الوفد، 13 نوفمبر 2007

إلى جمهور النادي الأهلي: ما تزعلوش.. أصل الحكاية ما تزعلش...

د. معتز بالله عبد الفتاح

كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة

WWW.ALADL.NET

لم أشارك قطاعا واسعا من المصريين حزنهم لهزيمة النادي الأهلي يوم الجمعة الماضي ليس لأنني غير مكترث بما هم مهتمون به ولكن لأنني كنت حزينا لأسباب أخرى. ووجدتني أقول لبعض مشجعيهم الذين بثوا إلي شيئا من الحزن: "ما تزعلوش... أصل الحكاية ما تزعلش." وكان التشبيه الذي حضرني أن شخصا ما حزن لأن ابنه رسب في مادة الألعاب الرياضية. فما كان مني إلا أن بادلته حزنا بحزن وفي نفس الوقت استطلعت أداء ابنه في المواد الأخرى مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والفلسفة، فقال إن ابنه رسب في كل هذه المواد. فقلت له إذن ما تزعلش على الرسوب في الألعاب... أصل الحكاية ما تزعلش.

فها أنا أجد نفسي مع أصدقائي من مشجعي النادي الأهلي، أقول لهم: ما تزعلوش أوي كده... أصل الحكاية فعلا ما تزعلش.

أليس من قلة الفطنة، وفي قول آخر من التفاهة، أن نحزن على رسوبنا في مادة الألعاب، ولا نحزن لرسوبنا في المواد الأخرى التي تنبني بها الأمم وتتقدم بها المجتمعات؟

 من حق أي منا أن يستاء أو يغضب على أي من الأمور، فكل منا إنسان له أولوياته، مهما كانت خاصة. ولكن أليس من واجبنا أن نستاء ونغضب على ما هو جاد ومهم من الأمور الأخرى أيضا؟

كيف لا نحزن ولا نستاء ولا نغضب حين نقرأ ما كتبه الدكتور لطفي ناصف في جريدة الجمهورية يوم الجمعة الماضي؟ حيث قال:

"الصحف المصرية نشرت الأسبوع الماضي مأساة شاب مصري متفوق يعمل معيداً بقسم الحيوان بكلية العلوم جامعة أسيوط واسمه عابدين. تفوق هذا الشاب رغم فقره وفقر أسرته. فوالده يعمل بائع فاكهة بالقاهرة ويمتلك 6 قراريط من الأرض كان يبيع كل عام جزءًا منها لمساعدة ابنه علي الاستمرار في دراسته.  
في الأسبوع الماضي حسب ما نشرته الصحف. كان عليه أن يسافر مع زملائه في قسم الحيوان إلي الغردقة لجمع وشراء قواقع لإجراء بحوثه عليها.. طلب من والدته مبلغ 1300 جنيه تكاليف الرحلة العلمية.. ولكنها عجزت عن تدبير المبلغ.. وكان كل ما استطاعت تدبيره 400 جنيه استدانتها من أهل الخير.
شعر عابدين باليأس والعجز.. عجزه وعجز أسرته بل وعجز المجتمع في مد يد المساعدة إليه.
وبعد سنين طويلة من المقاومة لمشاعر اليأس والإحباط والصراع مع الفقر.. استسلم عابدين.. وفي هدوء دخل غرفته وتناول مادة سامة من تلك المواد التي كان يستخدمها في أبحاثه. وبدلاً من أن تكون تلك المادة سببا من أسباب نجاحه كانت سببا في القضاء علي حياته التي كان يمكن أن تقدم لمصر عالما من علمائنا النوابغ.
ولم يكن انتحار هذا الشاب الناجح هو الوحيد من نوعه فنحن نتذكر قصة ذلك الشاب المتفوق الذي تقدم لامتحان القبول بوزارة الخارجية.. ورغم نجاحه في الامتحانات لم يجد اسمه في كشوف المقبولين.. وعندما سأل.. قيل له إن حالته الاجتماعية لا تسمح بوجوده في السلك الدبلوماسي. خرج ذلك الشاب من وزارة الخارجية يائسا ومحبطا لينهي حياته بالقفز في النيل من فوق كوبري قصر النيل."
والأمثلة كثيرة لضحايا الإحباط الذي تسببه البطالة والتي تدفع الشباب إلي اليأس.. ويذكر هنا الدكتور لطفي ناصف تجربة شخصية: "لقد ظل أحد شباب قريتي يطاردني فترات طويلة لكي ابحث له عن عمل.. وحاولت بكل الطرق.. ولكنني فشلت كما فشل غيري ممن لجأ إليهم.
وفي يوم من الأيام حضر إلي في حالة من اليأس والكآبة.. قال لي إنني لا أستطيع النظر في وجه والدي الذي شقي طوال فترة تعليمي.. والآن لا أستطيع مساعدته أو مساعدة إخوتي الأصغر حتى يستكملوا تعليمهم.. كانت نبراته مليئة باليأس والإحباط.. وفي الصباح سمعت صراخاً ينطلق من منزل ذلك الشاب وعندما سألت قالوا: إنه نام ليجدوه ميتا.
في هذه الحالة لم يكن الموت بالغرق أو الانتحار. ولكن كان الإحباط واليأس هما السبب في موته.
أما الذين لم يموتوا بالغرق والسموم أو الهموم.. فإنهم يتخذون طريقاً آخر.. طريق الانحراف ليتحولوا إلي مجرمين يهددون أمن الوطن واستقراره. وفي رأيي أن هؤلاء أيضا هم ضحايا المجتمع ونحن نتحمل مسئوليتهم لأننا تجاهلنا الظروف التي دفعتهم إلي طريق الانحراف.
نحن مسئولون عن إيجاد الحلول لإنقاذ شباب مصر من الأوضاع الصعبة التي تحيط بهم من كل جانب لقد وصل الأمر بالشباب المصري إلي أن يسعى إلي ألد أعدائنا "إسرائيل" بحثا عن فرصة عمل.. مما يجعلنا نرفع راية الخطر ونطالب بمسعى جاد وحقيقي لمشاكل الشباب بدلا من المؤتمرات والندوات التي ترفع شعارات المواطنة والحرية وأنه ليس في الإمكان أحسن مما كان بينما الشباب يعيش الواقع بكل ما فيه من ضغوط ومتاعب وتباعد بين فئات المجتمع.
كيف يمكن ان نقنع الشباب بأن كل شيء علي ما يرام.. في الوقت الذي يقرأ فيه الشباب عن انتحار معيد كلية العلوم في أسيوط بسبب الفقر وتخلي المجتمع عن مساعدته.
وكيف يمكن أن نقنع الشباب بحماية حقوقه كمواطن. وهو يقرأ في صحف الأسبوع الماضي حكم محكمة جنايات الجيزة علي معاون مباحث قسم الوراق وأمين الشرطة بالقسم بالسجن ثلاث سنوات لتعذيبهما المواطن عماد الكبير وهتك عرضه داخل قسم الشرطة.
وكيف يمكن أن يقرأ الشباب في الصحف القومية ما جري من اعتداء وحشي علي المواطن الشاب أحمد صابر في قسم العمرانية الاسبوع الماضي حتي لفظ أنفاسه ليقوموا بإلقاء جثته أمام رصيف القسم.
الشباب لا يمكن أن يقتنع بأنه يعيش الرخاء رغم أنه جائع لا يجد رغيف الخبز والشباب لا يمكن أن يقتنع بأنه مواطن له حقوق وواجبات.. مع إمكانية تعذيبه وهتك عرضه في أقسام الشرطة." انتهى كلام الدكتور
لطفي ناصف
.

