6 مارس 2007

ليس بالقمع تقتل الرأي إن القمع يُليه قوة وانتشارا

د. معتز بالله عبد الفتاح

كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة

WWW.ALADL.NET

 

          أتلقف كتابات بعض الكتاب والمفكرين، ومنهم الدكتوره نوال السعداوي، بشغف ليس إعجابا بالضرورة ولكن لأنها مثيرة للفكر والتأمل على نحو ما وصف سقراط نفسه وهو أمام محاكميه بتهمة إفساد عقول الشباب بأنه ذبابة وقفت على رأس حصان ضخم، يقصد آثينا، كي تستجيب له بالحركة والحيوية والتفكير والتأمل.

وقد قالها الإمام الشافعي:

إني رأيت وقوف الماء يفسده ** إن ساح طاب وإلم يسر لم يطب

والشمس لو وقفت في الفلك دائمة ** لملها الناس من عجم ومن عرب

 

          فالمجتمع الراكد في أفكاره كالماء الراكد في حركته تضيع منه حيوية الفكر والفكر المقابل وما بينهما من جدل يولد أفكارا جديدة ومبتكرة؛ فمعظم مشاكل المجتمع الحديث ليست لها حلول بديهية أو فطرية يستنتجها شخص بذاته وهو في عزلة عن الآخرين وإنما هي مشاكل معقدة تستدعي حلولا جدلية مدروسة يدلي فيها كل صاحب رأي برأيه ويعبر فيها كل صاحب مصلحة عن مصلحته.

          وأنا أعلم أن هذا الموضوع يثير حساسيات كثيرة لاسيما عند المؤسسة الدينية الرسمية، والتي أكن للقائمين عليها ولدورها احتراما يتوازى مع عراقتها وتاريخها. لكنني لست واثقا من أن القرارات التي تتخذها الجهات الدينية الرسمية بالتوصية بالمصادرة والمنع تفضي إلى النتائج المرغوبة. حيث يبدو لي أن مصادرة الكتب بهدف منع تداولها بين الناس تبدو منطوية على عدم اتساق بين المقدمات والنتائج.

فمن قواعد الاستدلال المنطقي السليم أن نحلل الموقف على أساس أن نرى مدى اتساق الهدف مع الإجراءات ثم مع النتائج. فالأصل أن الأزهر يريد أن يحافظ على "الإسلام" من العابثين به حتى لا ينتشر بين الناس مثل هذا النوع من الفكر "الضال"، والإجراء هو التوصية بالمنع والمصادرة، والنتيجة هي المنع الرسمي والانتشار غير الرسمي لأن الأفكار ليست مادة لها أهداب وحواف يمكن الإمساك بها ونقلها أو القضاء عليها. بل حتى إن الفيزيائيين يقولون إن المادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم وإنما تتحول من صورة إلى أخرى. وهكذا الأفكار والآراء فإنها لا تفنى بالمصادرة وإنما عادة ما تأخذ صورا أخرى قد تكون أكثر منعة. وقد قالها صلاح عبد الصبور في إحدى مسرحياته الشعرية: ليس بالقمع تقتل الرأي إن القمع يليه قوة وانتشارا.

 

