|
تفقهوا قبل أن تسودوا د. معتز بالله عبد الفتاح كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة هل تتذكرون المقالة التي قلت فيها إننا بحاجة إلى رئيس وزراء آخر يقوم بمهام التنمية الإنسانية وبإعداد الإنسان المصري للقيام بمهام النهضة بالإضافة إلى رئيس وزراء البنية التحتية الذي يتابع مهام البناء والتشييد وتعبيد الطرق وغيرها؟ وأنا بطبيعة الحال لم أكن أقصد أن يكون لدى مصر رئيسان للوزراء، كما قد يكون فهم بعض القراء الأفاضل الذين لم يبخلوا علي بتعلقياتهم. وإنما قصدت أن ألفت الانتباه إلى أهمية قضية بناء الثقة في الحكومة وفي توعية الإنسان المصري حتى لا ينتهي بالحكومة كما لو أنها تبني مصر رغما عن أنف الإنسان المصري وليس بالتأكيد على دوره والتأكد من تعاطفه مع أولويات الوطن كما صاغتها الحكومة التي اختارها لتقود الوطن. وهو ما يجعلني أؤكد على هذه الكلمة العظيمة التي قال بها عمرو بن الخطاب: "تفقهوا قبل أن تسودوا" أي تعلموا واستعدوا قبل أن تتولوا مسئولية لستم على استعداد لها. والغريب أن فكرة الأحزاب السياسية الغربية ولجانها المتنوعة قامت على مبدأ مشابه. فمن هو الشخص الذي سيتولى وزراة الزراعة في الحكومة القادمة في بريطانيا مثلا؟ هو شخص ظل لفترة طويلة نسبيا عضوا في لجنة الأغذية والزراعة داخل أي من الحزبين الكبيرين، أو هو حاكم لمنطقة نجح في أن يحقق فيها معدلات أداء زراعي مرتفع على نحو يجعله "فقه" قبل أن "يسود." فكي تتولى موقع القيادة لا بد أن تكون مؤهلا لها عارفا بالقواعد المؤسسية التي تحكمها. إن جزءا من معضلة التنمية في بلدنا أن مصر تفتقر كما قلت من قبل للقيادة ذات المصداقية القادرة على إلهاب حماس الناس للعمل من أجل وطن يعيشون له وفيه كما أنها تفتقد للمؤسسية التي تضمن لقواعد الحكم وأحكام القانون أن تكون فوق الأشخاص أينما كانوا. لكننا هنا بحاجة للحذر كل الحذر. فكما قال أرسطو من قبل إن الفضيلة وسط بين رذيلتين مثلما الشجاعة وسط بين التهور والجبن، فهذه الخلطة بين القيادة والمؤسسية لا ينبغي أن تعطي لأي منهما وزنا يسحق الآخر. فالمبالغة في عبادة القيادة لها خطايها. فالقيادة الكاريزمية، أي التي يعتقد تابعوها أنها قيادة ملهمة، تحمل عبئا عاطفيا يعطل العقل عن ممارسة دوره شأنها في هذا شأن العشق الذي يجعل العاشق غير قادر على النظر إلى سلبيات معشوقه بل ومستعدا لتبرير أخطائها مهما بلغت خطاياه، وهو ما يجعل عظماء أحترم عقولهم يفقون مبررين جراءم ارتكبت في عهد عبد الناصر لأنهم تعاطفوا مع الرجل وتوحدوا مع شخصه، وهو ما كانوا ليبرروه لو كان الفاعل غيره. كما أن المبالغة في الالتزام بالقواعد الروتينية في إدارة العمل الحكومي تقتل الإبداع وتجعل الدولة مشلولة حتى في مواجهة أبسط المشاكل انتظارا للموظف المختصة أو لقرارت عدة لجان انبثقت عن بعضها البعض. فيحنما ضرب الكساد العالمي مجتمعات الغرب، لم تكن القواعد الروتينية والقوانين الموروثة قادرة على حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المترتبة لعيه، وإنما ظهرت شخصية مثل الرئيس روزفلت كقيادة قدمت حلولا غير تقليدية أعطت للحكومة الفيدرالية صلاحيات هائلة للتدخل من أجل تنشيط عجلة الاقتصاد مرة أخرى. وعليه فالقيادة تعني ثلاثا: الرؤية والتخطيط وتحمل المسؤولية. والمؤسسية تعني ثلاثا: حكم القانون، والشفافية، والمساءلة. ولايكون الحكم الرشيد إلا بتفاعل الجوانب الثلاثة للقيادة مع مقومات العمل المؤسسي الثلاثة. فلا بد أن تكون الرؤية التي تحملها القيادة في حدود ما يسمح به القانون، ولا بد أن يكون التخطيط من أجل الصالح العام وليس من أجل مصالح ضيقة وهو ما لا يستقر إلا بالشفافية