من أجل هذا ولهذا... أرجو من جمهور النادي الأهلي ألا يزعلوا لهزيمة فريقهم المحبوب... أصل الحكاية ما تزعلش، فليس بميت إيلام.  

وعلى هذا أنا لم أحزن كثيرا على هزيمة النادي الأهلي لأنني كنت قرأت قبل المباراة بيوم ما جعلني أشعر بالحزن على أمر أهم وأجل. فقد قرأت ما كتبه الصحفي النابه محمود الزاهي في "المصري اليوم" عن أحوال قسم الهندسة النووية في جامعة الإسكندرية بمناسبة إعلان الرئيس مبارك عن دخول مصر عصر الطاقة النووية. وقد نقل الزاهي عن الدكتور عبد المحسن مرسي أستاذ الأمان النووي بالقسم الذي سبق أن عمل مفتشا بالوكالة الدولية للطاقة الذرية في الفترة من ١٩٩١وحتي ٢٠٠٣ والذي "يري أن نهضة القسم تتوقف علي سياسة الدولة إذ علي الرغم من أن الخريج يمكنه العمل في محطات القوي الكهربية العادية إلا أن عمله في مجال المحطات النووية هو الأساس وهو أمر غير متوافر حاليا وبالتالي يترتب عليه إحباط الطالب والخريج علي السواء.

ويؤكد الدكتور مرسي أن خريج القسم رغم ذلك علي درجة عالية من الكفاءة والدليل أن كل معيدي القسم تخطفهم أمريكا- علي حد قوله - ويدلل علي ذلك بأن القسم يرسل إثنين من طلابه سنويا لدراسة الدكتوراه لكنهم لا يعودون أو علي الأقل هناك ٧٠ %منهم لا يرجعون إلي مصر.

ويفسر ذلك بأن «المهندس النووي المصري في الوضع الحالي قد يقبل علي مضض العمل في محطة كهرباء لكن بعد أن يحصل علي الماجستير أو الدكتوراه من الخارج ما الذي يدفعه للعمل بتلك المحطات في الوقت الذي يجد فيه هناك العديد من المحطات النووية».

والقاسم المشترك في القصتين، أن الأمور تبعث على الحزن والإحباط في مؤسساتنا العلمية والجامعية في حين أننا مشغولون جدا بأداء النادي الأهلي، مع كل تقديري له وللقائمين عليه.

