الوفد، 11 ديسمبر 2007

عذرا سيادة رئيس الوزراء: اقرأ معي مشاكل مصر كما ترصدها صحيفة الحزب الوطني

د. معتز بالله عبد الفتاح

WWW.ALADL.NET

 شغلني كثيرا حوار كبار المسئولين بشأن مستقبل الدعم في مصر. ووجدتني شديد التعاطف مع السيد رئيس الوزراء تحديدا الذي يواجه معضلة بدت له اقتصادية في المقام الأول ترتبط أساسا بدعم المنتجات البترولية بمبلغ يصل إلى 36 مليار جنيه في موازنة عام 2007- 2008 وسيصل إلى أكثر من ذلك حتما في المستقبل مع الزيادة في أسعار البترول، فضلا عن 4.5 مليار جنيه لدعم رغيف الخبز.

ولا شك أنها شجاعة من السيد رئيس الوزراء أن يطرح هذه القضية الشائكة وألا يتعامل معها بمنطق التجاهل والتأجيل حتى يقضي مدته على خير أو أن يؤجل عمل اليوم إلى الغد.

بيد أنني لمست في كلام السيد رئيس الوزراء الكثير من التفكير بالتمني وعدم تقدير لواقع القيم الحاكمة للمجتمع المصري الآن. فقد ذكر السيد رئيس الوزراء أن هناك ارتفاعا في متوسط استهلاك الفرد المصري لكنه أشار أيضا إلى أن "المقولة التي تثار حول سوء حالة الشعب ليست حقيقية وما يحدث من تخوفات داخل المجتمع تأتي من أفكار سائدة تتمثل في أزمة ثقة فقط وحلها يكمن في عدم الاستسلام وتغيير نمط الحياة في مصر." وفي مقام آخر قال السيد رئيس الوزراء بشأن فكرة أن يتقدم المواطنون الفقراء للحصول على الدعم النقدي وأن من سيتقدم هم فقط الفقراء ولن يكون بينهم نصابون أو محتالون ونسب إليه قوله: "أنا أراهن على مروءة الشعب المصري الذي يحرص دائما على أن يفسح الطريق لأخيه غير القادر."

بدا لي من كلام السيد رئيس الوزراء أنه بحاجة لمعجزة تحل المعضلة: فمن ناحية هناك أزمة ثقة وهو كلام حق لا شبهة فيه، ولكن نفس هؤلاء الذين لا يثقون في الحكومة أو في بعضهم البعض سيكونون مطالبين بالتصرف على نحو من المروءة بحيث لا يكون بين المواطنين من يحصل على دعم لا يستحقه أو يتاجر به في السوق السوداء. وهو أمل جميل لكنه يضع العبء الأكبر على مروءة المواطن المصري وإحساسه بالتكافل مع أخيه المواطن دون أن توضح كيف ستحل هذه المروءة الفساد الإداري المفضي إلى هذه الحالة من هشاشة الدولة ورخاوتها. وحتى لا أكون مبالغا أو معتمدا على مصادر تستغل السقطات الحكومية من أجل تشويه إنجازات الحكومة فقد قررت أن أعتمد بالأساس على صحيفة الحزب الوطني وهي "الوطني اليوم" حتى أحيد تماما تأثير الصراعات السياسية والدعاية الحزبية ضد الحزب الحاكم. وعليه فقد رجعت إلى العدد 80 الصادر بتاريخ 11 ديسمبر 2007 على أمل ألا أقع فريسة للمبالغات التي قد تسوقها الأحزاب الأخرى في صحفها.

وقد رصدت من تحقيقات ومقالات الرأي في صحيفة الحزب الوطني ما يجعلني ألفت نظر السيد رئيس الوزراء الحالي والقادم إلى أن العوامل غير الاقتصادية التي تؤدي إلى الاختلالات الاقتصادية لم تزل قائمة وأن علاج المسألة على أساس أنها مسألة "فلوس واستثمارات" من ناحية و"ثقة ومروءة" من ناحية أخرى، تعد اختزالا لن يخدم الوطن في شيء. وها هي بعض الأمثلة لبعض الاختلالات والأمثلة الدالة عليها من صحيفة الحزب الوطني.

