من هو الشيخ متولي الشعراوي؟
|
الوفد |
22 يوليو 2008 |
د. معتز بالله عبد الفتاح
أستاذ العلوم السياسية، جامعة ميشجان بالولايات المتحدة
شاء قدر الله أن أتواجد يوم الثلاثاء الماضي في بيتي بالقاهرة وأن أشاهد برنامج
للأستاذ محمود فوزي، وهو رجل ترك انطباعا رائعا عندي منذ أن حاورني وغيري من أوائل
الثانوية العامة في سنة 1989 لمجلة أكتوبر على ما أتذكر. المهم وجدته يتحدث مع
الدكتور حسن راتب الذي لم أكن أعرف عنه الكثير قبل هذا البرنامج. وكان موضوع الحوار
عن الشيخ محمد متولي الشعراوي، رحمة الله عليه. وهي حلقة لمست وطرا حساسا عندي بل
سأظل أتذكرها وأذكر بعض تفصيلاتها لأنها قدمت لي دليلا متجددا عن الله الخالق الذي
يخلق في كل لحظة ويرقب الكون في كل وقت الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولانوم.
وسأبدأ بملخص القصة التي جعلتني أنادي مسرعا على زوجتي كي تستمع إليها والتي أخرجت
الدموع من عيني اعترافا بعظمة الخالق ورجاء بأن يغفر لي سوء تقديري له سبحانه، على
نحو ما سأفصل.
ملخص القصة كما رواها الدكتور حسن راتب تقول إنه تعرف إلى الشيخ الشعراوي في جلسة
جمعته مع أصدقاء وسأله سؤالا عن الربا وربطه بقضية التضخم حيث تفقد النقود قدرتها
الشرائية إذا ما أقرضت دون فائدة. وكان رد الشيخ الشعراوي عنيفا على غير توقع
الدكتور راتب فترك أثرا سلبيا في نفسه حتى أنه قرر ألا يشاهد برامج الشيخ بل حتى
يتجنب الاستجابة لطلب الشيخ للقائه. وتمر الأيام ويرزق الله الدكتور راتب ابنا ما
لبث أن أصابه مرض فيدعو الله له بالشفاء ويتصدق حتى يشفي الله المريض بالصدقة. وتمر
الأيام ويجلس الدكتور راتب مع زوجته ومعهما الطفل المريض، وفي لحظة من يقظة يرى
الدكتور راتب الشيخ الشعراوي داخلا عليه الغرفة ويحمل بين يديه ابنه المريض. ويحاول
أن ينبه الرجل زوجته لمقدم الشيخ فيختفي الشيخ من أمام عينيه. وتفسر الزوجة ما رآه
زوجها من أنه قد غفى وفي غفوته رأى ما تمنى.
يقول الدكتور راتب، وما كان إلا أن تحرك الطفل وبدأ يطلب الطعام، وأما وقد طعم،
فبدأ يشفى، وأما قد شفي فقد قرر الدكتور راتب أن يعتمر شكرا لله على نعمة أنعمها
عليه، وما أكثرها من نعم لكننا مشغولون بالنعم عن المنعم.
وأثناء وجوده في العمرة يلتقي مع نفس الصديق الذي عرفه بالشيخ الشعراوي والذي كان
موجودا في العمرة أيضا. ويلح الصديق على الدكتور راتب في أن يذهب معه إلى الشيخ
الشعراوي، وقد كان. وما من الشيخ إلا أن يحدث الدكتور راتب، فيذكر الصديق للشيخ
الشعراوي بأن الدكتور راتب فيه شيء من الضيق لما قاله الشيخ له وفي حقه عند لقائهما
الأول. فما كان من الشيخ إلا أن قال للصديق"إطلع منها إنت، أنا زرته وصالحته." هنا
يروي الدكتور راتب أنه هرول للشيخ وقبل يده، وقال له وحملت إبني أيضا. فقال الشيخ
الشعراوي ما معناه "نعم وكيف حاله الآن؟"
هنا تنتهي القصة كما سمعتها من الدكتور راتب وهنا يبدأ دوري أنا لأقول أنني صدقت ما
قاله الرجل سواء في هذه القصة أو في غيرها من روايات أخرى عن الشيخ الجليل وتذكرت
ما رواه الشيخ نفسه عن بعض ما بينه وبين الله من علاقة فيها الكثير من الخصوصية.
والسؤال لماذا أروي أنا هذه القصة؟ لأنني بعد شيء من التأمل اكتشفت أنني ما قدرت
الله حق قدره؛ فقد وضعت الله، بقصر في نظري، في منزلة من ترك الكون لقوانين صارمة
وهو يراقب ما نفعله في هذا الكون كرد فعل على هذه القوانين التي نعرفها استنباطا من
كتبه المقدسة أو استقراءا من العلوم المختلفة. لكنني كنت مخطأ.
ودعوني أوضح ابتداء أن الناس في علاقتهم بالله على خمسة أحوال. فهناك الملحد الكافر
بوجود الله أصلا بمنطق أن هذه هي حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر،
وهناك ثانيا المؤمن بالله ولكنه يشرك به شرك الإلوهية بأن يعبد معه آلهة من الأشياء
أو الأشخاص تقربه إلى الله زلفى وهناك ثالثا من يؤمنون بالله إلها واحدا لا شريك له
في الألوهية ولكنهم يشركون به أندادا من فتن الدنيا يحبونها كحب الله، كأن يحب
الإنسان المال أو الجاه أو السلطان. وهناك رابعا من يؤمن بالله إيمانه بصانع الكون
الذي تركه لأسباب وقوانين تركها تعمل كما يصنع صانع الساعة ساعته ويتركها تسير وفقا
لمنظومة قد حددها، وهذا ما كنت عليه قبل أن أشاهد هذا البرنامج. لكن هناك المنزلة
الخامسة وهي المنزلة الأعلى والتي أظن أن الشيخ كان عليها، وهي منزلة المعية مع
الله، أي منزلة اليقين أن الله في كل لحظة يخلق، في كل لحظة يدبر، في كل لحظة يسمع
وينصت ويقبض ويبسط ويعز ويذل ويعطي ويمنع. إن الله في كل مكان، ليس بعلمه فقط كي
يحاسبنا على ما نفعل، ولكن هو في كل مكان بقدرته ومشيئته ورحمته وتقديره وتدبيره
سبحانه سبحانه لا نحصى ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.
قيل إن الشيخ حين كان وزيرا للأوقاف سئل لماذا لا تهتم الصحف والتليفزيون بأخباره
كما تهتم بأخبار الوزراء الآخرين فقال: "اللي عملناها له علم بها" أي أن الشيخ يعمل
ما يعمل لله، فإن كان هذا العمل لله حقا، فقد علمه سبحانه، وإن لم يكن لله فماذا
يفيده أن يعلم به الناس.
هل هذا ما يقال عنه "علم ينتفع به" يكون صدقة جارية لصاحبه؟ أظن كذلك. رحم الله
الشيخ، وكل الشكر لمن حملوا تراث الرجل وحافظوا عليه. ولو أمكن أن تذاع هذه الحلقة
مرات ومرات عسى أن تصادف عقولا لاهثة وعيونا تبحث عن ضوء.