لهذا أقول إلى جمهور النادي الأهلي مرة أخرى: إنتم زعلانين ليه من أداء النادي الأهلي... أصل الهزيمة في الكرة ما تزعلش... هل يحزن الغريق بسبب البلل؟ هل يحزن الجائع لارتفاع أسعار السيارات الفارهة؟ إن أداء النادي أهلي كان أفضل كثيرا من أداء معظم مؤسساتنا الأخرى الأهم والأولى بالرعاية وبزيارة السادة المسؤولين.

وأتذكر مقالة قديمة للدكتور يوسف زيدان تحدث فيها عن الأوهام الضرورية والضروريات الوهمية التي أصبحنا نعيش فيها مثل الكورة ومسلسلات رمضان وتتبع أخبار الفنانين في حين أننا لا نهتم حتى بالتعرف على آخر أخبار العالم الذي نعيش فيه كأننا، كما يقول نصر القفاص، جالية مصرية تعيش في القاهرة أو شعب مصري شقيق يقيم بالصدفة على أرض مصر. ولكننا نهيج غضبا وفرحا لمباراة كرة هنا أو هناك.

وبالمناسبة إلى جمهور نادي الزمالك... ما تزعلش أصل الحكاية، والله، ما تزعلش. والكلام موصول إلى مشجعي كل الفرق الأخرى، ما تزعلوش أصل حكاية الكرة على بعضها ما تزعلش... وما يستحق الزعل فعلا هو حال مصر. إذا كنت تقابل في بلادنا الكثير من التخلف فذلك لأننا متخلفون أو متعايشون مع التخلف...وإذا قابلت فيها الكثير من الفساد فذلك لأننا فاسدون أو لأننا متعايشون مع الفاسد. وإذا كان كل هذا لا يستحق الزعل... يبقى فعلا... الحكاية كلها ما تزعلش...

وحتى لا يختلط الأمر علينا ويعتقد البعض أن هذا الكلام فيه دعوة للتشاؤم، فأنا أقول إنها على العكس دعوة للأمل والتبصر والعمل. فالمصريون على أربع فئات: أولئك الذين فقدوا القدرة على الإبصار (صم بكم عمي) كما وصفهم القرآن وهؤلاء لا يعملون حتى لمصلحة أنفسهم فهم لا فائدة ولا طائل منهم، هم عبء على المجتمع لأنهم اختاروا لأنفسهم ذلك هم الموتى بين أظهرنا. وهناك فريق ثان من البشر أغمضوا أعينهم اختيارا لأنهم بلا وعي وبلا حيلة وشغلتهم مشاكلهم الشخصية فأغلقوا أبوابهم على أنفسهم ورفعوا شعار "أهي عيشة والسلام" وهؤلاء غافلون بحاجة لمن يوقظهم لكنهم في تقديري ليسوا أولوية الآن، وهناك ثالثا فريق مبصر لكنهم لا يرون النور فهم حائرون وهم بحاجة بالفعل للفريق الرابع من أهل البصر والبصيرة الذين ينبغي أن يقوموا بدورهم كمثقفين (بفتح القاف) ومثقفين (بكسر القاف). وهذه الفئة الرابعة يحزنهم أن قومهم لا يعلمون لكن المهم ألا يفقدوا الأمل. وأتذكر مقولة لباحثة أمريكية متخصصة في الشرق الأوسط تقول فيها إن معظم مواطني المجتمعات العربية يتحدثون في الكرة بدلا من الكلام في السياسة وهو ما يليق بمجتمعات حلت مشاكلها الأساسية ثم تنتقل إلى الكماليات، لكن الكثير من أبناء مجتمعاتنا من التفاهة بحيث أصبحت الكرة عندهم من الأساسيات فنحزن لانتصار فريق هنا أو إصابة لاعب هناك، وتكون البطالة والإحباط العام وانتحار الشباب وهجرتهم عنها من الكماليات. فأنا من عشاق أبو تريكة لاعبا، ولكن حزني عليه مهما أصابه لن يزيد عن حزني على أي باحث موهوب نفقده في أي مجال من مجالات العلم.

إننا بحاجة لأن نكون أكثر علما وفكرا وثقافة، وقد قررت قرارا، أسأل الله أن يكون فيه ما يفيد برفع الثقافة العامة لمن يريد. فإذا كنا نعشق السمع، ولا نستمتع بالقراءة، فسأحاول، وأكرر أنني سأحاول، وأستعين بآخرين، كي نعرض أهم ما أنتجته المكتبة العربية من ثقافة وفكر وعلم في مجالات العلوم الاجتماعية والفلسفة والتاريخ من خلال ملفات صوت سأضعها على موقعي الشخصي وسأتركها مشاعا لمن يحب أن يفيد منها وسأبدأ بكتابات الثلاثة الأعظم من المعاصرين: العقاد والغزالي والزكي النجيب محمود، معذرة إلى ربنا ولعلهم يعلمون.

موقع هذا المشروع:  http://www.aladl.net/reading/index.htm

 

 

Hit Counter