ولدى ما يؤيد صحة كلام صلاح عبد الصبور من العلم، ومن الفلسفة، ومن الدين. ولنبدأ بالعلم، وهو الذي يعرفه المناطقة، أي دارسو المنطق، على أنه منهج في التفكير يربط بين العلل (أي الأسباب) المباشرة ونتائجها. فما هي النتائج المباشرة المترتبة على منع كتاب أو مصادرة رواية في مجتمعاتنا؟ من خبرة كتابات ممنوعة أخرى في مصر أو في غيرها يتبين أن المصادرة تؤدي إلى ثلاث نتائج متلازمة. أولا ضجة إعلامية تحول الكاتب إلى بطل في عين البعض وشيطان في عين البعض الأخر. وهناك ثانيا من هم مستعدون لأن يقوموا بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليس بالقلب أو اللسان ولكن باليد فيوضع الكاتب على قائمة المرتدين، وثالثا يزداد الكتاب مبيعا سواء في الداخل أو الخارج ونزيد نحن في تشويه صورتنا باعتبارنا مجتمعا همجيا لا يقبل الخلاف في الرأي. وحتى أكون أقل تجريدا، فلنعد لخبرة رواية آيات شيطانية لسلمان رشدي، تلك الرواية التي طبعت منها إحدى دور النشر البريطانية خمسين ألف نسخة ومن خبرة سلمان رشدي مع رواياته الثلاثة السابقة كان هذا العدد من النسخ يتطلب أربعة أعوام حتى ينفد. إلى أن قرر الإمام الخوميني أن "يدافع عن الإسلام" فأصدر فتواه الشهيرة التي بموجبها أصبح سلمان رشدي مطلوبا للقتل وأصبح كتابه واحدا من أكثر الكتب مبيعا في العالم ووصلت مبيعاته في عام 1990، أي بعد عام من الفتوى الشهيرة للإمام الخوميني إلى 4 مليون نسخة بثماني لغات. أي بدلا من أن الكتاب كان يقرأ بمعدل خمسين ألف نسخة في الأربع سنوات أصبح يقرأ بمعدل 4 مليون نسخة في العام الواحد، ولم تزل الرواية تباع على نطاق واسع حتى الآن، ويالها من خدمة للإسلام!

والأمر لم يكن بعيدا عن أولاد حارتنا ووليمة لأعشاب البحر وغيرها في السياق المحلي المصري. وأتلقى على الإيميل الخاص بي من بعض المعارف الذين غلبت عندهم العاطفة الدينية على التفكير المنطقي نسخا من آيات محرفة أو شتائم في الرسول الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، والصحابة العظام ومعها تحذير بألا تزوروا هذه المواقع التي تنشر مثل هذه الشتائم وتكون المفاجئة أن تنتشر هذه المواقع أكثر بين المسلمين. وقد شبهتها لبعض الأصدقاء بأن تجد نسخة من قرآن محرف فتقوم بتصويرها عشرات النسخ لتحذر المسلمين منها وكأنك بذلك تضر بالإسلام من حيث قصدت أن تخدمه؛ وياله من دين لو كان له أتباع عقلاء.  

 

هذا كان حديث العلم الذي يربط بين الفعل والنتيجة على نحو مباشر. أما حديث الفلسفة، فأنا أعود فيه إلى جون ستيورت ميل الذي أعتبره أعظم الفلاسفة الغربيين بيقين وهي منزلة لا ينازعه فيها، في تقديري المتواضع، سوى جيمس ماديسون فيلسوف الدستور الأمريكي الشهير. ماذا يقول جون ستيورت ميل؟ بصفته أبا للفكر الليبرالي فإنه اكتشف أن الديكتاتورية ليست قاصرة على تسلط الحاكم على المجتمع وإنما من تسلط بعض المتنفذين في المجتمع على بعض أفراد المجتمع الآخرين، سواء جاء نفوذ المتسلطين من العدد بحكم الأغلبية أو لامتلاكهم واحدة من مصادر القوة اللينة مثل الحديث باسم الدين أو القيم أو التقاليد. إذن إذا كانت الديمقراطية هي علاج التسلط الحكومي، فإن الليبرالية هي علاج التسلط المجتمعي. وعلى هذا فإن ميل يرى أن المجتمع لا بد أن يتسامح مع الأفكار غير المرغوبة لأنها تخدم المجتمع من وجوه عدة: فهي قد تكون أفكارا صحيحة حتى وإن لم تكن مقبولة شعبيا، ألم نكن نعتبر الديمقراطية كفرا وأن التعدد الحزبي نوع من التنازع والتفرق المنهي عنه؟

 

كما أن هذه الأفكار قد لا تكون صحيحة تماما وإنما فيها بعض الصحة وبعض الخطأ وعلى هذا فالأولى بنا أن نتدارسها جيدا حتى نستبين مواضع الخطأ ومواضع الصواب، كما أنها قد تكون خاطئة تماما لكنها تستثير فينا الرغبة في التثبت والتأمل، على نحو ما وصف سقراط نفسه بأنه ذبابة تستثير الفكر وبعد أن تؤدي الغرض منها فإنها تذبل وتختفي.