أولا خلل في الفعالية والكفاءة:

والمصطلحان يأتيان من علم الإدارة، فالأول، أي الفعالية، يعني أن تنجح المؤسسة أو الدولة في تحقيق الهدف المطلوب. والثاني، أي الكفاءة، يقتضي أن تحقق الهدف المطلوب بأقل تكلفة ممكنة سواء مالية أو زمنية. فلو بنى شخصان مدرستين متطابقتين يكونان قد حققا الشق الخاص بالفعالية ولكن لو أنجز أحدهما المطلوب في ضعف الزمن الذي احتاجه الثاني تكون هناك مشكلة كبيرة في كفاءة استخدام الوقت. 

وبالعودة إلى صحيقة الحزب الوطني يتبين المرء أن هناك خللا كبيرا في إدارة الحكومة لشئون مصر. فمثلا يقول أحد التقارير: "إهدار 6 مليارات جنيها سنويا بسبب حوداث الطرق" وفيه يستند أحد نواب مجلس الشعب إلى تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات والذي يؤكد أن هناك تزايدا في "معدلات الحوادث المرورية وصلت إلى 40% سنويا، ما بين 8 آلاف قتيل ومصاب سنويا." وهو رقم مهول يبلغ ضعف من ماتوا في أحداث الحادي عشر من سبتمبر كما أنها تكلفة تزيد كثيرا على ما تقدمه الدولة لدعم الخبز. والأمر يمتد كذلك إلى أهل العلم، حيث يوجد إهدار شديد لمواردنا البشرية حيث يقول خبر آخر: "النشائي مشرفا على تطوير البحث العلمي بجامعة الملك سعود" وتشير تفاصيل الخبر إلى إن احتفالية علمية كبيرة قد شهدت توقيع بروتوكول بين العالم المصري المرموق د. محمد النشائي وبين جامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية. ويهدف هذا البروتوكول إلى "دفع عملية البحث العلمي والشهادات العليا حتى تتفوق جامعة الملك سعود على الجامعات الأوروبية والأمريكية." وسيكون ذلك بالتعاون مع أستاذ آخر حائز على جائزة نوبل. وقد تبادر لذهني السؤال التالي: لماذا لم يكن هذا التوقيع بين جامعة مصرية يعمل فيها العالم الكبير والجامعة السعودية؟ ربما لأن العالم المصري الكبير لا يعمل في أي جامعة مصرية بحكم أن القانون واللوائح لا تسمح بذلك أو لأنه لا توجد جامعة مصرية تهتم بأن ينتمي إليها عالم كبير تحتاجه جامعات العالم الأخرى (هذه أزمة كفاءة إدارة الموارد البشري). ألم يكن من الأولى أن تتقدم إحدى الجامعات المصرية بخبراتها البشرية لتتعاون مع الجامعة السعودية بإمكاناتها المالية؟  

ولكنني لم أحتج أن أفكر طويلا حيث إنني قرأت خبرا آخر يجيب جزئيا على سؤالي السابق والذي يقول إن السيد رئيس لجنة التعليم بمجلس الشعب أعلن عن أنه "لا يرضى عن اعتصام أساتذة الجامعات أمام مجلس الشعب لذا تم الإسراع بعقد اجتماع اللجنة حتى يتحدث أساتذة الجامعة عن مشكلاتهم من أعلى أماكنهم" ثم قال "قبل أن تلزم الأستاذ الجامعي بالتفرغ لطلابه والأداء الجيد تجاههم يجب أن توفر له احتياجاته." وهنا فهمت أن الجزء الأكبر من أزمة الكفاءة في إدارة الموارد ترتبط بما هو أعقد من كل ذلك. حيث يشكو كاتب رأي آخر في صحيفة الحزب الوطني من أن محافظة القاهرة التي تنوي إنشاء 50 أو 60 دورة مياه في أماكن مختلفة لم تنجح في إدارة ما بنت بالفعل. ويحكي تجربته الشخصية حين استخدم إحداها في واحد من أهم ميادين مصر وتبين له أنها معيبة لما أدت إليه من "ضيق في التنفس وإحساس بالغثيان من الرائحة الكريهة فضلا عن القذارة المتراكمة.. " ثم يتساءل الكاتب: "هل هذا قصور إمكانيات... لا والله إنه قصور في التفكير .. إن المشكلة في القائمين على العمل وعدم الانتماء لهذا البلد."

