|
المصري فيض فرقته الأهواء د. معتز بالله عبد الفتاح كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة الوفد، 31 يوليو 2007 جمعني لقاء جميل مع شخص نبيل من أفضل علماء السياسة المصريين الذين فازت بهم قطر وخسرتهم مصر ضمن من خسرت من طيور مهاجرة وعقول نيرة ضاق بها المكان واستنكفت أن تسرق لنفسها دورا وهو الأستاذ الفاضل الدكتور إبراهيم عرفات الذي لفت نظري إلى وصف ذكره المقريزي للإنسان المصري، فقال: "وأما أخلاقهم فالغالب عليها اتباع الشهوات والانهماك في اللذات والاشتغال بالترهات (أي التفاهات) والتصديق بالمحالات (أي شيء من الشعوذة) وضعف المرائر والعزمات (أي ضعف العزيمة) ولهم خبرة بالكيد والمكر وفيهم بالفطرة قوة عليه وتلطف فيه وهداية إليه لما في أخلاقهم من الملق (أي تملق الأخرين) والبشاشة التي أربوا (أي زادوا) فيها على من تقدم وتأخر." ولن أقف من كلام المقريزي لا موقف الناقد ولا موقف المؤيد ولكن سأقف منه موقف المفسر مع الافتراض بصحة تحليله للشخصية المصرية التي رآها وعرفها في عصره أي هذه هي شخصية المصري في أسوأ أحواله، هو المصري بلا بوصلة، هو المصري بلا قواعد ولا مشروع ولا قيادة. هو مصري فرقته الأهواء. مصري يعيش في ظل الشدة المستنصرية في أواخر العهد الفاطمي. لكن من الموضوعية كذلك أن نضيف إلى ما قاله المقريزي ما عرفناه عن المصري عاملا مجتهدا آملا طامحا باحثا عن ذاته في كيان أكبر منه يعمل معه وله وفيه. حب المصري لوطنه موجود لكنه حب فرقته الأهواء. والمصري المقصود في هذه المقالة هو أنا وأنت وكل من عاش حياته على أرض هذا الوطن محبا لأهله وناسه ضاحكا على نكتة ملتاعا لمظلمة فخورا بماض جميل آملا في غد أفضل حتى وإن جهل كيف، حتى وإن تاجر ببضاعة الحمقى من الأماني بلا عمل، ولجأ إلى الفهلوة بلا علم لكنه يظل مادة خاما لصانع الحضارة متى تولى زمامها المهندس البارع الذي يجيد إعادة بناء الآلة وإعادة توجيه الطاقة. وهو ما يحتاج إلى مهارة ماهر وعلم عالم ووطنية مخلص وكتيبة من أهل العلم يعطون هذا الوطن كفاء ما يستطعون من جهد ودراية. هذه بلاغة في غير موضعها، أسمع قائلا يقول. وهو استمرار لنغمة النقد الموضوعي أحيانا وغير الموضوعي غالبا لأوضاع مجتمعنا المصري والعربي في يأس يجعلنا نعيش حياة فقيرة في مادة الحياة ومادة الحياة الأساسية كما يقول العقاد هي الأمل والعمل. فإن غابا كنا والعدم سواء. لكنني أرفض هذه النغمة، بل وأتحداها وأبشر بفجر جديد نصنعه بأيدينا ولا ننتظره انتظار العجزة من غير ذوي الهمة والعزيمة. ويدعمني في هذا التاريخ والفلسفة والعلم بل والخبرة المباشرة وكلام الحق سبحانه، حتى وإن ضاقت المقالة عن رصد أسباب الأمل. لكنني سأبدأ بالتاريخ، فاركب معي عزيزي القاريء سفينة الزمن ولنذهب لعصر الحملة الفرنسية حيث يسجل الجبرتي أن الفرنسيين صعدوا إلى القلعة وقرروا أن يهزموا المصريين معنويا بعد أن هزموهم عسكريا فيروي الجبرتي كيف أن الفرنسوية كانوا يضعون مادة على مادة فيخرج منها دخان كثيف بألوان متعددة وكأنهم يعرفون كيف يخاطبون الجن فيخاف علماء