المطلقة بما في ذلك التعرف على من قال ماذا وفي أي مناسبة وإعلان مثل هذه المناقشات التي يترتب عليها حسن استغلال أو تبديد موارد الدولة في محاضر رسمية يوقع عليها المشاركون وتوضع على مواقع الانترنت للجهات الحكومية حتى يتعرف الرأي العام على من يعبث بمقدرات مصر ومن يجيد خدمتها، والقيادة تعني تحمل المسؤولية وتقبل المساءلة. والأمر ليس بدعا، نحن بحاجة لابتكاره. بل إن تجارب النهضة والتنمية والتقدم في دول العالم المختلفة تؤكد على صدق هذا التحليل. فبعد أن انتخب الرئيس الأمريكي جورج واشنطن لرئاسة الولايات المتحدة، عاد إلى مزرعته المحببة إلى قلبه في غرب فيرجينيا. وظل الكونجرس في مقره المؤقت في نيويورك. وكانت الاتصالات من الصعوبة بحيث قرر الكونجرس أن الرئيس الأمريكي لا بد أن يعيش في نيويورك. وثار الجدل بين أنصار الرئيس وأنصار الكونجرس. وهنا بدت قيادة جورج واشنطن الذي كان يمكن أن يستبد بالكونجرس وأن يحله أو أن يستخدم الجيش العاشق له كبطل للتحرير والاستقرار في قمعه كما هي تقاليد الكثير من المجتمعات المتخلفة. لكنه أذاع بين أنصاره أن "رئيس الولايات المتحدة يقيم حيث يقرر ممثلو شعب الولايات المتحدة." وعليه انتقل إلى نيويورك يعيش فيها دون أن يشعر بامتهان أو هزيمة. وهذه هي القيادة الحقيقية، هي لا تنتصر لمعارك هلامية يبدو فيها المكسب الحال أهم كثيرا من الخسائر المحتملة من باب أن الرئيس واشنطن لا يقبل لي الذراع على نمط حكام الدول المتخلفة. ومن هنا أعطى للكونجرس الناشيء مصداقيته ومكانته التي لم تزل ضاربة في الحياة السياسية الأمريكية. ولو كان حله أو تجاهل طلبه لتحول الكونجرس لواحد من المجالس التي نتجادل بشأن مدى "انبطاحها". هل منبطحة تماما؟ أم أنها منبطحة جزئيا؟ وما هي زاوية الانبطاح؟ نقاشات ساذجة تؤكد أن هناك مشكلة لكنها أبدا لا تحل المشكلة. وعليه فالواقع المصري يؤكد أن مصر ما بعد الثورة لم تكن محظوظة في نوعية القيادات التي تولتها ولا في بنية المؤسسات التي أنشأتها. وتثير شجوني الخطوط الحمراء التي يكتبها الأستاذ سليمان جودة عن إهدار الموارد في مشروعات لم تأخذ نصيبها من دراسة، أو أخذت، ولكنها أصيب بفيروس التراخي عند التنفيذ بما في ذلك المشرعات الكبرى كفوسفات أبي طرطور، والساحل الشمالي، ومدينة 6 أكتوبر، ومدينة السادات، وتوشكى. والرجل يقرر بلسان الصحفي المحترف أن " أن حياتنا في المدن الجديدة، وفي غير المدن الجديدة، تحكمها الصدفة المحضة.. فلا تخطيط، ولا تدبير، ولا تصميم، و لا يحزنون." وهذا دليل ملموس على غياب القيادة (رؤية وتخطيطا واستعدادا للالتزام بالمسؤولية) وعلى غياب المؤسسية (التزاما بالقانون والشفافية والمساءلة). ومما قرأت أن الساحل الشمالي بطول 1700 كم ومساحة تقدر بـ 72 ألف كيلو متر مربع (مع ملاحظة أن المصريين يقطنون الآن حوالي 40 ألف كيلو متر مربع) كان يمكن أن يكون أشبه بنظيره في دولة مثل تونس حيث يكون نقلة كبيرة لأعداد مهولة من المصريين إلى مدن حقيقية شبيهة بالأسكندرية بدلا من منتجعات ترفيهية تستغل لمدة ثلاثة أشهر ثم تغلق بلا قيمة اقتصادية أو اجتماعية مضافة. والطريف أن السيد رئيس الوزراء يشتكي من أن المواطن المصري مسرف في استخدام المياه النقية حيث "يرش بها العربيات." ماذا عن المليارين من الجنيهات التي "رشت" بهما الحكومة على الساحل الشمالي والمليارات الخمسة في توشكى؟ لو أحسنت مؤسسات الدولة محاسبة المسؤول عن المليارات الضائعة في مشروعات خاطئة لحاسبت نفس هذه المؤسسات من يخطأ منهم في رش المياه على العربيات. سألني صديق: هل تعتقد أن مصر يمكن أن تنهض وتتقدم؟ والإجابة عندي تقع في إطار العلم وليست في إطار الأيديولوجيا. فأنا أرفض تماما النظرات الاتكالية المبالغة في الاستكانة والتي تؤكد على أن "أجمل ما في مصر ماضيها" وأنه "لا نهضة بعد الآن" و"على الشاطر أن يفر من السفينة قبل أن تغرق." وأرفض كذلك النظرة المثالية المقابلة والتي ترى أن النهضة قادمة لا محالة، كل الحكاية الصبر الذي هو مفتاح الفرج. لا هذا من العلم ولا ذلك. إنما العلم يقول إن كتالوج التقدم في الكون واحد، تفاصيله قد تتباين هنا أو هناك لكنه في خطوطه العامة واحد وأن أساتذة التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المصريين يملاءون الأفاق دارسين ومدرسين باحثين ومعلمين لكنهم غرباء في أوطانهم حتى وإن عاشوا فيه لأنهم بعيدون عن مراكز صنع القرار سواء داخل الأحزاب أو داخل أروقة الحكم. إن العلم يقول إن العالم تم اكتشافه والعجلة اخترعت وتجارب التقدم والتخلف يعرف أهل الاختصاص تفاصيلها لكن من يحكمونننا ليسوا بالضرورة من أهل الاختصاص هؤلاء، كما أن بعضهم يصلح للحديث عن تجارب الآخرين لكنه ليس مؤهلا للجمع بين صفتي القيادة والمؤسسية. هم أهل "تمام يا أفندم" و"مش عاوزين مشاكل" و"خلينا نقضي مدتنا على خير." وهؤلاء ليس لهم من خصائص القيادة أي شيء. فهم أهل إنكار المشاكل، والبحث في تجارب المجتمعات الأخرى، ليس عما يفيدهم وإنما عما يبررون به تقصيرهم. وسأذكر مثالا لتعامل مهاتير محمد، رئيس الوزراء الماليزي، مع مشاكل المالاي (والذين كانوا الأغلبية الأفقر في ماليزيا)، حيث كان هؤلاء يعانون تمييزا واضحا ضدهم وضعفا شديدا في بنيتهم التعليمية وفي فرص العمل المتاحة لهم. لقد واجه الرجل المشكلة بشجاعة وبكل شفافية حيث قرر توجيه جزء أكبر من أموال الدولة لتعليم هؤلاء وتوفير فرص عمل لهم بما أدى إلى تراجع نسبة الفقراء من 32% في عام 1981 حين تولى حكم ماليزيا إلى حوالي 5% في عام 2003، بل إنه استصدر قانونا يجعل كل صاحب عقار يؤجر أو يبيع 10% من عقاره للمالاي حتى يقضي على فكرة الانقسامات الجغرافية التي يمكن أن تهدد بنية المجتمع، فلا ينبغي أن تكون أحياء للملاي وأخرى للهنود وثالثة للصينين. وهذه أفكار كتبها الرجل في كتاب له بعنوان "مأزق الملاي" في عام 1970 أي قبل أن يتولى الحكم بأحد عشر عاما. وهذا ما فعلته الصين حينما وضعت قيودا على عدد الأطفال التي يمكن أن تنجبهم كل أسرة وبدأ أعضاء الحكومة والحزب الحاكم بأنفسهم، ولم يكتفوا بمناشدة الجماهير أن تكف عن الإنجاب أو جعلوا من الزيادة السكانية مبررا لتفاقم كافة المشاكل. وهي قضايا في منتهى الحساسية، لكنهم قادة يحكمون مجتمعات بقواعد مؤسسية تنطبق على الجميع. هي قيادة فقهت المجتمع الذي تعيش فيه واستعدت لأعباء ما بعد الحكم وأحسنت البناء. هل مصر قادرة على ذلك؟ نعم. إن الشروط الموضوعية للنهضة موجودة في مصر، وهي مسألة استقراء من الواقع المعاش وليس مسألة استنباط من ماض عظيم أو حلم جميل. ويكفي أن أشير إلى استجابة الإنسان المصري لحملة التوعية بقانون الضرائب الجديد وهذه الحملة كانت بحق مثالا جيدا للابتكار والالتزام من أشخاص عرفوا كيف يخاطبون الإنسان المصري أكثر من أن يقفوا منه موقف الخصم، احترموا عقله وأعطوه الثقة في نفسه، فبادلهم التزاما بالتزام. إن مصر في وضعها الحالي كسيارة سعيد صالح التي كل حتة فيها لوحدها تنتظر القيادة البارعة التي تنشيء المؤسسات القادرة على ربط وتشبيك مكوناتها. وهو التحدي الرئيسي الذي ستواجهه مصر في مرحلة ما بعد الرئيس مبارك. والذي أرى أن قيادات الأحزاب الرئيسية لا بد أن تعمل له من الآن. هذه مرحلة الاستعداد قبل مرحلة السيادة وصدق الله العظيم إذ قال: "أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم". |