|
الوفد 18 سبتمبر 2007 الاستعداد للانتخابات الرئاسية 2011 د. معتز بالله عبد الفتاح كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة بعد أن يختفي الرئيس مبارك من على مسرح الحياة السياسية فستشهد مصر نقطة تحول هامة في تاريخها السياسي حيث ستتقارب الرؤوس ومن ثم ستتناطح لأن شرعية الثورة والتحرير ستنتهي وستكون الغلبة لمصدر جديد من مصادر الشرعية وهي الشرعية الانتخابية الحزبية، بما قد يعني أن الحزب الوطني، دون أن يدري، قد أعطى الفرصة لغيره من الأحزاب أن لا تكون أحزابا ديكورية إذا ما نجحت قيادات هذه الأحزاب في أن تراكم لنفسها رصيدا جادا من الدعم والتأييد في الشارع. وعلى قيادات الأحزاب المعارضة أن تجتهد في إحداث هذا التراكم استعدادا لانتخابات 2011 لاسيما إذا عدل الرئيس مبارك عن الدخول فيها، وحتى وإن رشح نفسها فيها فإن على هذه الأحزاب أن تشارك على أمل أن تحقق بعض نقاط التفوق في خطتها بعيدة المدى لأن تصل إلى الأغلبية وأن تخلق تعاطفا شعبيا معها. وعليه فإن قيادات أحزاب المعارضة الجادة عليها أن تستعد لانتخابات 2011 من الآن حتى تكون قادرة على أن تشارك فيها بقوة بغض النظر عن مرشح الحزب الوطني، وهو ما يقتضي أن تمر هذه الأحزاب بعدة مراحل لمواجهة عدة تحديات. 1- مرحلة التعريف بالقيادات الحزبية وبناء مصداقيتها الشعبية: ويطلق على هذه المرحلة في أدبيات الحملات الانتخابية، مرحلة الـ name recognition أي أن يتعرف الجمهور على الشخص المرشح لأهم منصب في الدولة وأن تكون معرفتهم به مباشرة وليس من خلال الشائعات أو الأحاديث السيارة، وهو ما يقتضي من القيادة الحزبية أن تتواجد بكثافة في الشارع السياسي من خلال منابر ثلاثة: المنبر الأول هو الاتصال المباشر بعناصر الكتلة التاريخية وهم تحديدا القيادات العمالية والطلابية، لاسيما وأن الطبقة الوسطى في مصر هي طبقة من الموظفين الذين كفوا عن المطالبة بحقوقهم السياسية مقابل كف الدولة أذاها عنهم. وبما إن الحزب الوطني يمارس حظرا قانونيا وأمنيا على العمل السياسي في الجامعات ويمارس التزوير لمنع وصول القيادات الحزبية إلى العمال من خلال الانتخابات، فإن على الأحزاب أن تبتكر أساليب جديدة للتواصل مع الطلاب والعمال بدعوتهم إلى قاعاتها من خلال دورات تدريبية في مجالات مختلفة يكون من ضمنها بطبيعة الحال التعريف بالحزب وأنشطته المختلفة. والمنبر الثاني هو أجهزة الإعلام المختلفة لاسيما خارج إطار الحزب الذي تنتمي إليه القيادة الحزبية. فكتابة رئيس حزب معين في صحيفة حزبه لا يحقق الغرض من "التعريف به" لأنه معروف داخل حزبه وإنما يكون من المهم للزعيم الحزبي أن يكتب في صحف غير حزبية أو الصحف القومية فضلا عن أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة سواء الحكومية أو المستقلة. والمنبر الثالث هو ابتكار القيادة في طرح نفسها على الساحة السياسية من خلال تحديد ما هو "فريد" عن هذه القيادة. على سبيل المثال، أن يعلن مرشح الحزب بكل شفافية عن ممتلكاته وعن طرق حصوله عليها وأن يعد بأن يقدم للرأي العام، في حال انتخابه، تقريرا سنويا عن ثروته وكيف زادت ومصادر زيادتها. وعلى الشخص المرشح من قبل حزبه لرئاسة الجمهورية أن يقدم نفسه باعتباره صاحب مشروع قومي أساسي تلتف حوله الجماهير لأنه يلهب حماسها شريطة أن يكون المشروع القومي يعالج واحدا من التحديات المهمة، وما أكثرها، وليكن مشروعا قوميا حول التعليم أو تعمير الصحراء أو بناء دولة القانون الذي ينطبق على الجميع. لكن هذا المشروع سيحتاج أن يكون مدروسا بعناية شديدة وبتفاصي كثيرة كما يتضح من النقطة الرابعة. 