن يخوض الانتخابات، بل وقمع المظاهرات التي خرجت مطالبة بعودة رئيس المحكمة المخلوع، بما ترتب على ذلك من عنف اجتاح البلاد وردة ديمقراطية حقيقية. أما المثال الثاني، فقد ارتبط بجدل الانتخابات الأمريكية في عام 2000 حيث فاز آل جور بأغلبية الأصوات العددية لكنه وفقا للدستور الأمريكي فإن توزيع الأصوات بين الولايات هو الفيصل في الفائز في الانتخابات. ولأن تقليد تداول السلطة في الولايات المتحدة مستقر منذ أن قرر الرئيس الأول جورج واشنطن ألا يترشح لمنصب رئيس الجمهورية أكثر من مرتين، فظلت باقية في عقبه، فإن هذا التقليد قد رسخ في أذهان الأمريكيين احترام مؤسسات الدولة حتى وإن اختلفوا مع توجهها. وعليه فقد وقف مؤيدو آل جور على أحد جانبي الشارع ووقف أنصار جورج بوش على الجانب الآخر ينتظرون جميعا حكم المحكمة الدستورية في فلوريدا ثم في المحكمة العليا في العاصمة واشنطن دون طلقة رصاص واحدة ويعلن المرشحان المتنافسان عن أنهما سيحترمان حكم المحكمة أيا كان. ومن هنا كانت المؤسسة أقوى من الفرد لأن الفرد له دور وله مدة أما المؤسسة فلها وظيفة ولها ديمومة.

إذن هناك درسان مستفادان في ختام هذا المقال. أولا لمن يرد خيرا بهذا البلد فإن عليه أن يعلم أن تداول المناصب يتيح فرصة للمراجعة والمحاسبة والتخلص من غير الأكفاء والفاسدين وهي من خصائص الحكم الرشيد التي تسعى إليها الدول الناهضة قولا وفعلا، لأن التداول السلمي للسلطة يمثل فرصة مهمة لتجديد أشخاص جهاز الدولة ولإضعاف سيطرة شخص أو مجموعة أشخاص على أجهزتها وبما يتيح الفرصة لأفكار جديدة وبدائل تعبر عن مصالح قطاعات لم تكن ممثلة في ظل الحكومات السابقة. ثانيا أشك كثيرا في جدية من يتحدث عن تحول ديمقراطي حقيقي في مصر تحت إدارة الحزب الوطني لأن الديمقراطية الحقيقية ستعني ضمنا زيادة احتمالات التداول السلمي للسلطة وهو ما يعني فتح ملفات الإهمال والفساد والتخلف التي تعانيها مصر. ومع ذلك يظل الجهاد الأكبر هو أن يخرج المواطن المصري من غيبوبته وأن يشارك في الحياة السياسية لأن "من يعزف عن المشاركة في الحياة السياسية، فسيعاقب بأن يحكم بمن هم دونه ومن لا يراعون مصالحه" كما قال أفلاطون منذ أكثر من 2500 سنة.