هل ممكن استيراد حزب حاكم صيني؟
|
البديل |
2 أغسطس 2008 |
أستاذ العلوم السياسية، جامعة ميشجان
قال محدثي، وهو عضو بارز في الحزب الوطني، إن مصر بلد ضخم وعدد سكانه كبير وإحداث
تنمية حقيقية فيه مسألة ليست سهلة والدولة لا تبخل بجهد في كافة المجالات.
والحقيقة أنني أنظر بالكثير من الشك لمثل هذه الأطروحات التي تجعلنا نبدو وكأنني
عصيون على التقدم وأن علينا أن "نحمد ربنا" على ما أنجزناه حتى الآن. وهو خلط معيب
بين ما حققناه وما كان يمكن أن نحققه لو اختلفت نوعية القيادة وتغيرت تركيبة
الأولويات. مصر حجمها كبير وعدد سكانها كثير حق لا مناقشة فيه، لكن الصين أكبر
وأكثر ومع ذلك يظل الانضباط في الشارع الصيني بل في الحياة الصينية ملمح بارز. إنها
دولة أكثر انضباطا رغما عن أن عدد سكانها يساوي عدد سكان مصر مضروبا في 15. ولم أزل
وزملائي من أستاذة الجامعة الأمريكيين نذكر بكل إعجاب آداء طلابنا الصينيين ونحمد
فيهم جهدهم الدءوب ليجتازوا حاجزي اللغة والثقافة بل وإحساسهم العميق بحتمية أن
يعودوا إلى بلدانهم كي يشاركوا في نهضتها.
كما تروي مشاهدات المتخصصين في الشأن الصيني عن أن وجود حزب واحد في الصين لم يكن
بالضرورة سببا في انتشار الفساد حيث إن المحاسبة لم تزل قائمة والشفافية في الإعلان
عن الإنجازات والإخفاقات ليست محل نزاع. كما أن الإصلاحيين داخل الحزب الصيني
يلعبون دورا مهما في مساءلة التنفيذيين في موقع السلطة.
وهو ما يجعل الصين ليست فقط دولة تسلطية (Authoritarian)
لكن الأهم أنها دولة قانون ذات سلطة نافذة (Authoritative
under law)
وهذه الخاصية الأخيرة هي من سمات الدولة التنموية ديمقراطية كانت أو تسلطية. وهو ما
تفتقده مصر بشدة لأنها رخوة بفعل فاعل. وقد كان آخر مظاهر هذه الرخاوة هو قانون
المرور الجديد الذي يشير تحقيق في صحيفة الأهرام أنه فرصة جديدة لمجموعة من التجار
والمستوردين لبيع صناديق أدوات طبية وأدوات إنقاذ غير مطابقة للمواصفات الفنية.
وكأن من سن القانون يهوى تعذيب الإنسان المصري واستفزازه، وقد عشت في الولايات
المتحدة ثماني سنوات ولا أعرف قانونا يطلب من الأمريكان أن يحتفظوا بمثل هذه
الأدوات
في سياراتهم.
وعند تدريسي مادة "الاقتصاد السياسي للتنمية"، وهي مادة بطيعتها تقوم على دراسة
تجارب الدول المختلفة في التقدم والتخلف، أجد مصر تقف كحالة كلاسيكية لدولة رخوة،
إلا فيما يتعلق بتأمين النظام الحاكم وأهم رجاله ورموزه. دولة يحدد ساستها الأهداف
ويصنعون القوانين لكنهم يعجزون عن تطبيقها إما بحكم فساد الجهاز الإداري المنوط به
تنفيذ القوانين واللوائح أو لوجود مصالح خاصة (احتكارية في معظمها) تجعل الدولة
وكأنها أداة في يد "شلة" محدودة ومحددة من أصحاب النفوذ.
ودعونا نعود بالذاكرة لكمية الأهداف المعلنة من قبل رجال الدولة في آخر 25 سنة لنرى
كيف عجزت الدولة عن تحقيق الأهداف التي أعلنتها بنفسها. لقد سمعنا كلاما عن غزو
الصحراء والتوسع في الرقعة الزراعية، والمحافظة على مجانية التعليم والقضاء على
الدروس الخصوصية، وبيع القطاع العام والمحافظة على حقوق العمال، وعودة الانضباط
المروري للشارع المصري بما في ذلك التطبيق الصارم لقوانين المرور وتوقيع عقوبات
رادعة على أصحاب البيوت الذين يبنون أعلى من الارتفاعات المقررة، وإرغامهم على فتح
الجاراجات المغلقة، والحديث عن إلغاء عقوبة الحبس في جرائم النشر وتنظيم كأس العالم
والدخول في العصر النووي. ومع الأسف ذهبت هذه الأهداف أدراج الرياح.
إن فيض الوعود لن يتوقف إلا إذا تغيرت نوعية القائمين على حكم مصر. ويبدو أن
الاختيار بين أهل الثقة وأهل الخبرة الذي كان سائدا في الحقبة الناصرية قد حل محله
معيار جديد وهو "أهل الطاعة" الذين ينفذون ما يطلب منهم دون أن يسعوا لأن تكون لهم
مصادر شرعية مستقلة عمن عينهم في مناصبهم، ويقبلون قرارات إقالتهم باعتبارهم
سكرتارية للرئيس دون إدعاء بطولة أو إحساس بالظلم لأن أيا منهم لم يكن أصلا يستحق
منصبه أو على الأقل هذا ما ينبغي أن يقتنع به، فللرئيس ما أعطى وللرئيس ما أخذ.
أعتقد أن مصر تستحق نظام حكم ديمقراطي حقيقي وفقا للمعايير العالمية، بل أعتقد أننا
مستعدون له إذا أحسنا صياغة الترتيبات المؤسسية المرتبطة به، لكنني لا أتوقع من
الحزب الوطني الديمقراطي أن يكون ديمقراطيا لدرجة أن يتحول بمصر إلى الديمقراطية
لأنه سيكون أول ضحاياها. لكن ما أتمناه أن يكون الحزب الوطني وطنيا بالقدر الذي
يطهر فيه نفسه ممن يضعفون مصر كي يقووا، وممن يلوثهم الفساد ويتحصنون باتصالاتهم،
وممن يقتلون الأمل في الشباب ويجعلونهم أغرابا في أوطانهم. إن الشباب الصيني الذي
ألتقيهم في الولايات المتحدة يتحدثون عن بلدهم بفخر وحب ورغبة في أن يشاركوا
قيادتهم في بناء الوطن. عكس الشباب المصري الذي تبدو عليه علمات الحسرة نتيجة ما
آلت إليه الأمور؛ بل إن القصص التي يرونها عن الفساد والإهانة والمهانة كثيرة كثيرة
بما يؤكد أن حزبنا الحاكم نجح في قتل أهم ما يملكه الإنسان وهو الأمل، ولولا الأمل
ما كان العمل. وبما أن الحزب الوطني غير قادر على إدارة النهضة في مصر، هل ممكن
استيراد حزب حاكم صيني ضمن ما نستورد منهم؟