2- مرحلة تأمين القواعد للقيادة الحزبية (securing the base) وهي مرحلة مهمة للغاية في ظل التشرذم السياسي الذي تعيشه الحياة السياسية المصرية حيث يوجد داخل التيار الناصري العديد من الاتجاهات الفرعية وكذلك بين الليبراليين وهو الأصل تاريخيا بين قوى اليسار. وعليه فإن القيادة الحزبية التي تعد نفسها للدخول في الانتخابات الرئاسية عليها مهمة ثلاثية: أولا ضمان أن يتمتع قائد الحزب بشرعية كاملة داخل الحزب الذي ينتمي إليه وهو ما يقتضي بالضرورة ألا توجد منازعات قانونية شكلية أو قاعدية فعلية تجعل القيادة الحزبية مطعون في شرعية وجودها على قمة الحزب ويمكن تسمية هذه الشرعية بالشرعية الرأسية لأنها تتضمن تأييد الوحدات الأدنى في الحزب لمن هم في قمته من خلال انتخابات حرة ونزيهة. وثانيا على هذه القيادة الحزبية أن تعمل على ضمان الشرعية الأفقية التي تمتد خارج نطاق الحزب وصولا إلى الأحزاب الأخرى من نفس التيار الفكري. فلو وقفت الأحزاب الليبرالية حول مرشح واحد يعبر عن المشروع الليبرالي المصري، فإن هذا يعني دفعة قوية على مستويين: أولا أصوات هؤلاء الليبراليين والدعاية التي سيقومون بها لصالح المرشح الذي سيختارونه وثانيا إعطاء ثقة للمواطن المصري في أن القيادة الحزبية، الليبرالية في هذا المثال، لديها من الكوادر ومن الدعم السياسي ما يجعلها قادرة على تصريف أمور الدولة متى حظيت بثقته. ثالثا من باب تأمين القواعد أيضا أن تضمن ما يمكن تسميته "الشرعية الشخصية" أي أن يحقق أو يحتفظ مرشح الحزب لانتخابات الرئاسة بتأييد أبناء دائرته في انتخابات مجلس الشعب أو الشورى، لأن المرشح الحزبي الذي لا يستطيع أن يحقق أو يحافظ على دعم وتأييد دائرته الانتخابية في الانتخابات الأدني سيجد صعوبة بالغة في إقناع الناخبين في الدوائر الأخرى بدعمه وتأييده في الانتخابات الأعلى أي الانتخابات الرئاسية. وعليه فتأمين القواعد مسألة تحتاج إلى الموازنة بين الأبعاد المؤسسية داخل الحزب، والاتفاقات الأيديولوجية مع الأحزاب الأخرى، والاعتبارات الخدمية مع أبناء الدائرة الانتخابية التي ينتمي إليها المرشح. 3. مرحلة تكوين التحالفات الانتخابية: وهي ضرورة سياسية في ظل وجود حزب سياسي مسيطر يدعي أنه يمثل كافة المصالح والطبقات بل ويسوق نفسه باعتباره وسطا بين كافة الأيديولوجيات. وعليه فلا يمكن لأي حزب يمثل أيديولوجية بذاتها أو مصالح طبقة بعينها أن يستقطب أصوات المنتمين للطبقات والأيديولوجيات الأخرى إلا إذا كان ذلك جزءا من تحالف أوسع. وقد كتبت من قبل أن بناء تحالفات معارضة أصبح واحدة من أهم إستراتيجيات مواجهة الحزب المسيطر في كثير من دول العالم بغض النظر عن نصيبها من الديمقراطية. فخلال الفترة من يناير 2000 وحتى سبتمبر 2006 أجريت 478 انتخابات