16 يناير 2007

 

الإدارة بالأزمات والقرارات الهادمة لذاتها

د. معتز بالله عبد الفتاح

كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة

WWW.ALADL.NET

يقول العلم إن الحياة ندرة واختيار وتضحية. والندرة تعني أنك لا تستطيع الجمع بين الاختيارات المتناقضة. فلا يمكن لك أن تقرأ هذه المقالة وفي نفس الوقت تقرأ مقالا آخر لكاتب آخر. فعليك أن تختار. وأما وقد اخترت فقد ضحيت. وكذا الأمر في كل مناحي الحياة، كبيرها وصغيرها. إن اخترت أن تمارس الرياضة في لحظة بذاتها فقد ضحيت بالنوم أو بالقراءة في نفس اللحظة. وبما أننا نختار فإن هناك نوعين رئيسيين من الاختيارات: اختيارات العلم والتخطيط واختيارات الضرورة والأزمة. والفرق بين الاثنين كما يقول أهل الاختصاص كالفارق بين المهندس الذي يخطط ليبني بناء ضخما بعد أن يدرس كافة جوانبه وبين رجل إطفاء الحريق أو طبيب الطواريء الذي يكون عليه أن يتخذ القرارات وينفذ الإجراءات بوحي من اللحظة وكرد فعل تلقائي على نوازل مفاجئه له. وللمهندس فسحة من الوقت تجعله يجمع بين البصر والبصيرة أي بين إدراك الواقع والأهداف المطلوب تحقيقها والتفكر في البدائل المختلفة المتاحة وعواقب كل بديل ويختار أفضلها على نحو نسبي في ضوء أنه ما اختار إلا ليضحي، وبالتالي لا بد أن يكون العائد الذي يحققه من اختياره يفوق التضحية بالعائد الذي كان يمكن أن يتحقق من بديل آخر وهو ما يسميه الاقتصاديون تكلفة الفرصة البديلة. أما رجال إطفاء الحريق فيعوزهم الوقت لأنهم عادة لا مجال للتبصر ومناقشة البدائل والمقارنة بينها لأن الأزمة لا تسمح لهم بكل ذلك. ورجل إطفاء الحريق معذور لأنه أمام "أزمة" والتي لها خصائص ثلاث:فهي (1) تهديد مفاجيء وحال (2) لمصلحة حيوية (3) في وقت اتخاذ قرار محدود للغاية.

وحين تقرر دولة ما أن تحول قراراتها الكبرى إلى قرارات أزمات فهي حقيقة تجهد نفسها وتهمش دور مثقفيها وعلمائها وتضيع على أبنائها أهم فرصهم كي يشاركوا في صناعة مستقبلها. وقد دأبت مصر ما بعد الثورة على تحويل الكثير من قضايانا الكبرى إلى أزمات وكأنها مفاجآت وتهديدات مباشرة لأمن الوطن والمواطن وعلينا ألا نتبصر كثيرا في عواقب القرارات على المدى الطويل لأنه وقت اتخاذ القرار محدود للغاية.

وبما أن كل الاختيارات ذات نتائج. وكل اختيار يعني تضحية لأنه من المستحيل اختيار بديلين متناقضين، فإننا نجد أنفسنا في كثير من الأحيان أمام قرارت غير مدروسة تعلم المواطن عدم الثقة في كفاءة جهاز الدولة والتحايل عليها وأن يضع المواطن نفسه في مواجهة مباشرة مع قوانينها ولوائحها لأنها عودته على أنه لا وقت لديها لاستشارته قبل اتخاذ القرار وإقناعه بجدواه بعد اتخاذه. فينتهي الأمر في كثير من الأحيان بقرارات تهدم ذاتها (self-defeating) بسبب رفض المواطن للتعامل الإيجابي معها بما يكون له آثار جانبية ضخمة تنال من جدوى القرار ذاته.

ولا تظهر مثل هذه الآثار الجانبية إلا بعد أن تتم عملية التعلم ورد الفعل. فحين تتخذ الدولة قرارا ما، فإن المواطن يحتاج فترة كي يتعرف على تفاصيل القرار ثم يبدأ في تطوير آليات مضادة للتعامل معه وتفريغه من مضمونه لاسيما إن كان المزاج العام ينظر إلى مثل هذه القرارات باعتبارها غير مدروسة أو مدروسة على نحو تعسفي يخدم مصالح ضيقة.

