|
التحول الديمقراطي في موريتانيا د. معتز بالله عبد الفتاح كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة الوفد، 24 إبريل 2007 بمناسبة ما حدث في موريتانيا من تنازل الرئيس ولد فال عن الحكم في سابقة عربية لا تتكرر كثيرا، فإن الأسئلة المثارة حول الديمقراطية وأبعادها زادت لدرجة أن بعض الصحف وضعت موريتانيا في مصاف الدولة الديمقراطية الراسخة وهي ليست كذلك بطبيعة الحال لأنها في أولى خطواتها التي تجعلها في مصاف الديمقراطيات الناشئة. ومن هنا أعتقد أنه من المفيد أن أقرب بين ما يقال في الأكاديميا (أي الأبحاث الأكاديمية) وما ينشر في الميديا (أي أجهزة الإعلام) حتى توضع الأمور في نصابها.
إن مفهوم الديمقراطية مفهوم ملتبس. فخلا المملكة العربية السعودية، لا يوجد نظام حكم في العالم لا يدعي قادته ورموزه وصلا بالديمقراطية بغض النظر عن مدى التزامهم بها. فألمانيا الشرقية كانت تلحق لفظة ديمقراطية باسمها الرسمي ولا تزال الجزائر فاعلة، كما يتحدث الخليجيون عن "ديمقراطية الصحراء" وابتدع محفوظ نحناح، الزعيم الإسلامي الجزائري، مفهوم الـشوراقراطية كالبديل الإسلامي عن الديمقراطية العلمانية، وتحدث شيوعيو الاتحاد السوفيتي عن "الديمقراطية المركزية" وروجت نظم الحزب الواحد في إفريقيا لفكرة "ديمقراطية اتفاق الرأي" (unitary democracy). وقليلة هي الدول التي لا تنص في دساتيرها أو وثائقها الرسمية على أنها تتبنى الديمقراطية بما في ذلك عراق صدام حسين، وبيرو فوجيموري، وأوغندا عايدي أمين وغيرها. ومن هنا حدثت فجوة بين "الشيء" الذي يسمى الديمقراطية والمصطلح الذي أصبح أسيرا للاستخدام غير الرشيد إعلاميا وسياسيا. وفي مواجهة فوضى الاستخدام الدعائي للمفهوم، طفق الأكاديميون في استنباط صفات يضعونها قبل كلمة ديمقراطية لوصف النظم التي كانوا معنيين بدراستها، بما في ذلك وصف النظام الحاكم في مصر. فهناك من وصف هذه النظم بأنها "شبه تسلطية" أو استخدم وصف "التسلطية الناعمة" أو "الديمقراطية المزيفة" أو"أشباه الديمقراطية"، أو "ديمقراطية غير ليبرالية" أو "استبدادية انتخابية" وهكذا ظلت اللفظة واحدة وانعكاساتها على أرض الواقع متنوعة. والمفهوم، من فرط استخدامه، أطلق على الشيء ونقيضه. ومن هنا فإن التساؤل يكون: أي واحدة من هذه الديمقراطيات نقصد عند حديثنا عن الديمقراطية؟ ولأغراض التبسيط فإن "الديمقراطية وأخواتها" سبعة. فهناك أولا الديمقراطية الليبرالية الراسخة ولها عناصر ستة، إن غاب واحد منها انحرفت لإحدى أخواتها. وهذا الانحراف يعني خطوة أو أكثر نحو التسلطية. وهذه العناصر هي: 1- حق التصويت مكفول للجميع بغض النظر عن النوع والعرق والدين، وإن شاب هذه الخصيصة عيب صارت "ديمقراطية انتقائية" (وهو ما يمكن تسميته بشرط الشمول). وكان المثال على ذلك الولايات المتحدة حتى عام 1920 ثم 1965 وسويسرا حتى عام 1971 وكانتا منعتا المرأة من المشاركة في الانتخابات وبعض الأقليات الأخرى. 2- منافسة مكفولة لكل القوى السياسية التي تحترم قواعد اللعبة الديمقراطية، وإن شاب هذه الخصيصة عيب صارت "ديمقراطية غير تنافسية" (شرط التنافس) وعلى هذا فإن منع الإسلاميين المعتدلين في الدول العربية من الدخول في الانتخابات بحجة أنهم جميعا إرهابيون أو منع العلمانيين من الدخول في السباق من أجل مقاعد البرلمان في إيران أو السودان ينال من شرط التنافسية. 