محلية وتشريعية ورئاسية في 163 دولة من دول العالم وفقا لموقع http://psephos.adam-carr.net، دخلت فيها المعارضة كتحالف واسع في حوالي 35% منها وفازت بالأغلبية في 76% من هذه الانتخابات التي دخلوها متحالفين، ودخلت المعارضة كتحالف ضيق في حوالي 45% من الحالات بنصيب فوز في حدود 41% من الانتخابات التي دخلوها متحالفين. والنسبة الباقية (20%) من الحالات دخلت أحزاب المعارضة دون تحالفات مسبقة فكان نصيبها من الفوز بالأغلبية في حدود 17% فقط من الانتخابات. أي إن التحالف "الضيق" يرفع فرص أحزاب المعارضة في الفوز بنسبة الضعف على الأقل مقارنة بدخولها الانتخابات منفردة (من 17% إلى 41%)، وبنفس المنطق فإن التحالف "الواسع" يرفع فرص الفوز في الانتخابات إلى ضعف فرص التحالف "الضيق" (من 41% إلى 76%). إذن، وبفرض أن هذه المؤشرات الرقمية دليل لنا في قابل أيامنا، فإن الدرس المستفاد لقادة المعارضة المصرية يكون: ولكم في التحالف حياة يا أولي الألباب. بيد أن هذه الأرقام تكشف أيضا أن بناء التحالف الواسع أصعب لكن فرص نجاحه أكبر. وكأن الصعوبة الحقيقية هي في بناء التحالف أكثر مما هي صعوبة في الفوز في الانتخابات. فالفوز في الانتخابات، وفقا لهذا المنطق، ليس هدفا بعيد المنال، بل هو نتيجة منطقية للتحالف الواسع متى تحقق. ومن المفيد توضيح أن مثل التحالف يحتاج إلى وجود نواة مركزية صلبة للتحالف من بين أحزاب وقوى الوسط تحديدا كشرط مهم لبناء أي تحالف موسع؛ لأن قوى الوسط تكون الأقدر على أن تدير الحوار الخلاق بين الشتيت المتنافر من أحزاب اليمين وأحزاب اليسار بحيث تستطيع أن تبتكر مساحة اتفاق تضمن بقاء التحالف حيا. وأهم ما يمكن أن تقوم به قوى الوسط هو مهمة استبعاد بعض القوى من التحالف إن اضطرت لذلك. فهناك قوى ترى أن الإطار الإيديولوجي الحاكم لها يحظى بأولوية مطلقة بغض النظر عن نتائج الانتخابات بحكم أن الفجوة بينها وبين بعض شركائها في التحالف أوسع كثيرا من الفجوة بينها وبين الحزب الحاكم (علاقة التجمع بالإخوان مثالا). وعلى هذا تكون قوى الوسط بمثابة حاملة ميزان القوة التي عليها أن تخلق "أوسع" تحالف "ضيق" ممكن إن فشل التحالف الموسع، وهو ما فعله الرئيس الكيني حين استبعد من تحالف "قوس قزح" بعض القوى التي أرادات أن تمارس حق الفيتو على كافة القوى الأخرى، ونجح التحالف بفضل قوة النواة الصلبة من أحزاب الوسط. وبتأمل الواقع المصري، فإن الأكثر قدرة على قيادة هذا التحالف هو حزب الوفد، بميراثه الليبرالي وبتاريخه في الحكم والمعارضة قبل الثورة وبعدها، شريطة أن تتحقق لقيادته الشروط والمراحل الأخرى التي أشرت إليها. 4- مرحلة طرح البدائل وتكوين أجندة مستقلة عن أجندة الحزب الحاكم: وهي مرحلة يمكن أن تتقاطع زمنيا، أو ربما تسبق المرحلة السابقة عليها، وهي مرحلة تعني أن تنتقل قيادة الحزب المرشح لانتخابات الرئاسة إلى نقطة طرحه نفسه فعليا كمرشح للرئاسة وكبديل مقبول عن المرشح الذي سيرشحه الحزب الحاكم. وهذا لا يعني الانتظار إلى مرحلة ما بعد الرئيس مبارك، بل لا بد أن تبدأ هذه المرحلة من الآن. وهو ما يقتضي أن يطرح الحزب الذي ينوي ترشيح أحد قياداته إلى المبادرة بالإعلان من