|
سؤال الهوية بين الدولة والقومية: هل مصر عربية؟ الوفد، 26 يونيو 2007 د. معتز بالله عبد الفتاح كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة القضية أعقد من الإجابة اليسيرة بنعم أو لا لسببين على الأقل. أولهما سهل يسير يقوم على التحليل المعلوماتي لواقع العرب والعروبة والأخر أكثر تعقيدا لأنه يطوف بنا على قضية القوميات وعلاقاتها بالدول التي تعيش فيها أو تتصارع معها في عالمنا المعاصر. وهي قضية شغلت علماء السياسة والباحثين طويلا. أولا إن عروبة العرب في ذاتها مسألة موضع تساؤل: فالعرب يوجد بينهم على الأقل 11 جماعة عرقية أو قومية متميزة عنهم إما لغة (الكرد والبربر) أو دينا (المارون والكالدانيين) أو الإثنين معا (مثل أتباع المعتقدات الأفريقية في السودان، فهؤلاء ليسوا عربا لا لغة ولا دينا). وهذه الجماعات تشكل أكثر من 55 مليون شخص (أي حوالي 20%) يعيشون بين العرب ويتمايزون عنهم في اللغة أو الدين أو الإثنين معا. والمشكلة أن العرب نجحوا في أن يجعلوا الكثيرين من أبناء العرقيات الأخرى قوميات أخرى. أي أنهم ليسوا متمايزين عنا فقط كعرق(بحكم الدين أواللغة) لكنهم واعون بهذا التمايز راغبون في أن ينقلوه من التمايز العرقي إلى التمايز السياسي بأن تصبح لهم حقوق المحاصصة داخل الدولة (أي تقسيم السلطة والثروة على أساس حصص عادلة من وجهة نظر القومية الأقل عددا) أو الانفصال التام عن الدولة الأم التي يعتبرونها دولة محتلة لهم مثل رغبة الكرد في الانفصال عن العراق أو جنوب السودان). وفي كل الأحوال نحن بحاجة لأن نفهم ظاهرة علاقة القوميات بالدول التي تعيش فيها. ثانيا، دول العالم في علاقاتها بالقومية التي تنتمي إليها على أربعة أنماط، مع تداخلات منطقية في حالات استثنائية. أولا هناك دول متعددة القوميات المتصارعة (multi-nation states): أي يوجد داخل الدولة الواحدة عدة قوميات متصارعة أي ضاغطة من أجل مزيد من الحقوق الجماعية أو تسعى للاستقلال حتى لو عن طريق الحرب الأهلية. وما السودان والعراق والصومال ولبنان عنا ببعيد. ولماذا الصراع؟ الصراع عادة ما يرتبط بظاهرة التوازي في أشكال الانقسام (overlapping cleavages) وهو ما لا يفهم إلا بمثال. ولنأخذ السودان، فلو تخيلنا خريطة السودان وقررنا أن نضع خطا متوهما فاصلا بين أهل الجنوب وأهل الشمال ولنبحث في خصائص هؤلاء وأولئك سنتبين ما يلي: يغلب على أهل الشمال أنهم عرب، وما يغلب على أهل الجنوب أنهم ليسوا عربا (انقسام لغوي)، يغلب على أهل الشمال أنهم مسلمون، ويغلب على أهل الجنوب أنهم مسيحيون أو معتنقو "كريم المعتقدات الإفريقية" كما ينص الدستور السوداني(انقسام ديني)، أهل الشمال ظلوا في الحكم أبدا منذ الاستقلال، وأهل الجنوب ظلوا محكومين أبدا منذ الاستقلال (انقسام سياسي)، أهل الشمال أغنى نسبيا من أهل الجنوب (انقسام اقتصادي)، أهل الشمال يعيشون في شمال البلاد وأهل الجنوب يعيشون في جنوبها (انقسام جغرافي). ضع هذه الانقسامات فوق بعضها البعض سيتبين لنا أننا بصدد دولة واحدة ومجتمعين متمايزين متصارعين لكل هويته وقوميته ورموزه وطموحاته. وعليه فإن استمرار دولة مستقرة على هذا النحو مسألة شديدة الصعوبة. ومع التدخلات الخارجية يصبح الأمر أكثر تعقيدا بما يفضي عادة إلى الحرب الأهلية. ومع ذلك لم تتحول العراق إلى حرب أهلية