واستمرت الصحيفة، أكرر، الناطقة باسم الحزب الحاكم، في تقديم الأدلة على ضعف الكفاءة وتواضع الفعالية حيث يقول الدكتور يونان لبيت رزق في صدد تحيته لما هو محتمل أن يؤدي إليه قانون البناء الموحد من نتائج عن أن "عدد القوانين التي تنظم عالم البناء الآن 21 قانونا ويلزم إصدار ترخيص البناء – على حد قول وزير الإسكان والتعمير – نحو 30 إجراء مما يتيح للعاملين فرصا متعددة للفساد والإفساد. "

وفي خبر آخر هناك "3 مليارات جنيه مهددة بالضياع بسبب تعسف لجنة التخطيط الدوائية حيث ترفض الإدارة العامة لشئون الصيدليات التابعة لوزراة الصحة والسكان السماح بإنتاج منتجات جديدة... وذلك نتيجة إغلاق عدد من المصانع لأبوابها بينما ينتظر نحو 140 مصنعا تفعيل قرارات الوزير حتى تبدأ الدخول في عمليات التطوير اللازمة لمنافسة الشركات الأجنبية التي بدأت تقتحم السوق الآن"

إذن ما سبق يكشف عن الحاجة لأن نساءل المسئولين عما اتخذوه من قرارات بما أدى إلى هذه النتائج السلبية، لكن المشكلة أننا نواجه خللا آخر في المساءلة كذلك بما يضيع معه أي معنى للعدالة الاجتماعية التي يقول بها جمال مبارك حيث يصرح: "الأعلى للسياسات يناقش قضية العدالة الاجتماعية بحضور نظيف."

ثانيا خلل في المساءلة والعدالة:

قد قدمت الصحيفة الناطقة باسم الحزب الحاكم عدة مؤشرات على أننا نعاني خللا في المساءلة والعدالة فحول قضية اعتصام موظفي الضرائب العقارية، تشير الصحيفة أن عددا من نواب مجلس الشعب أكدوا "أن الوزراء يركبون سيارات مرسيدس سوداء وأن هناك من يتقاضى راتبه بمليون جنيه وهناك من يقبض 200 جنيه راتبا شهريا." وهذا يطرح العديد من الأسئلة على معنى العدالة المقصودة في الخطاب الرسمي للحزب الحاكم.

هل الإطار المرجعي للعدالة الاجتماعية هو القيم والممارسات الإسلامية الأولى؟ إن كان ذلك كذلك فقد أوضح عمر منهج الإسلام وطبقه حين سأل أحد ولاته "لو جاء لك سارق ماذا تفعل؟ قال أقطع يده، قال عمر، ولو جاءني جائع لقطعت يدك..."

إذا كانت مصر فقيرة فإن الفقر ينبغي أن يظهر أول ما يظهر على أولئك المتحدثين عن العدالة والمطالبين بالاتصاف بها. وقد مارسها عمر بن عبد العزيز الذي علم أن ابنه اشترى خاتما بألف درهم فأمره أن يبيعه وأن يوزع ثمنه على الفقراء وأن يشتري خاتما من حديد ويكتب عليه "رحم الله امرأ عرف قدر نفسه." هل هذا ما ينوي أن يفعله دعاة العدالة الاجتماعية في الحزب الوطني؟ ربما يقصدون المرجعية الغربية. لا بأس، إذا كان الإطار المرجعي للعدالة الاجتماعية في الحزب الوطني هو الإطار الليبرالي، إذن فهؤلاء ربما يعنون عدالة توماس جرين الذي تحدث عن الوظيفة التمكينية للدولة أي وظيفة الدولة أن تمكن مواطنيها لأن يحيوا حياة أفضل وإن لم تفعل فعليها الرحيل لأنها أخلت بالعقد الذي وقعته مع مواطنيها عن طريق انتخابات حرة نزيهة وتداول سلمي للسلطة. وربما يكونون أكثر تقدما في فهمهم للعدالة بأن يتبنوا نظرية جون رولز في العدالة والتي يسير على نهجها كثير من الديمقراطيين الاجتماعيين في دول الغرب والذي يضع حدا أدنى من الحياة الكريمة، وليس حدا أقصى من الإنفاق عليها، لجميع مواطنيها في شكل علاج وتعليم وطعام قبل أن تشرع في الإنفاق على ما هو بذخي وترفيهي.