ونبلاء مصر الذين كان عهدهم بمثل هذه التفاعلات الكيميائية ضعيفا لأنهم اعتادوا على أن يكون التعليم دينيا قاصر على علوم الفقه والحديث والنحو والبلاغة فقط. المصري الذي علم الكون الهندسة والكيمياء والفلك والتحنيط يقف مشدوها أمام تجربة معملية كان يجيدها الصبية في عهود أجدادهم. وقد تولى محمد علي حكم مصر بعد ذلك بسنوات معدودات وكان له أن يعيد توجيه أولويات المجتمع نحو العلم بمعناه الواسع، فأرسل البعثات وأعاد تنظيم الحياة في مصر آخذا بأسباب الحضارة فسافر وعاد طلبة العلم المصريون من أوروبا فكانوا 300 عالما في كافة المجالات غيروا وجه الحياة في مصر. أي أن مصر احتاجت كي تقف من جديد على قدميها قائدا أرسل 300 عالما ليديروا دفة الحياة في مصر. إنها كتيبة جمعت بين العلم والعمل والتخطيط والجهد من أجل بناء مصر، فما عصيت عليهم مصر بل استقبلتهم وتفاعلت معهم وأعطتهم بقدر ما أعطوها. إنه المصري قادرا عالما عاملا، المصري حين ينتظمه المشروع الوطني وحين تدير شئونه قيادة حكيمة بمعايير عصرها. إنه المصري فيض دون أن تفرقه الأهواء. وما أن انهارت التجربة حتى عاد كما كان ينطبق عليه وصف المقريزي حتى انتفض مع عرابي وكاد أن يفعلها ليذكرنا أنه حي... المصري حي... المصري لم يمت... هو قابع نائم هاديء تعبث به الأقدار يحاورها وتحاوره يداريها وتناوره لكنه حي... المصري حي... وتتثاقل عليه الدنيا بهمومها وترميه بما لا قبل له به تحت وطأة ملكية فاسدة واستعمار ماهر في لعبة التفرقة للسيادة...لكن مصر أعظم من حكامها، كانت وستظل، فخرج من بين محكوميها محمد عبده الذي تأثر به سعد زغلول في السياسة، والمراغي في الأزهر، والبنا في الضمير الشعبي، وطلعت حرب في الاقتصاد، إن محمد عبده أمة في رجل... شامخ كمصر... وكان المصري يراقب منتظرا نداء العمل والواجب، فما كان منه إلا أن انتفض مع أول شعلة أمل، مع أول طاقة نور، مع أول حجر في نفق الخلاص ليلتف حول سعد ويدعم طلعت حرب وينضم للإخوان باحثا عن بوصلة عساها تكون عند أي من هؤلاء... وجاءت الثورة فكانت نداء جديدا من أجل العمل ... فقبل المصريون بأن يضحوا بحريتهم الشخصية من أجل حرية الوطن، بأن لا يكون لهم دور في شئون مصر مقابل أن يكون لمصر دور في شئون العالم... لكنهم ما لبثوا أن فقدوا البوصلة مرة أخرى بعد أن قيل لهم "ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعمار" ولكن جاء معه عصر الاستبداد... وكما قال الدكتور يحي الجمل فإذا كان نهرو أخذ الهند في طريق الديمقراطية ... فقد أخذ عبد الناصر مصر في طريق الحزب الواحد والرأي الواحد وتأميم الصحافة والقضاء على المجتمع المدني... خيرها في غيرها يا مصر... نعم بالغ الضباط الأحرار في حريتهم في اتخاذ قرارات غير مدروسة فيها الكثير من العنت واللاوعي والمبالغة في تقدير الذات والمغامرة حتى كانت الهزيمة... سألنا أستاذنا الفاضل الدكتور أحمد يوسف أحمد ونحن في السنة الأولى من دراستنا الجامعية: لماذا لم نصمد في حرب 1967 لماذا جرينا؟ فقال لأن القيادة جريت... فمات 20 ألف مصري ومات 150 إسرائيلي في أيام ستة... فكان أول من لفت نظري إلى دور القيادة في أي منظومة عمل وسأزيد أنها لا بد أن تكون قيادة قادرة على بناء مؤسسة... مات أبناء مصر ولم تمت مصر، لقد جرى المصري لما فقد البوصلة فكان كما وصفه المقريزي ... لكنه رفض مرة أخرى أن يموت... قبل أن يعيش على أمل أن يكون قائد الهزيمة هو قائد النصر... فأعطاه الفرصة رافضا تنحيه ووقف معه وقدم له أبناءه وأمواله بل وحريته راغبا في غد أفضل.. وجاء النصر أو شبه النصر في عام 1973 ... فاستعاد المصري ثقته في نفسه وفي قدرته على أن يعطي وأن تبتسم له الحياة... التي طالما عشقها وطالما راوغها وسخر منها وأخيرا ها هي تبتسم له... واعتقد أنه استعاد البوصلة... استعاد الهدف... استعاد المشروع... لكنه وجد نفسه جزءا من مغامرة أكبر تقوم على سلام هو قطعا لم يستشر فيها، لكنه قبله لعله خير... وجد نفسه جزءا من منظومة الغرب الرأسمالي بعد أن كان جزءا من منظومة الشرق الاشتراكي فقال لعله خير... قبل تعدد الأحزاب... بعد أن عاش في ظل الحزب الواحد دون أن يسأل حين ألغيت وحين أعيدت... فقال لعله خير... ومات بطل المشروع وجاء نائبه صاحب أول ضربة جوية فتحت باب الحرية... فظن المصري أنه سيعود إلى حلبة السباق بين الأمم يضطلع بدوره الذي لعبه آباؤه في بناء نفسه ووطنه وحضارته كي يسهم، كما كان من قبل، في بناء العالم الذي يعيش فيه... لكنه وجد نفسه في الثلاجة كما يقول مجدي الجلاد... مطالبأ بأن يسكت... يدعوه من يحكمه لأن يشارك ولكنه لو شارك فسيعاقب بالأمن المركزي الذي يمنعه وعمليات التزوير التي تصحح "خطأه"... وحتى حين أعطاه الإشراف القضائي الكامل الأمل في أن يحدد مصيره وشمر عن ساعديه لأن يشارك في اختيار مصيره... أخذ منه قائده الإشراف القضائي الكامل حتى لا نزج بالقضاة في أتون العمل السياسي... كم هو نبيل الحاكم الذي يخشى على القضاء ولا يخشى على إرادة الناخبين... فعرف المصري مرة أخرى أنه لا مكان له على أرضه بعد... وأن وقته لم يحن... "قم يا مصري مصر دايما بتنديك" كان شعار المصريين في أثناء ثورة 1919 والآن شعار المرحلة "قم يا مصر واقعد تاني" كما يقول إبراهيم عيسى... وأزيد اقعد بعيد في الآخر أو ما تقعدش ما تفرقش... دور على فيزا لأي دولة أخرى... هذا هو المصري كما وصفه المقريزي... مصري بلا بوصلة بلا هدف... لكنه مع ذلك ملام فقديما قال أفلاطون: "من يعزف عن المشاركة في الحياة السياسية، فسيعاقب بأن يحكم بمن هم دونه ومن لا يراعون مصالحه." هل ممكن أن تقرأ هذه العبارة الأخيرة مرة أخرى؟ هل ستزور الانتخابات القادمة؟ ربما، لكن من يخرج بعد المظاهرات معترضا على التزوير إن حدث هو من شارك وصوت فيها وزيفت إرادته... أما من يشاهد الانتخابات في التليفزيون فسيظل ينتظر وينتظر وينتظر... لقد خرج أهل مصر يقولون آه... آه لنقص المياه... وكأنهم يكررون مشهد آه آه في آخر فيلم النوم في العسل... وكأن وحيد حامد يقول على مصر أن تقول آه إن أرادت الحياة... إذا اعتبرنا هذا رصدا لواقعنا، إذن ما العمل؟ إن مصر الآن كالآلة العجوز التي لم تزل تعمل لكنها ضعيفة الانتاجية مزعجة الصوت كثيرة الفاقد تحتاج لمهندس أو مجموعة مهندسين مهرة عليهم عبء أن يصلحوها وهي تعمل وأن يعيدوا ربط أجزائها حتى تنتج أفضل، كما يقول البشري. وهو تحد ليس بهين لكنه سيمر حتما بقضيتين تجمعهما كلمتان متلازمتان وإن كانتا متمايزتين وهما القيادة والمؤسسية واللتين سأجعل منهما عنوانين وموضوعين لمقالتين قادمتين إن شاء الله. مصر بحاجة لقيادة كما هي كل الأمم التي تنهض ويكفي أن أشير إلى ما سجله العقاد عن قيادة الرسول العظيم، الذي اختص بقدرتين هائلتين جعلتا منه بانيا لحضارة ما كانت لتنشأ لولا قائدها: أولا أن يعرف بالبديهة الصائبة فيما تكون عظمة العظيم ولأي الأمور يصلح وبأي الأعمال يضطلع ومتى يحين أوانه وتجب ندبته ومتى ينبغي التريث في أمره إلى حين. بعبارة أقل بلاغة أن تعرف القيادة كيف تستفيد من الطاقات وأن تضعها كل في مكانها في التوقيت المناسب. والقدرة الثانية التي يختص بها القائد العظيم أن يعرف كيف يبعث كوامن الحياة ودوافع العمل في الأمة بأسرها وفي رجالها الصالحين لخدمتها. ألم يقل لنا أحمد زويل أن تلاميذه الكوريين بدأوا يعودون إلى كوريا ولا يبقون للعمل في الولايات المتحدة؟ إن القيادة الكورية تخلقت بأخلاق بناة الحضارة، والقيادة المصرية أرسلت كل بناة النهضة إلى الخارج من علماء ومهندسين ومدرسين وعمال وشباب هم في الأصل طاقات عمل، واستوردت لنا أهل الدعة والسكون كما يقول ابن خلدون. فيكفي أن تغني مغنية لاتينية عند هضبة الأهرام ليقف المصريون ساعات في انتظار انتهاء حفلتها كي تؤكد لي أن هذا مجتمع فقد بوصلته وعجزت قيادته على أن تميز بين ما ينفعه وما يبدد طاقته. وما الفارق؟ فهو اعتاد أن يقف لساعات في التشريفات. هذا عن القيادة، أما عن المؤسسية فهي ترجمة القيادة إلى قواعد نعيش تحتها ونلتزم بها حتى وإن لم نكن راضين عنها. لقد بنى حكامنا منظمات تأتمر بأوامرهم ولم يبنوا مؤسسات تضع قيودا عليهم وهو جوهر الفرق بين الديمقراطية والعدالة من ناحية والاستبداد والمعايير المزدوجة من ناحية أخرى... ويكفي أن أشير إلى القواعد التي تحكم عمل "مؤسسة" مثل النادي الأهلي و"منظمة" مثل الحزب الوطني. لقد مات في المصري ثقته في عدالة القواعد وسلامة تطبيقها بل ومصداقية القائمين عليها حين يعلنون أنه لا عودة للخارجين على الإجماع الحزبي وبعد أن يفوزوا في الانتخابات (بإشراف القضاء الكامل) يعودون وكأن أحدا لم يقل شيئا وكأن أحدا لا يلتزم بشيء. إن المؤتمرات العلمية تعقد في الخارج والداخل للبحث عن أسباب تقدم الأمم وتأخرها فيشير الباحثون إلى أن الشعوب التي تثق في مؤسسات الحكم تكون أكثر رغبة في العمل وإحساسا بالآمان وقدرة على العطاء. وهي كلها معاني بعيدة عن المصري الذي فرقته الأهواء، فصدق المقريزي وهو يصف المصري بلا قيادة وبلا مؤسسية، وصدق المصري حين يعطي ويبدع متى وجدهما في داخل مصر وفي خارجها. لا تكفروا بالمصري... أعطوه مادة الحياة... أعطوه الأمل... المصري حي لكنه عاطل... المصري حي لكنه تائه... المصري حي لكنه منتظر... المصري فيض فرقته الأهواء.
|