الآن عن إسم القيادة التي سيقوم بترشيحها في الانتخابات الرئاسية عام 2011، وأن يبدأ صاحب هذا الإسم بالقيام المهام التي أوضحتها من قبل وأن يضيف إليها الاتصال بمراكز الأبحاث المتخصصة، بالذات المستقلة، من أجل إعداد برنامج حزبي متخصص في مجالات العمل العام المختلفة لاسيما المجالات الاقتصادية، وداخلها لا بد من طرح بدائل محددة زمنيا ورقميا بالمبالغ المطلوب انفاقها ومصادر التمويل. وكلما كانت هذه الخطط والبرامج تفصيلية فهي أفضل. وهو ما يقتضي أن يكون لدى الحزب نفسه مركزه البحثي الذي يستطيع أن يستفيد من الجهود البحثية المتخصصة في مجالات العمل العام المختلفة. ويقدم الشخص المرشح عن الحزب رؤيته على نحو متواز مع الرؤية التي يقدمها رئيس الحزب الحاكم. وعليه فمع كل خطاب رسمي من رئيس الدولة، يكون هناك خطاب مضاد خلال فترة يومين أو ثلاثة من خطاب رئيس الدولة يقدم فيه مرشح الحزب المعارض رؤيته ليس فقط بنقد ما يطرح رئيس الدولة من حجج وأفكار وانجازات ولكن كذلك بتقديم أطروحات بديلة. والمزية الأساسية لمثل هذا الطرح أن يخلق المرشح الجديد أفقا سياسيا يجعل الرأي يعتقد في أن الأمور يمكن أن تتغير إلى الأفضل، إذا ما تغير الشخص والحزب في مقعد القيادة. 5- مرحلة الحملة الانتخابية: الحملة الانتخابية الرئاسية لا بد أن تبدأ مبكرا بين أحزاب المعارضة لاسيما إذا كانت مقبلة على بناء تحالف واسع ضد الحزب الحاكم. وعامل الوقت في صالح هذا التحالف إذا نجح في استغلاله من خلال تعريف الرأي العام به. فكل دقيقة يعلن فيها تحالف المعارضة عن نفسه تعني خصما من قوة الحزب الحاكم الذي يتمتع بخاصية القصور الذاتي أو شعار "اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش." بيد أن هذا لا يتحقق بالزمن فقط ولكن كذلك بأن يطرح مرشح الحزب نفسه على الأحزاب والقوى السياسية الأخرى ليس باعتباره زعيما لهم ولكن باعتباره "وسيطا" (entrepreneur) مستعدا لأن يأخذ المخاطرة باعتباره واحدا من فريق يعمل على أن يترجم التحالف المعارض إلى مجموعة أشخاص تتقدم كفريق محدد المعالم ومتجانس المضمون كي يحمل على عاتقه مسئولية موازاة الحزب الحاكم ومنافسته. وسيكون على المرشح لانتخابات الرئاسة أن يستفيد من كافة آليات الدعاية الانتخابية بما فيها الانتخابات المحلية ومجلس الشورى ومجلس الشعب ليقدم نفسه باعتباره ممثلا لتحالف التغيير. بل إن هذا المرشح عليه أن يستعد لمعركة الانتخابات الرئاسية القادمة من الآن بغض النظر عمن سيخوضها من الحزب الوطني، لأن الهزيمة في الانتخابات القادمة قد تكون الشرط الضروري للفوز في الانتخابات اللاحقة لأن منها سيتعلم المرشح بعض الأخطاء وسيحقق جزئيا بعض أهدافه من الآليات المذكورة في هذا المقال بما فيها تعريف الرأي العام بشخص المرشح وتوجهاته. إن السنوات القادمة مليئة بالتحديات لكنها في ذات الوقت لكنها نقطة تحول هامة حيث سيكون جيل اكتوبر قد انتهت شرعيته وانضبطت حدود مصر، وأصبح التحدي الأكبر لا هو بناء الدولة القومية العربية ولا هو تحرير الأرض أو مقاومة المستعمر، وإنما تنمية الإنسان المصري، الذي إن قوى، كان قادرا على أن يحقق كل هذه الأهداف التي تفوق قدراته الحالية.
|