 وقد رصدت في كتابي عن "الوظيفة الاقتصادية للدولة" ما تذكره العديد من الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية التي تتبنى العدالة الاجتماعية بحق مقولة أفلاطون الشهيرة أن أغنى أغنياء الجمهورية لا ينبغي أن يكون أكثر غنى من أفقر الفقراء إلا بنسبة 4 إلى 1. ورغما عن استحالة هذا في الواقع المعاصر، إلا أن الخلل الموجود في توزيع الثروات في مصر يؤكد أن الحديث عن العدالة الاجتماعية لم يزل جزءا من البضاعة الانتخابية أو الآمال التي لم تؤخذ بجدية بعد. أتصور أن المصريين سيعتقدون في العدالة إن وجدوا المتحدثين عن العدالة أكثر استعدادا للمعاناة في سبيلها من مجرد الحديث عنها.

ويبدو الخلل في المساءلة واضحا كذلك في التقريرين الذين يتناولان قضيتي مجازر اللحوم والمسابك التي تلوث هواء القاهرة. فتحت عنوان "98% من المجازر غير صالحة" تقول صحيفة الحزب الوطني: "رفضت استراليا تصدير الخراف الحية إلى مصر بسبب سوء المجازر وذبح الحيوانات بطريقة غير سلمية ومعاملة الحيوانات بطريقة سيئة." ويقول أحد أساتذة الطب البيطري بجامعة عين شمس: " يوجد في مصر 327 مجزرا منها 9 مجازر فقط آلية وبقية المجازر تعتبر من أهم مصادر تلوث اللحوم المذبوحة..." وفي التحقيق تفاصيل كثيرة تقول في بعضها إن عدد الميكروبات في جرام الكبدة بعد 5 ساعات من الذبح يصل إلى 26 مليون ميكروب في المخ وإلى حوالي 97 مليون."

وفي نفس الصفحة "مسابك وحرائق تهدد قلب القاهرة" ويؤكد رئيس المجلس المحلي لمنشأة ناصر وأمين الحزب الوطني أن مسابك عزبة العرب هي السبب الأساسي للسحابة السوداء في مصر فأصحاب المسابك يعملون يوميا بعد الساعة الخامسة مساء حتى يكونوا بعيدين عن رقابة الحي."وتفاصيل مشابهة عن التلوث في الحي العاشر، وشبرا الخيمة وأطلس وصقر قريش والنزهة، وحلوان. والتقريران يؤكدان أن هناك العديد من القرارات التي اتخذت بشأن كل هذه القضايا ولكن أحدا لا ينفذ.

ومما يثير التأمل أن صحيفة الحزب تقول إن "إعلام الشائعات الأسود يتجاهل الحقائق" وأن "نشر الأخبار الكاذبة أصاب المواطنين بالإحباط واليأس." وأظن أن بعض هذه الشائعات لها نصيب من الواقع بدليل أن صحيفة الحزب تنشر كلاما مشابها. المهم أن الرسالة واضحة إلى السيد رئيس الوزراء: مشاكل مصر كثيرة جدا، لكن حلها واحد: قيادة جديدة تجمع بين المصداقية والمؤسسية. ليس تجديد القديم، وإنما بداية جديدة بعقلية مختلفة ومصداقية حقيقية. وما ذلك على الله بعزيز.