|
هل أجمل ما فيها ماضيها؟
د. معتز بالله عبد الفتاح
كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة
www.aladl.net
السؤال عن مصر وعن أحوالها. هل أجمل ما فيها ماضيها؟ لقد تبادر لي هذا
السؤال وأنا أستمع لعدد من طلبة الثانوية العامة وأولياء أمورهم. لقد كان
حوارا مرهقا لي من الناحية النفسية والذهنية لأنني أقاوم الإحباط من أحوال
مصر قدر استطاعتي وأعلم أننا يمكن أن نلقي بأنفسنا في البحر بإذن الله
(وليس خروجا على إرادته) لكن الله ينجينا بإرادتنا وبجهدنا من أجل مستقبل
أفضل.
وعلينا أن ننشيء أنفسنا والآخرين على العمل الجاد من أجل مقاومة قوى التخلف
والفساد، وهي كثيرة ونشطة في الدولة والمجتمع. ولا أبالغ إذا قلت إنني قد
أصبت بالكثير من الضيق المفضي إلى الاحباط حينما خرجت من حواري غير المرتب
سلفا مع عدد من طلبة الثانوية العامة وأولياء أمورهم بالأمس القريب. إن
أسوأ ما في هذا الحوار هو النظرة السلبية للغاية التي يحملها شباب مصر
لمستقبل مصر. إن القضية ليست قضية امتحانات فقط وإنما هو مناخ عام يبعث على
القلق لأن الطلبة وذويهم يتعاملون مع العملية التعليمية بل ومع شئون مصر
وكأنها شيء عبثي قائم على اللامنطق والتعجيز من ناحية ومحاباة الأغنى
(الذين يستطعون تجنب الثانوية العامة وهمومها بالشهادات الأجنبية) والأقوى
الذي يمكن له أن يأخذ منشطات في صورة دروس خصوصية وأسئلة يمكن تسريبها
لعلية القوم.
إن مخاوفهم وشكواهم ليست نابعة من كسل أو بحث عن أعذار وإنما عن إحساس
بأنهم يدخلون سباقا غير عادل وقواعده مخترقة، إنهم يشعرون بالظلم حقا
والأباء توقفوا عن افتعال الأمل وارتشاف العطر من الورود البالستيكية. بل
إن الحديث عن خروج أوائل الثانوية العامة في السنوات الماضية من الأقاليم
أصبح عليه علامة استفهام عند المتحدثين معي. وحتى الجهود المحمودة التي
بذلها النائب العام ورجاله من أجل التحقيق في وقائع تسرب الامتحانات في
المنيا تلقاها هؤلاء بالكثير من الريبة
بمنطق لماذا الآن؟ ولماذا هذه السنة؟
إذا صدقنا الكتابات الأكاديمية عن قيم التقدم التي تحدث عنها
David
McClelland
منذ الستينيات
وما تتضمنه من ضرورة ثقة قطاع واسع من أفراد المجتمع في عدالة النظام
وإشاعته أجواء من المساواة واحترام القانون والمؤسسات، فإنني أقول بصدق أن
هذه القيم متآكلة بشدة بين قطاع واسع من المصريين بما يجعلنا أتساءل: هل
أجمل ما في مصر ماضيها؟ هل نحن ننحدر إلى أسفل؟ أنا أعلم أن الدولة تتحدث
عن انجازات اقتصادية وبنية تحتية، ولكن المشكلة أن الإنسان المصري يفقد
ثقته في مصر وفي المصريين؟ أليس من الشائع بيننا أننا من يصنع الفلوس وليست
الفلوس هي التي تصنعنا. إن هذه المقولة لها فلسفة تؤكد أننا حين نكون
أقوياء بقيمنا وقدراتنا الذهنية فإننا نستطيع أن ننتج الحضارة وندفع أنفسنا
إلى الأمام دفعا، أما إذا كانت معنا موارد هائلة ولكن النفوس ليست كبارا
فإن المال يتحول إلى أداة بطش وقهر وظلم نمارسه ضد بعضنا البعض.
مالك بن نبي تحدث بوضوح عن مجتمعات تنتج الحضارة وأخرى تستهلك الحضارة. إن
التقدم لا يعني استهلاكنا وتكديسنا لمخرجات الحضارة في صورة سلع استهلاكية
قادمة من أقطار العالم الأخرى. إنه مأزق شديد نجد أنفسنا فيه والمشكلة أن
الكثير من رجال الحزب
الوطني يبحثون جادين عن الجزء المملوء من الكوب دون أن يبذلوا ما يكفي من
جهد لتبين أسباب الجزء الفاضي من هذا الكوب.
وكما يقول المناطقة بضدها تتميز الأشياء، فأنا أقارن حواري مع طلبة
الثانوية العامة المصريين بعدة حوارات مع طلبة الـ
honors programs
أو برامج الطلبة المتفوقين في جامعات ولاية ميشجان الأمريكية. والهدف من
هذا البرناج في الأصل أن يرى صغار الشباب مجموعة من نماذج أستاذة الجامعة
والنشطاء في العمل الخيري والتطوعي كي يكونوا قدوة للشباب الأمريكيين من
ناحية وللإجابة على أسئلتهم من ناحية أخرى. وفي حواراتنا معهم يكون الطلاب
حريصين على التعرف على أسباب نجاح كل واحد من هؤلاء ونحن عادة لا نبخل
عليهم بالنصائح القائمة على اتقان العمل وبذل الجهد والخروج من دائرة
الراحة والاسترخاء لتجربة ما هو جديد ومبتكر، والحديث دائما عما يوفره
النظام التعليمي والاجتماعي والاقتصادي الأمريكي من فرص للشباب وكيف يمكن
لهم استغلاله. وهذا ليس بغريب، ففلسفة التعليم في المجتمعات الحية والناهضة
أن يقوم الأفضل أخلاقيا وعلميا بمهام تربية وتعليم الأجيال الصاعدة.
وحتى لا أطيل على القارىء الكريم، لقد رأيت المستقبل يصنع في قاعات النقاش
الأمريكية، ورأيت أمامي أن القطاع الأوسع من الشباب الأمريكي المتفوق في
ولاية ميشجان يسير على نفس نهج زملائي من الباحثين وأساتذة الجامعة من
احترام العلم والعلماء وتقدير الدور الذي تقوم به المدرسة والجامعة وكيف أن
مجهودهم مقدر ومحترم وكيف أن عدالة النظام ليست موضع تساؤل وأن نظرتهم
النقدية لمجتمعهم ونظامهم السياسي تهدف تحسين النظام وتطويره وليس الخروج
عليه وتدميره، ليس التعايش مع فساده، وليس تدميره وإنما إصلاحه.
وفي المقابل يبدو النظام التعليمي في مصر في عيون الكثير من الطلاب وأولياء
الأمور ككيان عبثي يحابي الأغنى والأقوى، وبدلا من احترام الأستاذ المعلم
القدوة وجدت نموذج نجيب الريحاني وهو يجيب على سؤال مدرب الكلب في فيلم
"غزل البنات" عن مهنته، فرد نجيب الريحاني: أنا بتاع علم، أنا بتاع كتب
بتهكم مصحوب بشعور باللاقيمة واللامعنى واللامنطق. هل أجمل مافيها ماضيها؟
إذا كان واقعنا لن يتغير بسبب تزوير الانتخابات
وملحقاتها، وإذا كان مستقبلنا لن
يتغير بسبب تسريب الامتحانات وملحقاتها؛ فهذا قطعا سؤال مشروع: هل أجمل ما
فيها ماضيها؟ |