فيوم أن قررت الدولة أن تتدخل لصالح الطبقتين الدنيا والوسطى، لاسيما أدنى شرائحها، بأن تضع قيودا على إيجار الشقق والعقارات كان الهدف هو إتاحة فرص لأبناء هاتين الطبقتين أن يسكنوا في مساكن معقولة بإيجارات معقولة بمعايير تلك الفترة. لكن مثل هذه السياسات التي يترتب عليها إعادة توزيع المراكز المالية للأفراد، تكون هي ذاتها أدوات هادمة لذاتها ذلك أن البشر يتعلمون ويتفاعلون مع محيطهم. فما كان من معظم ملاك العقارات إلا أن توقفوا عن التأجير وانتشرت ظاهرة الشقق المغلقة والأراضي غير المستغلة و"خلو الرجل" الذي يتم في غفلة من القانون فضلا عن إهمال صيانة ما كان قائما منها بما أثر بالسلب على ثروة مصر العقارية. وكان الخاسر الأكبر هي نفس الفئة من المصريين التي كان يستهدف القانون حمايتهم فما وجدوا سكنا وما تمكنوا من التمتع بما هدف القانون لتحقيقه. وكان الأسلم، والأمر كذلك، أن تبقي الدولة على نمط العلاقة السائد والقائم على العرض والطلب مع منح قروض أو تسهيلات لمن هم بحاجة إلى التأجير.

وهو نفس منطق الرئيس عبد الناصر الذي وضع حكومته في أزمة للخروج من أزمة بما ترتب عليها من أزمة. فبعد أن أخفقت تجربة الوحدة مع سوريا كان هناك شعور عام بالإحباط في مصر وصل لدرجة الاعتقاد بأن القومية العربية كأساس للشرعية وكمبدأ للحكم فقد الكثير من مصداقيته، فقرر خالد الذكر أن يحل هذه الأزمة بأن يجعل التعليم الجامعي مجانيا وقد كان. فقرر في خطاب ذكرى الثورة (أي يوليو 1961) أن يكون من حق كل مصري ومصرية أن يدخل أبناؤهم الجامعة في سبتمبر 1961 مجانا. وقد هلل المهللون، ولكننا وجدنا أنفسنا في أزمة. فحتى لو كان القرار صحيحا ولكنه طبق بشكل خاطيء على نحو ينال من صحة القرار نفسه. فكم جامعة أنشئت من يوليو حتى سبتمبر 1961 كي تستوعب القادمين الجدد؟ وكم أستاذ جامعي وكم فصل دراسي وكم كتاب وكم معمل وكم طريق وكم مقعد وكم...حتى نعد جيلا من الخريجين القادرين على أن يحققوا المأمول منهم؟ وبالمناسبة لم تمر شهور قليلة حتى وجدنا أنفسنا في أزمة جديدة وهي أزمة إرسال القوات المصرية لمساندة ثوار اليمن. وهكذا.

وباستثناء حرب أكتوبر التي خطط لها مهندسون بارعون بأسلوب علمي رصين خلال الأيام الستة الأولى منها، فقد عشنا مع الرئيس السادات في سلسلة من الأزمات التي يعقبها قرارات أزمة تؤجل الأزمة لتفضي لأزمة أخرى لاحقة بما في ذلك قراره لزيارة القدس والذي في الأصل أنه قرار سيادي ومصيري يحتاج الكثير والكثير من التأمل والتدبر والتخطيط بيد أنه وضعنا جميعا في أزمة ذات وقت قراري محدود وتغيير هيكلي في مصالحنا واستراتيجيتنا ولا صوت يعلوا فوق صوت إدارة الأزمة، وهكذا كانت قرارته المصيرية جميعها سواء الاقتصادية أو السياسية.

ومع الرئيس مبارك استمر نفس النهج لحد بعيد، فظللنا نراوح مكاننا فيما يتعلق بقضية الإصلاح السياسي حتى فوجئنا في فبراير 2005 بأن الرئيس يضعنا جميعا في أزمة وهي أزمة تعديل المادة 76 من الدستور والتي كان مجرد التفكير في تعديله "دعوة باطلة" قبل ذلك بأسابيع قليلة. بل إن كل انتخابات تجري على أرض مصر تتحول إلى أزمة لا بد أن تتدخل فيها البيروقراطية والأمن لتصحيح الاختيارات "الخاطئة" التي يقدم عليها المصريون سواء بعدم الذهاب لصناديق الاقتراع أو باختيار مرشحين معارضين للحزب الحاكم.