بعد بسبب أن التوازي في أشكال الانقسام غير متحقق في العراق بسبب الانقسامات الداخلية في كل فريق. فالشيعة أنفسهم ليسوا فريقا واحدا في مواجهة السنة الذين هم أنفسهم منقسمون على أنفسهم. ولم ينج من هذه الانقسامات الداخلية إلا الكرد، ومع ذلك يظل الوجود الأمريكي من ناحية والضغوط الإقليمية من ناحية ثانية تجعل بديل الحرب الأهلية الشاملة في العراق بديلا مستبعدا مؤقتا. ثانيا دولة متعددة الأعراق المتصالحة (multi-ethnic states) وهو أغلب دول العالم المستقرة اجتماعيا مثل الولايات المتحدة، سويسرا، ماليزيا، فرنسا. ويكون السؤال لماذا لا تعاني هذه الدول ما تعانيه سابقتها؟ بنفس المنطق المباشر لأن هناك تداخل في أشكال الانقسام (cross-cutting cleavages). ولنأخذ الولايات المتحدة مثالا، وهي دولة فيها من التعدد العرقي والديني واللغوي في بعض مدنها ما يزيد على التعدد الأثني في بعض الدول الإفريقية مجتمعة ومع ذلك احتمالات حدوث حرب أهلية في الولايات المتحدة في المستقبل المنظور صفر. لماذا؟ تخيل خريطة الولايات المتحدة الأمريكية أمامك. أين يوجد الأغنياء؟ هم موزوعون على كل ولاياتها بدرجات متفاوتة. أين يوجد من يحكمون؟ الكونجرس يمثل كل الولايات إما بالتساوي كما في مجلس الشيوخ أو على أساس عدد السكان كما في مجلس النواب، والرئيس قد يأتي من ولاية صغيرة فقيرة مثل أركانسو (في حالة كلينتون) أو ولاية ثرية كبيرة مثل كاليفورنيا (في حالة ريجان) أو تكساس (في حالتي بوش الأب والابن). أين يوجد المسلمون؟ موزعون على الولايات المختلفة حتى وإن كان لهم تركز في بعض الولايات وكذا الأمر بالنسبة لليهود والكاثوليك والبروتستانت. وهكذا... إذن ما هي المجموعة المتجانسة (عرقا أو لغة أو دينا) التي تريد الانفصال عن الولايات المتحدة خلال الخمسين سنة القادمة؟ لا يوجد. قد يقول قائل: "إن أمريكا بلد محظوظة"؟ ربما ولكن ما هو الحظ؟ إنه كيف تكون مستعدا لاغتنام الفرص المتاحة لك. وعليه فهناك مساحة من العلم والفكر أيضا، فالقضية ليست صدفة. وهو ما يجعلنا نعود إلى الفكر السياسي الأمريكي، الذي هو في تقديري لا يقل في غزارته وثرائه عن الأوروبي أو الإسلامي، لنرى كيف فهم الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأمريكية المعضلة. ولنأخذ ماديسون، الذي أصبح الرئيس الرابع للولايات المتحدة، وهو عندي واحد من أعظم مفكري الغرب ولا يضاهيه إلا أبو الليبرالية جون ستيورت ميل، وأعظم عظماء الاقتصاد السياسي، أليكساندر هاميلتون. ماذا قال ماديسون عن قضية التعددية العرقية والدينية واللغوية في الولايات المتحدة؟ أدرك ماديسون بأن المجتمع لن يستقر إلا إذا قضينا على هذا التعدد أو نجحنا في استيعابه. كيف نقضي على هذا التعدد؟ الإجابة الأسهل التي كانت سائدة في العالم في تلك الفترة (أي القرن الثامن عشر) بالقمع على نحو ما رأينا لاحقا في الاتحاد السوفيتي أو في ظل حزب البعث العراقي. ولكن هذا الحل مرفوض من ماديسون لأنه، والتعبير لماديسون، أشبه بمن يريد أن يطفأ النار بمنع الأكسجين عن كل من هم في المكان، فيموت الجميع. أي نقضي على الحرية لأننا نخاف التعددية الدينية واللغوية، وهو ثمن باهظ لا يليق بمجتمع حديث. إذن ما الحل؟ سنعالج التعدد (plurality) بمزيد من التعددية (pluralism) وهو ما أصبحنا نطلق عليه لاحقا التداخل في أشكال الانقسام. فالكاثوليكي الأمريكي سيفكر ككاثوليكي وهو في الكنيسة لكنه سيقف بجوار أخيه المواطن الأمريكي البروتسانتي على قدم المساواة في النقابة وهما معا سيقفان مع مواطن آخر مسلم في الحزب الحاكم وهم جميعا سيشجعون فريق كرة سلة واحد، فيتوارى الشعور بالهوية العرقية أو الدينية أو اللغوية إلا إذا حدث تهديد مباشر لما هو خاص وشائع بين أبناء القومية الفرعية الواحدة، وهو ما لا ينبغي أن تقدم عليه الدولة لأنها محايدة أمام مصالح كافة الأديان والعرقيات بحكم كونها دولة ليبرالية ديمقراطية بل وفيدرالية. إذن لم يكن هناك تجاهل لمشكلة التعدد من البداية بل على العكس، تمت الهندسة المؤسسية للدولة بما يستوعب التناقضات الحالة والمحتملة. وبهذا نجحت بالعلم فيما فشل فيه آخرون بالقمع. المهم أن هذا النمط من الدول تتعدد فيه الأعراق (وليس الأمر لحد أن تتحول فيه الأعراق إلى قوميات لأنهم متنوعون في إطار وحدة قومية الدولة الوطنية) ومع ذلك يظل نسيجها الاجتماعي متماسكا وبهذا يكون واحدا من شكلي الدولة الوطنية (Nation state). وهناك نمط ثان من أشكال الدولة الوطنية وهو نمط الدولة المتجانسة عرقيا وقوميا. ثالثا دولة متجانسة العرق (uni-ethnic states): وهذا عدد محدود جدا من بين دول العالم التي يبدو فيها درجة عالية من التجانس العرقي، لغة ودينا، مثل اليابان وبولندا ورومانيا حيث لا توجد امتدادات عرقية لأي منها خارج حدودها أو امتدادات خارجية لعرقيات أخرى داخل حدودها. والمعنى هنا أن حدود الدولة السياسية والقانونية تنطبق تمام الانطباق مع حدود المجتمع الثقافية والاجتماعية. وحتى لو كانت هناك انقسامات دينية محدودة بسبب انتشار المسيحية أو الإسلام في اليابان، فإن الهوية الوطنية لها أولوية مطلقة. فلو حدثت حرب بين اليابان وإيران مثلا، فإن الياباني المسلم سيختار أن يحارب في جيش بلده وليس في جيش دينه. والأصل أن مصر الفرعونية كانت تنتمي تاريخيا لهذا النمط حينما كانت القومية المصرية كافية ومستكفية حتى وإن توسعت شرقا أو جنوبا لكن دخول الإسلام مصر والدور الذي لعبته مصر عبر تاريخها جعلها في عقول المصريين والعرب دولة ذات دور قومي وإقليمي. وأجج هذا الاتجاه في القرن الماضي أن إلغاء الخلافة الإسلامية عام 1924 لم يقابل بقبول مباشر لفكرة عودة مصر لحدودها لتعود كما كانت قومية كافية ومستكفية. ولكن بعد أربع سنوات تم التأكيد على الهوية الإسلامية لمصر مع جماعة الإخوان ثم الحديث عن القومية العربية بعد التعاطف العربي الجامح مع مصر أثناء أزمة 1956 والاستعداد الشخصي للرئيس جمال عبد الناصر أن يكون زعيما للعرب. بيد أن الرئيس السادات، وببرجماتية سياسية واضحة، اتخذ قراراته الكبرى في اتجاهين متضادين: ففي الحرب والسلام اتخذ قرارته على أساس أن مصر دولة ليس لها امتداد أو التزام قومي خارج حدودها، ومن هنا أكد على مصر باعتبارها دولة موحدة القومية، لكنه في الداخل أشاع روحا من التمييز بين المسلمين والمسيحيين بتأكيده فعلا وقولا على أنه "رئيس مسلم لبلد مسلم" بما جعل قطاعا من المسيحيين المصريين ينظرون إلى مصر على أنها دولة متعددة القوميات على أساس ديني. وتظل الاحتقانات والتوترات الدينية على أرض مصر دليلا على أننا لسنا دولة واحدة العرق متجانسة القومية مثل اليابان أو دولة ليبرالية قادرة