          ولي أخيرا حجتان من الدين في أن القمع ليس الوسيلة الأسلم لمواجهة مثل هذه الكتابات التي تبدو للبعض هجوما حادا على الدين. والحجة الأولى أن الله سبحانه قد نشر حجة أعدائه ضده ثم فندها على نحو ما جاء في القرآن بل بنقل موضوعي كأعظم ما تكون الأمانة في النقل: "قالت اليهود يد الله مغلولة" و"قالت اليهود عزير ابن الله" و"لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء" ثم رد عليهم سبحانه مقارعا الحجة بالحجة. وفي آية أخرى أمر الله رسوله إذا رأي الذين يخوضون في آيات الله بغير علم أن يعرض عنهم "حتى يخوضوا في حديث غيره." والغريب أن هذا التوجيه القرآني يتشابه جدا مع مقولة تنسب إلى مفكر انجليزي اسمه جون ميلتون كان يعيش في القرن السابع عشر في ظل الحرب الأهلية البريطانية ومع ذلك ظل يدافع عن فكرة "سوق الأفكار" والتي لا يمكن أن تمنع أحدا من الدخول فيها ما دام نطق بلسانه لأن الأفكار الشريرة، على حد قوله، "تتراجع وتندثر حينما لا تجد من يدعمها بل ولا من يحاربها" وكأن محاربة الفكرة والرأي، بمعنى المنع والمصادرة، تثير حولها جدلا أكبر وتجعل لها أنصارا أكثر. 

          والحجة الثانية تأتي من رسولنا الكريم حينما أراد أن يحافظ على سمعة الدين وعلى مصداقيته بأن رفض نصيحة عمر بن الخطاب بأن يقتل عبد الله بن أبي بن سلول الذي كاد أن يحدث فتنة بين المسلمين بعد غزوة بني المصطلق فقال والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز (يقصد الأنصار) منها الأذل (يقصد المهاجرين). ولكن الرسول الكريم رفض قتله قائلا: "حتى لا يشيع في الناس أن محمدا يقتل أصحابه" فيعرف العرب عن الإسلام من أعدائه وليس من أتباعه؛ ففضل عليه السلام أن يحتمل أذى المنافق عن أن يخسر الدين مصداقيته. ويقول الأستاذ العقاد، وهو عظيم مصري لا يقل في قيمته عن ميل وماديسون، معلقا: هل نفهم من موقف الرسول الكريم أنه يقبل الباطل الذي يأباه عمر؟ الإجابة بالنفي القاطع. لكن عمر تسيطر عليه روح الجندي المحارب، التي أحسبها تسيطر على فكر الكثيرين من الذين يهرعون للمصادرة والمنع، فالفرق بين الرسول محمد وخليفته عمر، كما يشير العقاد، كالفارق بين الإنسان العظيم وبين الرجل العظيم. فالإنسان، محمد، يعرف ضروبا من الباطل، ويعرف ضروبا من الإنكار لأنه يعرف ما في النفس الإنسانية من عوج وتعريج وتتابعها بين قوة وضعف وخير وشر وصحة ومرض يجعل المنع بل والسيف واحدا من وجوه الإنكار وليس الوجه الوحيد. إن روح النقاش والجدل، وليس المصادرة والقمع، هي ما نريده في هذه المرحلة من تطورنا السياسي والفكري.

 

فهل لنا أن نحتمل أذى من لا نرضى عما يكتبون حتى لا نساهم أولا في نشر أفكارهم "الضارة" وثانيا لما قد يكون فيها من آثار جانبية إيجابية لا نحصلها إلا بأن نقارعها الحجة بالحجة؟

 

أقول بكل تواضع اتركوا كل ذي رأي يعبر عن رأيه فلن يضر هذا الدين العظيم أحد برأي، ولو كان القمع كافيا لما ظهر الإنقسام بين السنة والشيعة ولما حدثت فتنة خلق القرآن؛ فلندع آفة تسجيل المواقف ولنبحث عن حلول عملية للمشكلات.

Hit Counter