        وها نحن الآن نواجه شبه أزمة لأننا مطالبون بأن نقبل تعديلات وصفتها في مقال سابق بأنها تعديلات لتقوية قلب مصر ولكنها تتجاهل كبدنا العليل والذي لا بد أن يكون في كامل عافيته حتى يقف صامدا أمام الفساد الذي وصل إلى الركب في بعض المجالات وإلى الأنوف في مجالات أخرى. فالدولة اختارت ألا تمس جوهر المشاكل، ولهذه الاختيارات عواقب كثيرة يمكن أن نتنبأ ببعضها ونقف أمام المجهول في كثير من جوانبها الأخرى.

        وللقضاة والمهندسين والمعلمين والأطباء والعمال مطالب مشروعة بحكم الدستور والقانون، لكننا نتجاهلها إلى أن تتحول هذه المطالب إلى أزمة. ومن هنا كانت فكرة وحيد حامد في ختام فيلم "النوم في العسل" بأن يأخذ بطل الفيلم آلاف المواطنين إلى مجلس الشعب ليقول لهم "آه...آه...آه" أي نحن في أزمة، ويبدو أن تغييرا حقيقيا لن يحدث في مصر حتى يضع المصريون حكومة الحزب الوطني في أزمة حقيقية لا يكفي معها عودة المنشقين من الحزب الوطني إلى الحزب بعد أن يخسر الحزب في الانتخابات. 

        ويوم أن أدركت الدولة المصرية أن هناك أزمة حقيقية في مرافق العاصمة أنفقت عليها الكثير والكثير بما ترتب عليه أحزمة من العشوائيات تحيط بها. فالدولة قد اختارت أن تعطي أولوية في الإنفاق للعاصمة، وهذا الاختيار له عواقب ويرتبط بتضحية حيث وجد أبناء المحافظات الأخرى أن فرص العمل أعلى في أحزمة الفقر المحيطة بالعاصمة فانتقلوا إلى هوامش المدن دون أن يتعودوا أو يتعلموا قيم المدينة أو المدنية. والعواقب القادمة ستكون أكبر إذا ما خرج هؤلاء شاهرين أسلحتهم مطالبين بحقوقهم التي لم يحصلوا عليها في قراهم ومراكزهم ولم يحصلوا عليها في عششهم وعشوائياتهم. وهكذا تتولد أزمة جديدة نتيجة قرار أزمة سابق.

ويوم أن قررت الدولة الاستثمار في توشكى تحول الأمر آنذاك إلى قرار أزمة وكأننا لا بد أن نتخذ القرار قبل أن تضيع علينا مياه الفيضان وكان السؤال الذي طرحه أهل العلم آنذاك هو لماذا يتجه المصريون جنوبا؟ أليس من الأجدى استغلال المياه في فرع آخر للنيل يصب في البحر الأحمر مثلا كي ننشيء مدنا جديدة فيها من الصناعة والخدمات والاستثمار ما يغري المصريين بالانتقال إليها بدلا من مساحات صحراوية تتخللها قنوات مائية قليلة في جو حار لا يغري المصريين بالانتقال إليها في جنوب أسوان بمئات الكيلومترات؟ لكن لا صوت يعلو فوق صوت الأزمة.

والأمر ليس بعيدا عن الكثير من المجالات الأخرى، فإننا ننتظر حتى يتحول الأمر إلى أزمة وساعتها نبدأ في العلاج السريع ببصر دون بصيرة لأن الأزمة على الأبواب. ويبدو أن هذا النمط أصبح جزءا من الشخصية المصرية؛ فلا يستذكر معظم الطلاب إلا بعد أن يتحول الأمر إلى أزمة، ولا نعد مسلسلات رمضان إلا بعد أن نكتشف أن رمضان جاء فجأة، ولا ننكب لمناقشة الكثير من قضايانا إلا بعد أن تتحول إلى أزمة.

وأما وقد اخترنا أن نتخذ، في جل قضايانا، قراراتنا وفقا لمنطق الأزمة، فقد ضحينا بأن نتبنى منطق العلم والتبصر في ما نضحي به وفي عواقب أفعالنا على المدى الطويل. والأمر ليس بغريب، فمحاولة استخدام العلم لعلاج مشاكل مجتمع لا يعترف بالعلم هي محاولة غير علمية في حد ذاتها. فللعلم بيئته التي ينبغي أن يزدهر فيها، إن غابت هذه البيئة، أصبح العلماء والعدم سواء. ألم أقل لكم إنني حين أغادر مصر أكتشف أنني سافرت في الزمن وليس فقط في الجغرافيا. وصدق الله إذ قال: "أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى، أمن يمشي سويا على صراط مستقيم."

Hit Counter