على استيعاب انقساماتها مثل الولايات المتحدة. وهناك رابعا، نمط القومية متعددة الدول (multi-state nations) حيث يكون الامتداد القومي (بما له من أصول لغوية ودينية) متعد لحدود دولة بذاتها. والأمر كذلك عند القوميين الكوريين الذين يعلمون أن الشعب الكوري واحد حتى وإن انقسم لأسباب أيديولوجية. وكذا كانت الألمانيتان قبل الوحدة، بل عند أبناء اليمنين وكذا الأمر بالنسبة للكرد الذين يبلغون 30 مليونا موزعين على أربع دول كبرى، وكذا عند الوفديين الذين يرون مصر والسودان وطنا واحدا، وكذا الأمر عند القوميين العرب أوالإسلاميين الذين يسعون لإحياء الخلافة (مثل حزب التحرير). وهو ما ينقلني مباشرة للحديث عن الهوية العربية لمصر. فمأزق القوميين العرب ليس في أمانيهم الطيبة بتحقيق الوحدة العربية لكن المشكلة أن نبل الغاية لم ينعكس على نبل الوسيلة. فالرغبة في توحيد الدول العربية ارتبطت في آخر 50 سنة بالأيديولوجيات الشعبوية البعثية (العراقية والسورية) والناصرية المصرية واليمنية والليبية والجزائرية القائمة على التعبئة السياسية والتماهي في مشروع قومي يقوده حزب تسلطي على قمته قائد يرفع شعارات ويتخذ قرارات وفقا لمنطق النموذج العضوي الذي جسدته التجربتان الألمانية (بيسمارك) والإيطالية (غاريبالي) حول أولوية العنصر الإثني واللغة والتاريخ والثقافة في تحديد الهوية القومية والتعويل على دور القائد والزعيم الملهم. وكأن وظيفة الحزب القائد والزعيم الملهم أن يعيد تركيب الأجزاء ميكانيكيا بما يخلق الكل قسرا بمنطق الغزو والضم وليس التعاون والتكامل. وكان الطرح السائد في ظل هذه الصيغة الأيديولوجية هو "إما / أو" فإما الحقوق المدنية والسياسية أو الوحدة والاستقلال والتنمية الاقتصادية، وكان الاختيار المفروض قسرا هو الوحدة العربية والاستقلال حتى لو كان على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما لم نحقق أيا منه لا الذي أردناه ولا الذي ضحينا به. ومن هنا أنا أتفهم لماذا يرفض البعض القومية العربية ويكفر بها، ليس لعيب في الهدف، ولكن لأن أدوات الوصول إليها كانت تبني الوطن على حساب المواطن، وتبني القومية على حساب القوم، وتشعر أبناء الأقليات غير العربية أو أبناء الأفكار غير المتسقة مع الأيديولوجية السائدة أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، فيتحولون هؤلاء ذواتهم من عنصر ثراء وتكامل إلى ضحايا ثائرين. إن القوميين العرب بحاجة لجهد أكبر في تعريف مجتمعهم العربي الكبير بما وصلوا إليه من مراجعات تقترب بالقومية العربية من النمط الأمريكي والفرنسي والإنجليزي والذي يعلي من مكانة الدولة الأمة بمفهومها القانوني والدستوري ويسمح بحرية تكوين المؤسسات المدنية على قدم المساواة بين كافة الجماعات الفرعية الإثنية والدينية على أساس المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين المواطنين جميعا. إذن سؤال الهوية مطروح على كل الدول، لكن هناك من يجيب عليه بالعلم والفكر وهناك من يعبث فيه بالعاطفة والشعارات. وهو ما يجعلني أقول مصر عربية الهوية نعم وعليها مسؤوليات مرتبطة بأمنها تجاه السودان وفلسطين والعراق، لكن دعونا نؤجل ما هو نظري حتى نتحول بمصر فعلا إلى دولة ليبرالية قادرة على علاج مشاكلها بأساليب مؤسسية وقانونية دون استثارة النعرات الدينية. |