3- احترام للحقوق المدنية، وإلا تتحول إلى "ديمقراطية غير ليبرالية" (شرط الليبرالية) وهو مثال نظامي الحكم العنصري في جنوب إفريقيا وناميبيا حيث كانت تجري انتخابات حرة ونزيهة وتداول سلمي للسلطة في ظل غياب واضح للحقوق والحريات المدنية لقطاع واسع من المواطنين الأفارقة. 4- وجود تعدد لمراكز صنع القرار بما يتضمنه هذا من مساءلة ومسئوليات متوازنة، وإلا تحولت إلى "ديمقراطية انتخابية" (شرط المساءلة). والمثال على ذلك روسيا الاتحادية تحت ظل الرئيسين يلتسن وبوتين حيث تجري انتخابات فيها درجة عالية من التنافس بيد أنها لم تضع أيا منهما تحت مسئولية حقيقية أمام البرلمان أو حتى العودة إليه في كثير من القرارات. 5- قبول كافة القوى السياسية لقواعد اللعبة الديمقراطية بغض النظر عن نتائجها وإلا تحولت إلى ديمقراطية غير مستقرة (شرط الاستدامة). فالتاريخ شهد عددا من القوى السياسية التي وصلت إلى سدة الحكم في انتخابات حرة نزيهة أو بوعود بإقامة نظم ديمقراطية لكنها لم تف بوعودها مثل هتلر في ألمانيا النازية أو جبهة الإنقاذ في الجزائر أو نظام حكم مشرف في باكستان. فمع انتفاء شرط الاستدامة تنتفي قدرة الديمقراطية على إنتاج أثارها الإيجابية. 6- المصدر الوحيد للشرعية هو أصوات الناخبين ولا يقبل الناخبون بغير أصواتهم الحرة مصدرا للشرعية وإلا تحولت إلى ديمقراطية نخبوية أو ديمقراطية بلا ديمقراطيين (شرط الثقافة الديمقراطية). فالتاريخ يشهد بالعديد من حالات التراجع عن الديمقراطية بعد إقرارها لصالح نخب عسكرية تتبنى شعارات شعبوية مثل مصر والعراق في أعقاب الحقبتين الليبراليتين تحت الاحتلال والأرجنتين والبرازيل في السبعينات وحتى منتصف الثمانينيات. إذن الديمقراطية الليبرالية المستقرة هي التي تجمع العناصر الستة. وحقيقة فإن كتابات علم السياسة ذخرت بنقاشات مستفيضة بشأن إطلاق لفظة ديمقراطية على نظام حكم يفتقد واحدا من هذه العناصر. فهناك من يرى أن الديمقراطية إما أن توجد أو لا توجد. فما قيمة "ديمقراطية" مع غياب تنافس حقيقي بين القوى السياسية التي يتكون منها المجتمع بسبب سيطرة حزب واحد على الحكم عن طريق التزوير والترهيب، وما هو جدوى إطلاق لفظة "ديمقراطية" على نظام حكم تأبى قواه السياسية احترام إرادة الناخبين إذا أتوا بمنافسيهم إلى الحكم. هذا بشأن مفهوم الديمقراطية، ماذا عن موريتانيا؟ وكيف تسبق شقيقاتها العربيات في هذا المجال. الحقيقة أن الفرق يكمن في كلمة واحدة وهي: "القيادة." فما حدث في موريتانيا لا يفرق على أساس أنه اختلاف بين بلد وبلد أو بين نظام حكم ونظام حكم. ولكنه حقيقة فارق بين رجل ورجال، وإن شأت فقل: فرق بين صنفين من الرجال. صنف إذا تحدث صدق، وإذا وعد وفى، وإذا استمع القول اتبع أحسنه، وصنف يرى أنه الضرورة وأنه الزعيم وأنه القائد وأنه المحبوب والمطلوب، الذي ساقته الأقدار لمنصبه. وحتى وإن كان هذا صحيحا، لكن العظماء يترفعون لأنهم يعلمون أن إرساء المباديء أهم من حل المشاكل الآنية والمباشرة. وكما قال عزيز أباظة في إحدى مسرحياته الشعرية: "إن النفوس إذا علمن سمون فعلون عن أرضية الخلجات". وهو ما ينقلني إلى سؤال آخر، وهو كيف تصبح دولة ما ديمقراطية؟ هناك أولا التحول الديمقراطي تحت سلطة الاحتلال أو بالتعاون معه: وأوضح الأمثلة التاريخية لهذا النمط هو دور الاحتلال البريطاني في الهند والأمريكي في اليابان وألمانيا الغربية، وهو كذلك النموذج الذي تزعم الإدارة الأمريكية الحالية أنها تسعى لتطبيقه في العراق. ونجاح هذا النمط لا يتوقف على إرادة الدول المستعمرة وحدها ولكن بتبني نخب ما بعد الاستقلال قيم الديمقراطية وإجراءاتها. فقد شهدت العديد من المستعمرات البريطانية السابقة تجارب انتخابات برلمانية وتعددية حزبية كنوع من استنساخ التجربة البريطانية فالتزمتها نخب ما بعد الاستقلال في الهند وأستراليا ونيوزيلندا وكندا وموريشيوس وآثرت غيرها النخب الجديدة في باكستان ومصر والعراق ونيجيريا. وكان تقديم الإنجليز لنموذجهم البرلماني للمستعمرات دافعا لأن يعتبر بعض علماء السياسة أن الخبرة الاستعمارية البريطانية من المتغيرات التي يمكن التعويل عليها للتنبؤ بالتحول الديمقراطي في دول الجنوب. وقد يلعب المتغير الخارجي دورا مساعدا عن طريق الضغوط الاقتصادية الدولية أو ما يعرف باسم المشروطية السياسية أو عن طريق أثر المحاكاة بمعنى رغبة مجتمع في أن يحاكي مجتمعا آخر تحول بالفعل نحو الديمقراطية من أجل الانتفاع بمزاياها. التحول الديمقراطي تحت إدارة نخبة ديمقراطية مستنيرة يعد نمطا ثانيا شهدته عدد من الدول. وهو نموذج للتحول الديمقراطي يأتي بعد انهيار النظم الاستبدادية إما لموت الحاكم المستبد أو لهزيمة عسكرية تفقده شرعيته بما يؤدي إلى وصول نخب ديمقراطية تدير عملية التحول وتختار بنفسها أن تضع قيودا دستورية على ممارساتها. وهكذا كان حال النخب الجديدة في البرازيل بدءا من عام 1973، وأسبانيا بدءا من عام 1976، وتايوان من عام 1986، والمجر بداء من عام 1989. وهذا ما أمله كثيرون في حالات النخب الجديدة في قطر والبحرين والأردن وسورية والمغرب. وتعد الحالة الأسبانية مثالا شديد الثراء في هذا المقام. فموت الجنرال فرانكو سمح بعودة الملكية إلى أسبانيا وقاد الملك خوان كارلوس عملية التحول باقتدار من ملكية استبدادية إلى ملكية دستورية على النمط البريطاني. واكتملت عملية التحول في عام 1982 بعد أول تداول سلمي للسلطة في أعقاب الانتخابات البرلمانية. وهو النمط الذي يجسده الرئيس ولد فال في موريتانيا. والمثالان السابقان يقدمان نموذجين للتحول الذي يبدو فيه المواطنون العاديون أقرب إلى مساحة وسط بين المفعول به والمفعول لأجله حيث لا يبدو لهم دور كبير إلا في تلقف ما يقذف إليهم من "عطايا" و"هبات" ديمقراطية من المستعمر أو من الحاكم المستنير. وحتى إن كان هناك مطالب شعبية فهي عادة مطالب بالاستقلال عن المستعمر أكثر منها مطالب بالديمقراطية. ومصر ما بعد الثورة خير مثال على القبول الشعبي باستبدال الديمقراطية بالاستقلال الوطني. بيد أن قطاعات من "الشعب" تدخل في الصورة في كل من النماذج الثلاثة الأخرى. فهناك ثالثا التحول الديمقراطي في أعقاب ثورات اجتماعية: ولهذه الثورات صيغتان إحداهما تاريخية والأخرى معاصرة. ففي الصيغة التاريخية، حدثت ثورات لأسباب اقتصادية بالأساس حدث فيها تحالف طبقي بين الطبقتين الوسطى (البرجوازية المتعلمة التي لم تقبل الجباية الملكية) والدنيا (التي كانت تعاني أوضاعا اقتصادية غير إنسانية) ضد النخب الحاكمة من ملوك وأمراء إقطاع فانتهت إلى وضع قيود قانونية وسياسية على ممارسات هذه النخب وشكل هذا التحالف واحدا من أهم صور بناء "تكتل أو كتلة تاريخية" هدفت إلى تدمير القواعد المستقرة لعلاقات الحكم ومؤسساته واستبدالها بغيرها. وأفضل النماذج الكلاسيكية لهذا النمط من التحول الديمقراطي نجده في إنجلترا (القرن الـ 17) والولايات المتحدة وفرنسا (القرن الـ 18). أما في الصيغة المعاصرة كان العامل السياسي غالبا مع رغبة أكيدة ليس فقط في التخلص من الحكام ولكن في تغيير قواعد اللعبة السياسية والدستورية أيضا. فقد وصلت القوى السياسية المختلفة إلى درجة من القمع لم يعد ممكنا معها إلا أن تغامر بكل ما تملك من أجل إصلاحات ديمقراطية حقيقية. ويعد نموذج القضاء على تشاوشيسكو في رومانيا أحد أهم هذه الأمثلة لكنها كانت لحد بعيد تكرارا لنماذج أخرى مثل ثورة كوستاريكا في عام 1948 وثورة بوليفيا عام 1952. ويأتي نموذجا جورجيا وأوكرانيا الأخيران كمثالين حديثين لهذا المسار. وفي حالة الانفتاح السياسي التكتيكي الذي يفضي إلى مطالب ديمقراطية غير متوقعة (وهو النمط الرابع للتحول الديمقراطي). وهذا النمط من التحول يبدأ بمحاولة من النخب الحاكمة تمديد فترة بقائها في السلطة من خلال قليل من الانفتاح السياسي التكتيكي (كالسماح بوجود أحزاب معارضة ثم التضييق على حقها في بناء قواعد شعبية مستقلة أو السماح بإنشاء مزيد من الصحف المستقلة مع تعقب الصحفيين). لكن ما لم تتحسبه هذه النخب أن المعارضة تستغل هذا القدر من الانفتاح لخلق شرعية بديلة بما ينتهي بفقدان النخبة المستبدة القدرة على وقف عملية الانفتاح مثلما حدث في الاتحاد السوفيتي في ظل جورباتشوف وكوريا الجنوبية في عام 1987 وجنوب أفريقيا في عام 1990. ولنا في مصر السادات مثال عكسي. فبعد الانفتاح السياسي في منتصف السبعينيات شعر الرجل أنه سيكون من ضحاياه فتراجع عن الكثير من الإصلاحات السياسية في أواخر السبعينيات وكان من ضحاياه أيضا. والمتغير الأهم هنا أن للانفتاح السياسي المحدود آثارا جانبية إيجابية بحيث يجرب الناس من الحرية ما يجعلهم يريدون مزيدا منها. بيد أن الشرط الجوهري لنجاح هذا النمط هو أولا وجود معارضة قوية وتتمتع بمصداقية كافية لدى تيارات واسعة من المواطنين مع اتفاق القوى المعارضة على أن إبدال النظام السابق ليحل محله غيره على أنه أولوية مطلقة تختفي أمامها كافة التناقضات البينية فضلا عن وجود "كتلة تاريخية" من القوى الاجتماعية المنظمة نسبيا والراغبة في إحداث تحول ديمقراطي حقيقي. ولعل هذا ما يفسر أن الانفتاح السياسي المصري لم يفض إلى تحول ديمقراطي حقيقي حيث إن المعارضة المصرية كانت أقرب إلى معارضة "بعض الوقت" فهي في الواقع تعارض بعضها بعضا أكثر من معارضتها للنظام الحاكم، ناهيك عن نجاح الحزب الوطني في عهد الرئيس مبارك في تفتيت ما يسمى في بعض أدبيات العلوم السياسية "الكتلة التاريخية" التي سأفصل فيها لاحقا. هناك خامسا تعاقد النخبة المستبدة على انسحابها من الحياة السياسية بعد ارتفاع تكلفة القمع. وهذا النموذج يعد نقيض النموذج السابق. فلا النخب قادرة على استمرار القمع، نتيجة بناء المعارضة لتحالفات قوية تمكنها من تشكيل كتلة حقيقية في مواجهة استبداد السلطة القائمة، ولا تملك القدرة على إدارة عملية التحول الديمقراطي ومن هنا يكون أفضل بديل ممكن لها أن تنسحب من الحياة السياسية بعد أن توقع عقدا يضمن لها عفوا سياسيا وبعض الامتيازات على ألا تقف حجر عثرة في مواجهة السلطة الحاكمة الجديدة مثلما حدث في اليونان في عام 1973، وفي البرتغال في عام 1974، وفي بيرو في عام 1977، وفي الأرجنتين عام 1982. والمثال الأكثر صراحة هو مثال انسحاب الرئيس بينوشيه من الحياة السياسية في شيلي في عام 1990.
|